
بقلم: د. محمد السنوسي (*)..
مدخل إشكالي: حين تكشف السيادة المعرفية مأزق الفلسفة الأولى
في سياق انطلاق ملتقى مكين للذكاء الاستراتيجي، الذي افتتح دورته لسنة 2026، وخُصِّصت إحدى طاولاته المستديرة لمناقشة إشكالية السيادة المعرفية، عاد إلى الواجهة سؤالٌ فلسفي قديم، يُستدعى كلما تعثّر التفكير في أسس المعرفة والهيمنة الرمزية:
أيهما أسبق: الفكر أم الواقع؟
للوهلة الأولى، يبدو السؤال كلاسيكيًا إلى حدّ الابتذال، وكأن الفلسفة استنفدت القول فيه منذ قرون. غير أن عودته المتكرّرة، في سياقات معرفية وسياسية جديدة، لا تكشف عن حيويته بقدر ما تكشف عن عجز الفلسفة عن تجاوزه. فالسؤال الذي يظلّ معلقًا كل هذا التاريخ الطويل لا يكون سؤالًا مفتوحًا على إمكانات جديدة، بل سؤالًا مغلقًا داخل أفقه، عاجزًا عن إنتاج حلٍّ جذري.
من هنا، لا يبدو الإشكال كامِنًا في نقص الأجوبة، ولا في تعارض المدارس، بل في بنية السؤال نفسه. فربما كان الجدل الطويل بين أسبقية الفكر وأسبقية الواقع يدور داخل دائرة مغلقة، لأنه لم يلتفت إلى ما يفترضه ضمنًا، ويقوم عليه من دون أن يُسميه.
وانطلاقًا من هذا الانزياح، يقترح هذا المقال فرضية مزعزِعة للأساس الذي قامت عليه الفلسفة الأولى:
ماذا لو كان السؤال الفلسفي الأشهر في تاريخ الفكر — أيّهما أسبق: الفكر أم الواقع؟ — سؤالًا مضلِّلًا منذ لحظة صياغته؟
لا لأنه خاطئ فحسب، بل لأنه وُضع داخل أفقٍ نظري لم ينتبه إلى شرطه الأعمق، والأكثر بداهة، والأشدّ إخفاءً في آنٍ واحد:
المعنى.
فقبل أن يكون هناك فكرٌ يفكّر، أو واقعٌ يُدرَك، لا بدّ من أفق يجعل التفكير ممكنًا، والإدراك ذا دلالة. وهذا الأفق هو ما ظلّ مسكوتًا عنه في قلب الإشكال، رغم أنه شرط ظهوره واستمراره.
أولًا: كيف ورثنا الإشكال؟
تفكيك تاريخي لثنائية لم تكن بريئة
لم يظهر سؤال: أيهما أسبق، الفكر أم الواقع؟ بوصفه تساؤلًا بريئًا عن المعرفة، بل وُلد داخل أفق فلسفي افترض منذ البداية أن المعنى إمّا موجود سلفًا خارج الإنسان، أو كامِن في الأشياء ذاتها، أو محكوم ببنية عقلية أو مادية محدِّدة.
بهذا المعنى، لم يكن السؤال بحثًا عن الحقيقة، بل توزيعًا مسبقًا للأدوار بين العقل والعالم، مع تغييب الطرف الأهم: كيفية تولّد المعنى نفسه.
- الميتافيزيقا الكلاسيكية: معنى مُفارق أو معنى مُغلق
مع أفلاطون، تأسّست الفلسفة على افتراض وجود حقيقة سابقة على العالم المحسوس.
المعنى هنا لا يُنتَج، بل يُستعاد؛
الفكر ليس إبداعًا، بل تذكّرًا؛
والواقع ليس مجالًا للمعنى، بل ظلًّا ناقصًا له.
ورغم العمق الميتافيزيقي لهذا التصور، فإنه حمل في داخله ثمنًا باهظًا:
جرّد الإنسان من كونه فاعلًا دلاليًا، وحوّله إلى مجرّد كاشف عمّا هو معطى سلفًا.
المعنى سابق على الإنسان، والتاريخ مجرّد مسرح لإعادة ظهوره.
مع أرسطو، تحوّل مركز الاهتمام من العالم المثالي المتعالِ إلى الواقع الأرضي المحسوس، من المعنى المفارق والمعزول عن الأشياء إلى المعنى المتأصل والموجود داخل طبيعة الأشياء نفسها. غير أن المعنى لم يتحرّر، بل تغيّر سجنه فقط:
لم يعد في عالم المثل، بل في جوهر الأشياء وغاياتها.
المعنى هنا مغروس في الواقع، مكتمل في ذاته، لا يحتاج إلى صراع أو تأويل أو تاريخ.
والنتيجة في الحالتين واحدة:
المعنى إمّا مفارق أو جوهري، لكنّه في كلتا الصيغتين غير تاريخي، غير قابل للنزاع، وغير منتَج إنسانيًا.
- الفلسفة الحديثة: هل أنقذ العقل الإشكال أم عمّقه؟
مع إيمانويل كانط، بدا وكأن الفلسفة وجدت مخرجًا أنيقًا:
العالم كما نعرفه ليس معطًى جاهزًا، بل يُبنى عبر مقولات العقل.
غير أن هذا “الحل” أخفى مأزقًا أعمق:
كانط فسّر كيف نعرف العالم، لكنه لم يفسّر كيف يصبح العالم قابلًا لأن يكون ذا معنى قبل أن نخضعه للمعرفة.
المعنى ظلّ مفترضًا ضمنًا، لا موضوعًا للسؤال.
ثم جاء هيغل، فجعل التاريخ مسارًا لتجلّي العقل.
لكن المعنى هنا ذاب في حركة المطلق، فقد توتره، وفقد قابليته للاعتراض، وصار ما هو كائن هو ما يجب أن يكون.
أما كارل ماركس، فقد أحدث انقلابًا حاسمًا:
ليس الوعي من يحدّد الوجود، بل الوجود الاجتماعي هو من ينتج الوعي.
غير أن المادية التاريخية، رغم قوتها التفكيكية، ارتكبت اختزالًا خطيرًا:
جعلت المعنى تابعًا للبنية الاقتصادية، وأغفلت استقلاليته الرمزية، وقدرتَه على الارتداد على المادة نفسها، لا مجرد الانعكاس عنها.
- الفلسفة المعاصرة: الاقتراب من المعنى دون القبض عليه
مع إدموند هوسرل، دخل المعنى قلب التحليل الفلسفي عبر مفهوم القصدية.
لكن المعنى ظلّ حبيس الوعي الفردي، كأن الدلالة شأن داخلي لا تاريخ له ولا صراع.
وتقدّم مارتن هايدغر خطوة إضافية، حين ربط المعنى بالوجود-في-العالم.
غير أنه ظلّ أسير سؤال الوجود، ولم ينتقل كليًا إلى سؤال توليد المعنى وشروط صراعه وتحوله.
أما لودفيغ فيتغنشتاين، فقد فجّر بداهة كبرى حين قال إن المعنى هو الاستعمال.
لكن هذا الطرح، رغم راديكاليته، لم يفسّر:
لماذا تُفرض استعمالات معيّنة بوصفها “طبيعية”، وتُقصى أخرى بوصفها “غير معقولة” أو “غير شرعية”.
وأخيرًا، كشف ميشيل فوكو العلاقة العميقة بين المعنى والسلطة.
غير أنه درس المعنى بوصفه بنية خطابية قائمة، لا بوصفه مسارًا توليديًا سابقًا على الخطاب، ولا كساحة مفتوحة يُعاد فيها تعريف الممكن والمستحيل.
خلاصة التفكيك
رغم اختلاف المدارس، ظلّ القاسم المشترك واحدًا:
المعنى إمّا مفترض سلفًا، أو محكوم ببنية، أو تابعًا لقوة أعلى منه.
لم يُفكَّر فيه قط بوصفه الأصل الذي منه ينبثق الفكر والواقع معًا.
وهنا تحديدًا، لا نكون أمام فشل مدرسة دون أخرى،
بل أمام وراثة جماعية لإشكال صيغ خطأ منذ بدايته.
إشكال لم يسأل:
كيف يُنتَج المعنى؟
بل اكتفى بتوزيع نتائجه بين الفكر والواقع.
ثانيًا: قبل الفكر وقبل الواقع — المعنى كشرط للظهور
(هنا يكمن الجديد والحلّ الجذري للإشكال)
حين نتحدث عن «الواقع»، نفترض غالبًا أنه معطى مكتمل، قائم بذاته، ينتظر فقط أن يُدرَك أو يُمثَّل. غير أن هذا الافتراض يخفي قفزة غير مبرَّرة: فالواقع، قبل أن يُدرَك بوصفه واقعًا، ليس سوى تدفّق خام من الوقائع؛ أحداث متجاورة، بلا تنظيم ذاتي، بلا دلالة، وبلا حدود مفهومية تفصل هذا عن ذاك. إن ما نسميه «الواقع» ليس ما يوجد فحسب، بل ما يظهر لنا بوصفه قابلًا للفهم.
وبالمثل، فإن «الفكر»، قبل أن يتجه إلى شيء، ليس فكرًا بالمعنى الدقيق، بل قابلية ذهنية صامتة، طاقة بلا موضوع، واستعداد بلا اتجاه. الفكر لا يولد مكتملًا، ولا يتحقق في فراغ، بل لا يصبح فكرًا إلا عندما يجد ما يتجه إليه، وما يمنحه موضوعًا ومعنى.
من هنا، يتبيّن أن السؤال الحقيقي ليس:
كيف نفكّر في الواقع؟
بل السؤال الأعمق والأسبق: كيف يصبح هناك واقع قابل للفهم، وفكر قابل للتوجّه؟
الجواب الذي تقترحه هذه المقاربة لا يأتي من ترتيب زمني بين الفكر والواقع، بل من مستوى أعمق منهما معًا: المعنى.
فالمعنى ليس فكرة تُضاف لاحقًا إلى الأشياء، ولا تفسيرًا يُلصَق بالوقائع بعد حدوثها، بل هو شرط إمكان الظهور ذاته. هو الإطار غير المرئي الذي يجعل الشيء يظهر بوصفه «شيئًا»، والحدث يُدرَك بوصفه «حدثًا»، والفكر يتحقق بوصفه «فكرًا عن». من دون المعنى، لا يوجد واقع بمعناه الفلسفي، ولا يوجد فكر بمعناه المعرفي، بل مجرد وقائع مبعثرة وقدرات ذهنية غير متعيّنة.
بهذا المعنى، يسقط منطق الأسبقية رأسًا على عقب:
لا يسبق الفكرُ الواقعَ، ولا الواقعُ الفكرَ، لأن كليهما ينبثقان معًا داخل أفق دلالي سابق عليهما. المعنى ليس وسيطًا بينهما، بل هو الأرضية التي يقفان عليها معًا، والشرط الذي يجعل ظهورهما ممكنًا أصلًا.
ومن هنا يتّضح أن هذا التصور لا يقدّم حلًا فلسفيًا تقنيًا فحسب، بل يفتح أفقًا أنطولوجيًا أوسع، يتقاطع مع منطق الخلق الكوني ذاته. فالكون لا يُدرَك بوصفه مادة صمّاء أو حركة عمياء، بل بوصفه نظام دلالة: انتظام لا يمكن فصله عن قابلية الفهم، وبنية لا تنفصل عن إمكان التأويل. إن قابلية الكون لأن يُفهَم ليست خاصية لاحقة يضيفها العقل البشري، بل علامة على أن المعنى متجذّر في صميم الوجود.
بهذا المعنى، لا يكون المعنى إسقاطًا إنسانيًا خالصًا على عالم محايد، بل شرط انتظام الوجود نفسه. الإنسان لا يخترع المعنى من عدم، بل يدخل في شبكة دلالية سابقة عليه، يعيد إنتاجها، ويحوّلها، ويصارع داخلها. وهنا، يصبح المعنى هو الأصل الذي منه يتفرّع الفكر، وعليه يتشكّل الواقع، وبدونه ينهار السؤالان معًا.
ثالثًا: الصورة — لحظة ما قبل المعنى
في عالم اليوم، لم تعد الصورة مجرّد وسيط من بين وسائط، بل غدت البنية المركزية للإدراك المعاصر. نحن لا نصل إلى الأحداث غالبًا عبر التجربة المباشرة أو السرد المفهومي، بل عبر صورٍ تسبق الفهم، وتقتحم الوعي قبل أن يمتلك أدواته التأويلية. غير أن الخطأ الشائع هو الاعتقاد بأن الصورة «تحمل معناها» في ذاتها، أو أنها تنقل الواقع كما هو.
الصورة، في حقيقتها، ليست معنى، بل صدمة إدراكية. إنها تقطع الاستمرارية، تخلخل المألوف، وتفتح فجوة في نظام التوقعات. إنها تُري، لكنها لا تشرح؛ تُدهش، لكنها لا تُفسّر. ولهذا تحديدًا، لا تقول الصورة بعدُ ماذا تعني، بل تضع الوعي أمام ضرورة قسرية: ضرورة إنتاج المعنى.
المعنى لا يسكن الصورة، بل يُنتزع منها. يُنتزع عبر صراع معقّد تتداخل فيه السياسة والأخلاق والتاريخ والثقافة، ويتواجه فيه الفاعلون لا حول الوقائع، بل حول أفق تفسيرها. فالصورة الواحدة يمكن أن تتحول إلى شهادة إدانة أو إلى أداة تبرير، إلى صرخة أخلاقية أو إلى مادة تطبيع، تبعًا للمنظومة الدلالية التي تُدرَج داخلها.
من هنا، يتضح أن المعركة المعاصرة لم تعد تدور حول سؤال: “ما الذي حدث؟”
بل حول سؤال أخطر وأعمق: من يملك حق تفسير ما حدث؟
ومن ينجح في تثبيت تفسيره، لا يربح معركة خطابية فحسب، بل يعيد تشكيل الوعي، والذاكرة، وحدود الممكن السياسي والأخلاقي.
رابعًا: حين يصبح المعنى أصل القوة
إذا كان المعنى هو الأصل الذي ينبثق منه الفكر والواقع، فإن السيطرة عليه تصبح أعمق أشكال الهيمنة وأكثرها رسوخًا. فالقوة، في هذا الأفق، لا تُختزل في السلاح أو الاقتصاد أو التكنولوجيا، بل تتجذر في القدرة على تعريف ما يُعدّ شرعيًا، وما يُعتبر طبيعيًا، وما يُنظر إليه بوصفه بديهيًا.
المعنى ليس انعكاسًا محايدًا للواقع، بل إعادة تشكيل له. إنه ما يمنح الوقائع وزنها، ويحدد موقعها في سلم القيم، ويمنح الأفعال معناها الأخلاقي والسياسي. الفعل ذاته قد يكون مقاومة أو إرهابًا، تحريرًا أو فوضى، تبعًا للإطار الدلالي الذي يُدرَج داخله.
لهذا، لا تُهزم الشعوب فقط حين تُقهر عسكريًا، بل حين تُجرَّد من قدرتها على إنتاج معناها الخاص، حين يُفرض عليها تفسير ذاتها من خارجها، وحين تُختزل تجربتها في سرديات لا تعبّر عنها. وعلى العكس، لا تنتصر الشعوب فقط حين تنتصر ميدانيًا، بل حين تنجح في فرض سرديتها بوصفها أفق الفهم الممكن، لا مجرد رأي من بين آراء.
المعنى هو ما يجعل الفعل مشروعًا أو مدانًا، ممكنًا أو مستحيلًا، مرئيًا أو مطموسًا. ومن يسيطر على المعنى، يسيطر على شروط الفعل ذاته، لا على نتائجه فقط.
خامسًا: انقلاب السؤال — من الأسبقية إلى التوليد
إن قبول المعنى بوصفه أصلًا لا يقدّم إجابة جديدة داخل الإشكال القديم، بل يقلب الإشكال من جذوره. فبدل أن نظل أسرى السؤال الكلاسيكي: أيهما أسبق، الفكر أم الواقع؟ ننتقل إلى مستوى أكثر تركيبًا وخصوبة:
كيف يُنتَج المعنى؟
ومن ينتجه؟
وتحت أي شروط تاريخية، ومؤسسية، ورمزية؟
بهذا الانتقال، نغادر أفقًا فلسفيًا كاملًا، وندخل آخر:
- من ميتافيزيقا الجوهر إلى أنطولوجيا التشكّل، حيث لا تُفهم الأشياء بوصفها معطيات ثابتة، بل كعمليات صيرورة.
- من البحث عن «الحقيقة» بوصفها معطى نهائيًا، إلى تحليل شروط إنتاج الحقيقة وتداولها.
- من فلسفة الوعي المنعزل، إلى سياسة المعنى بوصفها ساحة صراع مركزية.
في هذا الأفق، لا يعود الفكر والواقع متقابلين أو متنافسين، بل يصبحان لحظتين داخل مسار واحد:
مسار تشكّل المعنى، ثم ترسّخه في الوعي الجمعي، ثم تحوّله إلى ما يبدو «واقعًا طبيعيًا» و«فكرًا بديهيًا». ما نعدّه واقعًا ليس إلا معنى استقرّ، وما نعدّه فكرًا ليس إلا معنى تنظّم.
خاتمة تأسيسية: المعنى كقدر إنساني واستشرافي
الإنسان، في جوهره الأعمق، ليس كائنًا مفكّرًا فقط، ولا كائنًا واقعيًا فقط، بل كائن معنوي قبل كل شيء. فهو لا يعيش في فضاء من الأشياء الصامتة، بل في عوالم دلالية متشابكة: رموز، صور، سرديات، وأطر تفسيرية تمنح للوجود قابلية لأن يُعاش وأن يُفهم.
من يملك المعنى، يملك أفق الممكن: ما يمكن التفكير فيه، وما يمكن فعله، وما يمكن تخيّله. ومن يُسلب معناه، لا يُسلب تفسير ماضيه فحسب، بل يُسلب مستقبله أيضًا. المعنى إذن ليس لاحقًا على الواقع أو الفكر، بل شرط إمكان ظهورهما وتكوّنهما.
إذا اعتبرنا المعنى هو الأصل، فإن السؤال التقليدي عن أسبقية الفكر على الواقع أو العكس يصبح أداة غير كافية لفهم ما يحدث في العالم. فنحن بحاجة إلى منظور استشرافي، يسمح برصد إنتاج المعنى، تحليل شروطه، واستشراف آفاقه قبل أن يتحوّل إلى واقع أو فكر مستقر.
منهج الاستشراف هنا لا يقتصر على التنبؤ بالمستقبل، بل هو أداة تحليلية لتفكيك المعنى الحالي، لتحديد الفواعل التي تنتجه، ولمتابعة مساراته التحولية. فهو يكشف أن المعركة اليوم ليست حول الوقائع وحدها، بل حول من يملك القدرة على إنتاج المعنى، وإعادة تشكيله، وتوجيهه.
حين يصبح المعنى محور القوة، تتغير قواعد اللعبة: لا تُهزم الشعوب حين تُقهر ماديًا فقط، بل حين يُجرّدون من قدرتهم على إنتاج سردياتهم. ولا تنتصر بمجرد السيطرة العسكرية، بل عندما تنجح في فرض أفق تفسيرها الخاص كإطار للفهم الممكن.
وباستخدام الاستشراف، يمكن لهذه الرؤية أن تتحول إلى خارطة لفعل التغيير: تفكيك السرديات المهيمنة، إعادة بناء الأطر الدلالية، واستشراف المسارات التي يمكن أن يتحول عبرها المعنى إلى أداة إنتاج قوة، شرعية، وحرية.
الخلاصة الجوهرية: حين يكون المعنى الأصل، يصبح العالم كله مجالًا للفعل التوليدي، والفكر والواقع مجرد لحظتين في مساره. وكل تغيير في المعنى لا يعيد ترتيب وعينا فحسب، بل يعيد تشكيل العالم نفسه.
وفي النهاية، وفي ضوء هذا الإحاطة بالمعنى كأصل، يمكن الإيحاء بأن هذه القدرة على التشكيل ليست مجرد إرادة بشرية: فهي تلمح إلى قدرة إلهية خفية تسبق الأشياء والوعي، تضع المعنى في قلب الوجود، وتمنح الإنسان فرصة أن يكون شريكًا في صياغة ما يُمكن أن يكون، بما يعكس حكمة خالقة في ترتيب العالم وديمومة الممكن.
(*) أستاذ الدراسات المستقبلية والشؤون الدولية ورئيس مركز مكين للذكاء الاستراتيجي – الرباط



