محمد رضوان..
عندما قرأتُ كتاب “اليد العُليا على أفريقيا” (Main Basse sur l’Afrique) وأنا في المرحلة الثانوية، اعتقدت أن مؤلفه “جان زيغلر” ينتمي إلى إفريقيا السمراء ومتشبعٌ بأفكار زعماء التحرر الإفريقي مثل نكروما، ونيريري، ولومومبا، ومانديلا وغيرهم.. ممن قاوموا الاستعمار الأروبي وجعلوا من الوحدة الإفريقية شعارا لنضالاتهم.
كانت أفكار هذا الكِتاب، ولا زالت، بالنسبة إلي ثورية، لكن عندما اكتشفتُ أن صاحبه لم يكن إفريقيا، وإنما مواطن من قلب أروبا زاد التقدير لشخصية هذا الكاتب، الذي يجسد بحق نموذج المثقف الملتزم والنقدي الذي أثر في النقاشات الفكرية المبكرة حول ظاهرة النهب الكبيرة التي تعرضت لها القارة الإفريقية وشعوبها من طرف قِوى الاستعمار والامبريالية الأروبية المعاصرة.
كان صوتُ “زيغلر” المنبعث من واحدة من أكثر بلدان أروبا رفاهية، مزعجا لأصحاب النفوذ لأزيد من نصف قرن، وكانت قضية الرجل، حتى وهو مسؤول بالأمم المتحدة، هي مواجهة الظلم الاقتصادي والجوع وعدم المساواة العالمية.
وُلد جان زيغلر في 19 أبريل 1934 في مدينة ثون، في سويسرا المزدهرة والمحايدة، ونشأ على دراية بانقسامات العالم منذ صغره. درس القانون وعلم الاجتماع، وواصل دراسته في العديد من الجامعات الأوروبية، ونما لديه شغف بقضايا العدالة الاجتماعية وإنهاء الاستعمار.
مع استقلال العديد من الدول الأفريقية في ستينيات القرن الماضي، انضم زيغلر إلى حركات مناهضة الاستعمار، كان يسافر ويلتقي بالزعماء والثوار، ويرصد الآليات التي تُبقي شعوبا بأكملها في براثن الفقر رغم وفرة الثروات العالمية.
كان زيغلر، أستاذ علم الاجتماع في جامعة جنيف، يوجه الرسائل ويؤلف في التحليل النقدي للعلاقة بين الشمال المزدهر والجنوب الفقير. حققت كتبه نجاحًا واسعًا وتُرجمت إلى عدة لغات.
لكن ما كان يغيض معارضيه هو أسلوبه المباشر في اتهام الشركات متعددة الجنسيات، والمؤسسات المالية الدولية، وبعض النخب السياسية بالمساهمة في استمرار الفقر في الدول النامية. بالنسبة لمؤيديه، هو مدافع لا يكلّ عن المهمشين. أما بالنسبة لمنتقديه، فهو يُبسط الحقائق المعقدة تبسيطًا مفرطًا.
إلى جانب كتاب “اليد العُليا على أفريقيا”، تكفي عناوين مؤلفاته لتلخيص سيرته وطبيعة أفكاره ونضالاته، فمن من أشهر أعماله؛ “أسياد العالم الجدد”، و”إمبراطورية العار”، و”الدمار الشامل”. في هذه الكتب، يصف نظامًا اقتصاديًا مُعولما، يرى أنه يُعطي الأولوية للمصالح المالية على حساب حقوق الإنسان الأساسية.
ظلت أفكاره ومداخلاته العلنية تُثير نقاشاتٍ حادة حول العدالة الاجتماعية، والسيادة الغذائية، ومناهضة الجوع والفقر إلى أن وافته المنية أمس الأربعاء (في 10 يونيو 2026) عن عمر ناهز 92 عاماً إثر إصابته بمرض باركنسون، بعد مسيرة فكرية جعلته واحدا من أشهر مناهضي الرأسمالية الشرسين، وأبرز الوجوه اليسارية في سويسرا والعالم.





