السيادة المعرفية وإعادة صياغة القوة في النظام الدولي: نحو مدرسة “ما قبل الإخضاع”

المعرفة ليست مجرد معلومات؛ بل هي آلية لإنتاج الواقع السياسي والاجتماعي

بقلم: د. محمد السنوسي (*)

في عالم ما بعد الحداثة، لم تعد القوة تُقاس فقط بالمدافع أو الجيوش أو الحدود المحصنة، ولم تعد السيادة الوطنية تتحدد بمجرد امتلاك الموارد الطبيعية أو السيطرة على الأرض. لقد دخلنا مرحلة جديدة، حيث أصبح التحكم في المعرفة هو السلاح الأكثر فعالية في صناعة الواقع السياسي، والقدرة على توجيه القرار قبل أن يولد على الطاولة هي معيار السيادة الحقيقية. في هذا السياق، تقترح هذه الورقة إطارًا نظريًا جديدًا أُطلق عليه مدرسة “ما قبل الإخضاع، يقوم على فرضية مفادها أن الدولة التي تفقد القدرة على تحديد واقعها المعرفي تفقد سيادتها وظيفيًا، حتى وإن بدا أنها تحتفظ بالرموز الشكلية للسلطة: البرلمان، الجيش، والدستور.

السيادة هنا لم تعد مجرد حالة شكلية، بل أصبحت وظيفية، استشرافية، وصامتة؛ تتحقق عندما تُعاد صياغة أطر التفكير، وتُعاد هندسة تصورات التهديدات والفرص، وتُوجه النخب نحو ما يُعتبر “القرار العقلاني” قبل أن تصل أي قضية إلى النقاش العام. كما أظهرت تجربة جزيرة إبستين على المستوى الفردي، يمكن أن يبدو القرار سياسيًا ووطنياً، بينما يتم تشكيل أدواته الحقيقية خارج وعي الفرد أو خارج نطاق الدولة نفسها — نموذج مصغر لما يمكن أن يحدث على مستوى السيادة الوطنية.

في قلب هذا الإطار الجديد، تصبح المعرفة أمنًا قوميًّا غير معلن، حيث البيانات الضخمة، الخوارزميات، ونماذج الذكاء الاصطناعي ليست مجرد أدوات تحليلية، بل منصات قوة قادرة على تحديد ما يُناقش، ما يُتجاهل، ومن يُعتبر صاحب السلطة في صناعة القرار. الدولة التي لا تنتج معرفتها الخاصة، ولا تتحكم في بنيتها التحتية ولا في نماذج تفسيرها، تصبح خاضعة لإرادات خارجية صامتة، تُدار بها من بعيد دون أي تدخل عسكري مباشر، ويُدار مستقبلها قبل أن تقرر هي نفسها.

تهدف هذه الورقة إلى تتبع التحولات العميقة في السيادة الوطنية تحت تأثير ثورة المعلومات، ومقاربة العلاقة بين المعرفة والقرار والسيادة بوصفها عملية تراكمية، استشرافية، وإخضاعية في الوقت ذاته. كما ستستكشف الأدوات التي تُعيد إنتاج السلطة على مستوى عالمي: من الخوارزميات إلى النماذج التنبؤية، ومن شبكات الخبراء إلى إعادة هندسة المشهد السياسي بشكل يبدو محايدًا، لكنه محمل بإفتراضات استراتيجية دقيقة.

باختصار، هذه الورقة تدعو إلى التفكير في السيادة المعرفية كشرط وجودي للدولة في عالم القوة الصامتة، حيث لم يعد القرار السياسي يُولد على الطاولة، بل يُصاغ مسبقًا في الفضاءات المعرفية الصامتة التي تحدد ما يُسمح به وما يُحظر، وما يُعتبر “حقيقة” وما يُصنف على أنه “رأي هامشي”. من يسيطر على المعرفة، يسيطر على المستقبل. ومن يسيطر على المستقبل، يكتب التاريخ قبل أن يُعلنه الآخرون.

إن هذا التحول العميق في طبيعة القوة والسيادة يفرض علينا إعادة تشكيل المفهوم التقليدي للسيادة نفسه، من مجرد رموز قانونية وجيوسياسية، إلى قدرة حقيقية على التحكم في المعرفة والبنى التحتية التي تنتجها وتفسرها الدولة داخليًا. ومن هنا يبدأ استكشاف سيادة المعرفة بوصفها الركيزة الجوهرية لفهم السيادة في العصر الجديد.

سيادة المعرفة: إعادة تشكيل المفهوم التقليدي للسيادة

في الفكر السياسي الكلاسيكي، كانت السيادة تعني قدرة الدولة المطلقة على ممارسة السلطة ضمن حدودها الإقليمية، كما نصت عليها معاهدة وستفاليا عام 1648. هذه الرؤية كانت تُركز على الجيوش، الحدود، والموارد الطبيعية كضمان للهيمنة والسيطرة. لكن ثورة المعلومات والتحول الرقمي قلبت هذا المفهوم رأسًا على عقب. اليوم، القدرة على التحكم في البيانات، إنتاج المعرفة، واستباق الأحداث هي ما يحدد من يملك السيادة الحقيقية.

يشير الباحث سحاري مصطفى إلى أن السيادة الوطنية لم تعد مطلقة كما كانت؛ بل أصبحت مقيدة بقدرة الدولة على حماية معلوماتها في فضاءات رقمية عالمية تتجاوز الحدود التقليدية[1]. في هذا السياق، لم يعد من الممكن فصل القوة عن المعرفة: من يمتلك المعرفة، يملك مفتاح التحكم في مستقبل الدولة، ويحدد ما يُسمح به وما يُحظر قبل أن تتخذ أي قرارات رسمية.

عند الانتقال إلى مفهوم السيادة المعرفية كوظيفة عملية ، تطرح مجموعة من الأسئلة المركزية:

  • من يحدد ما يُعتبر “حقيقة” في السياسات العامة؟
  • كيف تُنتج المعاني التي تُشكل الرؤى الأمنية والسياسية؟
  • من يمتلك حق رسم حدود الممكن والمعقول قبل اتخاذ القرار؟

هذه الأسئلة لا تستطيع النظريات التقليدية في العلاقات الدولية الإجابة عنها. إنها تتطلب مقاربة فلسفية–إبستمولوجية عميقة، كما أشار ميشيل فوكو: لا توجد معرفة خالية من السلطة، ولا سلطة خالية من المعرفة[2].”

السلطة والمعرفة: من الهيمنة إلى الإخضاع

المعرفة ليست مجرد معلومات؛ بل هي آلية لإنتاج الواقع السياسي والاجتماعي. عندما تُحتكر المعرفة وتُوجَّه، تتحول من أداة للفهم إلى أداة للهيمنة والتحكم السلوكي. الاهتمام بتحويل المعرفة إلى أداة للسيطرة ليس حديثًا؛ فقد أكد أوغست كونت في القرن التاسع عشر: المعرفة قوة، مما يظهر كيف أصبحت السيطرة على المعرفة محورًا للسلطة[3].

لكن السيطرة على المعرفة تتجاوز مجرد احتكار المعلومات. فهي تمتد إلى التحكم في إطار تفسيرها:[4] أي إعادة هندسة الواقع الذي تُبنى عليه القرارات. في هذه الورقة، أطلقنا على هذا الإطار مصطلح الإخضاع المعرفي، أي التحكم الصامت في بدائل القرار والأطر التي تحدد ما يُعتبر ممكنًا أو عقلانيًا قبل أن يولد القرار ذاته.

مدرسة “ما قبل الإخضاع”: المقاربة الأساسية

أقترح في هذه الورقة مقاربة جديدة أُطلق عليها مدرسة “ما قبل الإخضاع، التي تعيد تعريف القوة والسيادة في عالم اليوم. وفق هذه المدرسة، القوة الحديثة لا تتحقق بمجرد إخضاع العدو عسكريًا أو اقتصاديًا، بل بالسيطرة على إطار المعرفة الذي تُبنى ضمنه كل قراراته. بمعنى آخر، من يملك القدرة على تحديد ما يُعتبر “واقعًا” وما هو “ممكن” داخل ذهن صانع القرار، يمتلك السيادة الحقيقية قبل أن يولد القرار نفسه على الطاولة.

الإخضاع المعرفي، في إطار هذه الرؤية، ليس تصرفًا علنيًا أو ممارسة مباشرة للقوة، بل هو عملية تراكمية صامتة للمعرفة تُعيد تشكيل أطر التفكير وصنع القرار قبل أن تظهر أي ممارسات على الأرض. إنه يشمل إعادة ترتيب الأولويات، تضييق أفق الخيارات، واستبعاد البدائل قبل أن تصل إلى النقاش العام أو تُطرح في أي سياق رسمي.

التحكم في هذا المستوى من المعرفة يعني أن ما هو ممكن” و”ما هو مشروع” يُعاد رسمه في ذهن الدولة ومؤسساتها قبل أن تتخذ أي خيار فعلي. بعبارة أخرى، حدود القرار لم تعد تُفرض فقط بالقوة العسكرية أو الاقتصادية، بل من خلال إعادة هندسة المعرفة نفسها؛ أي تحديد ما يُعد حقيقيًا، وما يُعتبر غير مهم، وما يجب تجاهله كخيار مستبعد.

هذا النوع من السيطرة يخلق سيادة وظيفية حقيقية، حيث تُبنى شرعية القرارات على فهم داخلي مستقل للمعطيات، بدلًا من أن تُفرض عليها من خارج الإطار الوطني. وفي هذا الصدد، تصبح الدولة أكثر قدرة على التوقع المسبق للأزمات، وتحديد مسار السياسات، وحماية مصالحها قبل أن تواجه الواقع فعليًا.

مثال صارخ: جزيرة جيفري إبستين كنموذج معرفي للإخضاع الصامت
قضية جزيرة إبستين تمثل نموذجًا صارخًا لما يمكن أن يحدث على مستوى الدولة بأبعاد معرفية وسياسية. الجزيرة لم تكن مجرد مساحة جغرافية، بل مختبرًا مصغرًا لإعادة هندسة العلاقات، بيانات حساسة، وكلاء استخباراتيون، وشبكات نخبوية تتحرك في الظل. حتى النخبة التي اعتقدت أنها تمارس سيادتها الشخصية، كانت في الواقع خاضعة لإطار معرفي صُمم لتحديد “ما هو ممكن”، “ما هو مشروع”، و”ما هو مستبعد”.

بعض التقارير الغربية ربطت أحداث الجزيرة بتدخلات استخباراتية دقيقة، وأشار كثير منها إلى دور وكالات إسرائيلية مثل الموساد في تجميع المعلومات[5]، أو توجيه المعرفة بطريقة غير علنية، ليس لإخضاع الدولة فقط، بل لتوجيه سلوك النخب السياسية والاجتماعية حول العالم، قبل أن تدرك هذه النخب نطاق تأثيرها. هذا يوضح كيف يمكن أن تتحول المعرفة إلى أداة للهيمنة والتوجيه المسبق، تتجاوز كل أدوات السيطرة التقليدية، من قصف عسكري أو ضغوط اقتصادية، لتصبح قوة صامتة تحدد القرار قبل ولادته.

من هذا المنظور، الإخضاع المعرفي ليس مجرد أداة نظرية؛ إنه آلية عملية لإعادة هندسة السلطة والسيادة. فهو يمكّن من تحويل المعلومات والبيانات والخوارزميات ونماذج الاستشراف إلى إطار يحدد حدود القرار الداخلي ويخلق واقعًا متوقعًا ومُدارًا قبل أن يتحقق فعليًا. ومن يسيطر على هذا المستوى من المعرفة، يملك القدرة على إعادة رسم التاريخ قبل أن يعلنه الآخرون، وهو جوهر القوة في عالم السيادة الصامتة، حيث المعرفة ليست رفاهًا فكريًا بل شرط وجودي وحاسم لاستقلال القرار.

التحليل الارتدادي للقرار: قلب الفهم التقليدي للسيادة

في الدراسات التقليدية لصنع القرار، يُطرح السؤال عادةً بهذا الشكل البسيط: لماذا اتخذت الدولة هذا القرار؟. يركز هذا الإطار على السلوك الظاهر للفاعلين، التحركات العسكرية، أو القرارات الاقتصادية، وكأن القرار يولد ويحدث على الطاولة الحكومية في لحظة محددة، مستقلاً عن أي تأثير خارجي أو مسارات معرفية سابقة.

في منظور مدرسة ما قبل الإخضاع، تقلب المعادلة رأسًا على عقب. السؤال الأكثر عمقًا ليس لماذا اتخذ القرار، بل: من حدّد مسبقًا ما الذي يُعتبر قرارًا عقلانيًا أصلاً؟. هنا يظهر مفهوم التحليل الارتدادي للقرار، وهو دراسة القرار قبل أن يولد، عبر تتبع كل المستويات غير المرئية التي أعدت الأرضية لصياغته، بما في ذلك البدائل التي لم تُطرح، وأطر المعرفة التي صيغت ضمنها التوصيات، ولحظات الاقتناع الصامت التي تتحول إلى قواعد عمل دون وعي صانع القرار نفسه.

  • أدوات التحليل الارتدادي
  • تحليل البدائل غير المطروحة: الكشف عن الخيارات التي أُقصيت مسبقًا، وتبيان الأسباب وراء هذا الإقصاء—هل كان بسبب ضغوط خارجية؟ أم ضمن أطر تفسيرية ومعرفية صيغت خارج نطاق الدولة؟ هذه العملية تكشف كيف يُعاد رسم “ما هو ممكن” قبل أن تتاح أي فرصة للنقاش.
  • تفكيك الحياد الزائف للمعرفة: دراسة ما يُقدم على أنه “محايد” من دراسات أو خبرات مؤسسية، وفحص ما إذا كانت هذه المعرفة محملة بافتراضات سياسية أو استراتيجية عميقة. المعرفة التي تبدو مستقلة قد تكون في الواقع أداة لإعادة إنتاج الهيمنة والإخضاع.
  • تتبع لحظة الاقتناع الصامت لدى النخبة: دراسة اللحظة التي يقتنع فيها صانع القرار بأن “لا بديل” أمامه، وكيف يتحول هذا الاقتناع إلى قاعدة عمل ثابتة، تحدد سياسات الدولة، حتى دون أن يكون القرار محكومًا بوعي كامل أو اختيار حر.

المعرفة كعنصر من عناصر الأمن القومي غير المعلن

في عالم اليوم، لم يعد مفهوم الأمن يُختزل في الحدود الملموسة أو القوة العسكرية التقليدية. لم تعد الدبابات والأسوار وحدها من تحدد سيادة الدولة أو قوتها. بل أصبح الأمن يُبنى على السيادة المعرفية، حيث تتحدد فعالية الدولة بقدرتها على إنتاج المعرفة، حمايتها، توزيعها، واستثمارها في استشراف التهديدات والفرص قبل أن تتحقق على أرض الواقع. هنا، يصبح الأمن ليس مجرد تحصين للحدود، بل قدرة سيادية على التحكم فيما يُعرف ويُفهم قبل أن يتحرك الفعل السياسي أو العسكري. بعبارة أخرى، الدولة التي تفقد السيطرة على المعرفة تفقد القدرة على التحكم في واقعها الخاص، حتى لو بدا لها أنها تتحكم في مؤسساتها وجيوشها.

وانطلاقًا من هذا التحول العميق في معنى الأمن والسيادة، يصبح من الضروري الانتقال من مستوى الفهم العام إلى تفكيك البنية التي تُنتَج داخلها هذه القوة الجديدة، أي إلى دراسة البيانات والخوارزميات بوصفها موارد سيادية لا تقل حسمًا عن الأرض والسلاح.

  • البيانات والخوارزميات كموارد سيادية

مع الثورة الرقمية وتوسع تقنيات الذكاء الاصطناعي، تحولت البيانات الضخمة والخوارزميات ونماذج اللغة الكبيرة إلى موارد سيادية فعلية. هذه الموارد ليست محايدة، بل تعكس قيم ومصالح واضعيها، وهي تحدد ما يُعتبر حقيقة وما يُصنف على أنه رأي هامشي. من يسيطر على هذه الموارد يمتلك قدرة غير مسبوقة على إعادة صياغة الواقع السياسي والاجتماعي قبل أن يصل القرار إلى الطاولة الحكومية.[6] هذا التحول يجعل من السيطرة على البيانات أداة استراتيجية قادرة على فرض الإطار الذي يُصاغ ضمنه القرار، وبالتالي يغير من طبيعة السيادة الوطنية بشكل جوهري.

§       الذكاء الاصطناعي والتحكم في توقيت المعرفة

اليوم، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يفرض منطق الرد الفوري بدل التنبؤ المسبق[7]، بحيث قد تدرك الدولة التهديد بعد وقوعه أو قبل أن تدرك نطاقه الكامل. من يحدد الفرضيات الأساسية التي تُبنى عليها نماذج التنبؤ يحدد شكل القرار قبل أن يُتخذ رسميًا، ويعيد رسم أفق السيادة العملية للدولة. بهذا المعنى، السيادة لم تعد مجرد جغرافيا أو جيش، بل توقيت، معرفة، وقدرة على التنبؤ والتوجيه قبل أن تتحرك الدولة نفسها.

نحو إرباك معرفي: الزلزال الإدراكي في الفضاء العام

الزلزال المعرفي الذي نسعى لإحداثه في هذا السياق هو رفض الاعتقاد بأن السيادة تُختزل في القوة أو الحدود التقليدية، والاعتراف بأن السيادة الحديثة تُفقد صامتة عندما يفقد صانع القرار القدرة على التحكم في المعرفة التي تُصوغ ضمن خياراته.

عندما تتقاطع المعرفة مع السلطة في صميم القرار السياسي، يتفكك المعنى التقليدي للسيادة الوطنية، ويتحول إلى شبكة معقدة من الهيمنة والإخضاع وإعادة إنتاج المعنى. هنا يتجلى جوهر القوة في النظام الدولي الحديث: القدرة على تحديد ما هو ممكن ومعقول قبل أن يُتخذ أي قرار رسمي، وهو ما يجعل المعرفة أخطر أشكال القوة غير المعلنة وأكثرها خفاءً من أعين العامة.

في هذا الإطار، تمثل فضيحة جيفري إبستين نموذجًا مصغرًا للإخضاع المعرفي الصامت، لا على الدولة وحدها، بل على النخب التي يعتقد أصحابها أنهم يمارسون سيادتهم الذاتية: بيانات حساسة، وكلاء استخباراتيون، وشبكات نخبوية تتحرك في الظل، تقودها أحيانًا مصالح استخباراتية غربية وإسرائيلية، كما أظهرت بعض التقارير الغربية حول دور الموساد الإسرائيلي في توجيه المعلومات وإعادة هندسة سلوك النخب السياسية والاجتماعية قبل أن تدرك نطاق تأثيرها.

هذه الحالة تكشف الحقيقة البشعة: المعرفة أصبحت أداة للهيمنة والتوجيه المسبق، حتى على الأفراد والدول التي تعتقد أنها متحررة وتمارس سيادتها بحرية. القرار السياسي لم يعد يُصاغ على الطاولة أو في البرلمان، بل في الفضاءات المعرفية الصامتة، قواعد البيانات، الخوارزميات، وشبكات النخبة. السيطرة على هذا المستوى من المعرفة تعني أن من يمتلكه يكتب التاريخ قبل أن يُعلنه الآخرون، ويعيد تعريف “ما هو ممكن” و”ما هو مشروع” قبل أن تتاح أي فرصة للقرار الحر.

من منظور التحليل الاستراتيجي، يمكن رؤية الاعتماد على المعرفة الغربية، والتقارير الخارجية، والأطر التفسيرية المفروضة، ليس مجرد مسألة استهلاك فكري، بل آلية دقيقة للاستلاب المعرفي والصامت للسيادة. في هذا الإطار، كل قرار يبدو وطنيًا قد يكون في الواقع نتيجة لنماذج معرفية صاغها آخرون خارج حدود الدولة، تحدد مسبقًا ما يُسمح برؤيته وما يُحجب عن صانع القرار.

هذه العملية تُعيد تعريف مفهوم السيادة من كونه ممارسة فعلية للسلطة ضمن الحدود الوطنية، إلى كونه قدرة على تشكيل وإدارة المعرفة التي يُبنى عليها القرار. إذا لم تتم السيطرة على مصادر المعرفة المحلية، أدوات التحليل، ونماذج التفسير الخاصة بالدولة، تصبح السيادة مجرد إطار شكلي، والقرارات السياسية نسخة طبق الأصل لما يُملى عليها من الخارج.

بمعنى آخر، الإخضاع المعرفي يحدث قبل اتخاذ القرار نفسه: إذ يُعاد هندسة الممكن والمشروع داخل أطر معرفية خارجية، مما يجعل أي خيار يبدو حرًا في الواقع تابعًا ومحدودًا بإملاءات غير مرئية. في هذا السياق، يصبح التحكم بالمعرفة شرطًا وجوديًا للسيادة العملية، وليس مجرد رفاه فكري أو أداة مساعدة لاتخاذ القرار.

خاتمة

السيادة المعرفية لم تعد مجرد رفاه فكري أو امتياز للنخب؛ إنها وحدة القياس الحقيقية للقوة في النظام الدولي القادم. الحروب لم تعد تُقاس بعدد الدبابات أو المدافع، ولا حتى بامتلاك الموارد أو الحدود المنيعة؛ بل بمن يملك القدرة على التحكم في ما يُعرف، كيف يُفسر، ومتى يُستخدم.

في المستقبل القريب، لن تُقصف العواصم أولاً؛ ستُقصف الخوارزميات، تُستهدف قواعد البيانات، وتُدار القرارات في فضاءات معرفية صامتة لا يراها أحد بوضوح، لكن تأثيرها يتجاوز أي قوة مادية. الدولة التي لا تتحكم في بنيتها المعرفية المنهجية قبل لحظة اتخاذ القرار، ليست أكثر من ظل وظيفي في نظام معرفي صاغه آخرون، يتحكم في “ما هو ممكن” و”ما هو مشروع” قبل أن يُتاح أي خيار رسمي.

السيادة اليوم تعني القدرة على فلترة المعرفة، إعادة هندسة المعاني، وصياغة رؤى استشرافية قبل أن تولد القرارات على الطاولة. إنها القدرة على أن يكون القرار ناشئًا من داخل الدولة ومن ضمن أدواتها الخاصة، لا نتيجة لاستيراد نماذج تفسيرية جاهزة أو توصيات مُعدة خارج حدودها.

إذا كانت المعرفة هي الوقود الجديد للسيادة، فإن السؤال الأخطر الذي يجب أن يواجهه كل صانع قرار في عصر القوة الصامتة ليس: “هل نملك جيشًا قويًا؟” بل:
هل نملك مصافي معرفتنا الخاصة، أدوات تحليلنا الداخلية، ونماذج تفسيرنا المستقلة، أم نكتفي باستهلاك ما يُضخ إلينا من الخارج؟

في نهاية المطاف، أي دولة تتجاهل البُعد المعرفي، حتى وإن بدت مؤسساتها وسياساتها سيادية، تتحول إلى مجرد واجهة: صدى لقرارات الآخرين وأداة في منظومة قوة لا تعترف بالحدود ولا بالمظاهر التقليدية للحرب. اليوم، تكمن القوة الحقيقية في من يسبق الجميع إلى صياغة الواقع قبل أن يولد، ومن يحدد ما يُعتبر حقيقة قبل أن يُعلنه الآخرون. باختصار، القوة الحقيقية تبدأ بإنتاج هندسة المعنى نفسه.

مراجع

سحاري، مصطفى. (2019). السيادة الوطنية للدول في ظل ثورة المعلومات. مجلة المعيار، المجلد 10، العدد 4، الصفحات 40–57. المركز الجامعي أحمد بن يحي الونشريسي تيسمسيلت.تم الاطلاع عليه عبر : السيادة الوطنية للدول في ظل ثورة المعلومات | ASJP

Foucault, M. (1980). Power/Knowledge: Selected Interviews and Other Writings, 1972–1977 (C. Gordon, Ed.). Pantheon Books.

Adler, E., & Bernstein, S. (2009). Knowledge in power: The epistemic construction of global governance. In M. Barnett & R. Duvall (Eds.), Power in Global Governance (pp. 225–246). Cambridge University Press.

محمد السنوسي، الشباب والصراع على المعنى في السياق العالمي المعاصر، الملتقى الشبابي الدولي، إسطنبول 24 يناير 2026 .

Hernandez, M. G. (2026, February 4). FBI informant ‘became convinced’ Epstein was Israeli spy: Government document. Anadolu Agency. https://www.aa.com.tr/en/americas/fbi-informant-became-convinced-epstein-was-israeli-spy-government-document/3820659

Gwagwa, A., & Mollema, L. (2025). The sovereignty‑internationalism paradox in AI governance: Digital federalism and global algorithmic control. Discover Artificial Intelligence, 5, Article 123.

Singh, S. K., & Sengupta, S. (2025). Sovereign AI: Rethinking autonomy in the age of global interdependence. arXiv.

 (*) أستاذ الدراسات المستقبلية والشؤون الدولية ، مؤسس ورئيس مركز مكين للذكاء الاستراتيجي- الرباط


[1]. سحاري، مصطفى. (2019). السيادة الوطنية للدول في ظل ثورة المعلومات. مجلة المعيار، المجلد 10، العدد 4، الصفحات 40–57. المركز الجامعي أحمد بن يحي الونشريسي تيسمسيلت.تم الاطلاع عليه عبر : السيادة الوطنية للدول في ظل ثورة المعلومات | ASJP

[2]. Foucault, M. (1980). Power/Knowledge: Selected Interviews and Other Writings, 1972–1977 (C. Gordon, Ed.). Pantheon Books.

[3]. Adler, E., & Bernstein, S. (2009). Knowledge in power: The epistemic construction of global governance. In M. Barnett & R. Duvall (Eds.), Power in Global Governance (pp. 225–246). Cambridge University Press.

[4]. محمد السنوسي، الشباب والصراع على المعنى في السياق العالمي المعاصر، الملتقى الشبابي الدولي، إسطنبول 24 يناير 2026 .

[5]. Hernandez, M. G. (2026, February 4). FBI informant ‘became convinced’ Epstein was Israeli spy: Government document. Anadolu Agency. https://www.aa.com.tr/en/americas/fbi-informant-became-convinced-epstein-was-israeli-spy-government-document/3820659

[6]. Gwagwa, A., & Mollema, L. (2025). The sovereignty‑internationalism paradox in AI governance: Digital federalism and global algorithmic control. Discover Artificial Intelligence, 5, Article 123.

[7]. Singh, S. K., & Sengupta, S. (2025). Sovereign AI: Rethinking autonomy in the age of global interdependence. arXiv.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى