
*بقلم: د. محمد السنوسي..
لم أكتب عن قضية جيفري إبستين حين ظهرت كفضيحة جنسية فردية لرجل ثري استغل نفوذه، لأن الحقيقة أكبر من ذلك بكثير. مع الإفراج المتدرّج عن ملايين الصفحات والملفات القضائية والاستخباراتية خلال فبراير/شباط 2026، أصبحت القضية أكثر من مجرد سقوط أخلاقي؛ صارت نافذة تكشف عن هندسة نفوذ غير مرئية تربط المال، السياسة، والاستخبارات في قلب النخب الغربية نفسها.
وما يثير الانتباه بشكل خاص، هو فرضية قوية تداولتها تقارير وتحقيقات استقصائية دولية، مفادها أن إبستين لم يكن مجرد سمسار علاقات أو مجرمًا، بل كان حلقة مركزية ضمن شبكة ابتزاز استخباراتية يمكن ربطها بالموساد الإسرائيلي. إذا صحت هذه الفرضية—ولو جزئيًا—فالمعنى أبعد بكثير من فضيحة شخصية: إنه يضع السؤال الأكثر استفزازًا لأي ديمقراطية غربية على الطاولة:
فالملفات المسربة لم تكشف فقط عن العلاقات المشبوهة بين إبستين والنخب السياسية والمالية؛ بل عن نموذج متقدم للنفوذ غير المباشر، حيث تتحوّل نقاط الضعف الفردية إلى أدوات ضغط واستثمار استراتيجي، ويصبح الصمت، التأجيل، أو الامتناع عن المعارضة أدوات لإعادة توجيه السياسات بعيدًا عن الرصد المباشر.
بعبارة أخرى، لم تعد القضية مجرد “فضيحة أخلاقية”، بل تجربة مرعبة عن هشاشة الديمقراطية الغربية أمام أدوات القوة الناعمة القذرة، حيث يبقى الشكل الديمقراطي قائمًا، بينما تُدار قراراتها في الظل، وتُستثمر الثغرات الشخصية كوسائل استراتيجية.
وهنا يكمن التحدي الحقيقي: إذا استطاعت شبكة واحدة، باستخدام أدوات ابتزاز شخصية، أن تؤثر على صناع القرار في أكثر الدول تقدّمًا، فماذا يبقى من السيادة السياسية، وماذا يعني ذلك لمفهوم الاستقلال الاستراتيجي في النظام الدولي؟
من الفضيحة الأخلاقية إلى السؤال البنيوي
السؤال المركزي لم يعد: من تورّط؟
ولا حتى: من تستّر؟
بل أصبح سؤالًا أكثر إزعاجًا للنظام السياسي الغربي:
كيف أمكن لشخص واحد، سبق أن أُدين قضائيًا، أن يحافظ على وصول مفتوح ومستمر إلى هذا العدد من صناع القرار، وأقطاب المال، والنخب المؤثرة؟
هذا السؤال هو ما فتح الباب أمام فرضية لم تعد هامشية في التحليل الاستراتيجي، وإن لم تُحسم قضائيًا:
أن إبستين لم يكن مجرد سمسار علاقات أو رجل علاقات عامة منحرف، بل عقدة داخل شبكة نفوذ أوسع، ذات وظيفة استخباراتية غير مباشرة.
هنا يظهر اسم الموساد، لا بوصفه اتهامًا قانونيًا، بل كفرضية تحليلية منسجمة مع نمط معروف في تاريخ الاستخبارات الإسرائيلية:
جمع المعلومات الحساسة عن النخب، ليس للاستخدام الفوري، بل لتحويلها إلى رأسمال استراتيجي طويل الأمد.
الابتزاز كقوة ناعمة «قذرة»: الموساد ونموذج النفوذ غير المعلن
إذا ما جُمعت خيوط قضية جيفري إبستين كما وردت في التحقيقات الصحفية الغربية، وشهادات مسؤولين استخباراتيين سابقين، وتحليلات مراكز بحثية متخصصة في الأمن الدولي، فإن فرضية تورط جهاز استخباراتي أجنبي—وتحديدًا الموساد الإسرائيلي—لم تعد مجرّد تأويل هامشي، بل أصبحت فرضية تحليلية مركزية في فهم بنية هذه الشبكة ووظيفتها.
هنا لا نتحدث عن «شبكة انحراف أخلاقي»، بل عن نموذج متقدّم من القوة الناعمة القذرة (Dirty Soft Power)، حيث تتحول المعلومات الحساسة، خصوصًا ذات الطابع الجنسي أو الأخلاقي، إلى أدوات نفوذ استراتيجي طويل الأمد.
في هذا النموذج:
- لا تُمارَس القوة عبر الجيوش أو العقوبات.
- ولا تُفرض القرارات عبر الإكراه الدبلوماسي المباشر.
- بل تُدار عبر التحكم المنهجي في نقاط الضعف الشخصية للنخب السياسية والاقتصادية في الدول الحليفة قبل الخصوم.
وهو نموذج يتطابق، من حيث المنهج لا الخطاب، مع أنماط موثقة في تاريخ عمل الموساد، خاصة في البيئات الغربية المفتوحة، حيث يكون الوصول إلى النخب أسهل من اختراق المؤسسات.
منطق الموساد: النفوذ عبر المعرفة لا المواجهة
تاريخيًا، لم يُبنَ نفوذ إسرائيل الخارجي فقط على التحالفات العسكرية أو الدعم السياسي الغربي، بل على تفوق استخباراتي نوعي يقوم على جمع المعرفة الحساسة عن صناع القرار، وتحويلها إلى أوراق تأثير غير معلنة.
في هذا السياق، تُقرأ شبكة إبستين—وفق ما أشارت إليه تقارير صحفية أمريكية وأوروبية—بوصفها:
- منصة وصول مباشر إلى نخب القرار؛
- بيئة مغلقة لتوثيق سلوكيات خاصة قابلة للتوظيف؛
- وأداة لبناء «أرشيف نفوذ» لا يُستخدم دفعة واحدة، بل يُدار انتقائيًا بحسب السياق السياسي.
المسألة هنا لا تتعلق بإثبات قضائي نهائي، بل بفهم المنطق الاستخباراتي:
لماذا يُترك شخص مدان سابقًا بجرائم جنسية ليواصل التحرك بحرية بين أعلى مستويات السلطة؟
ولماذا تُخفى أو تُؤجَّل ملفات بعينها رغم الضغط الإعلامي والقضائي؟
في عالم الاستخبارات، هذا النمط لا يُقرأ باعتباره فشلًا، بل وظيفة.
الابتزاز كآلية ضبط هادئ للقرار السياسي
في نموذج «القوة الناعمة القذرة» الذي تطرحه قضية إبستين، لا يعمل الابتزاز بوصفه أداة إسقاط فوري أو تدمير علني للمسار السياسي، بل كـ آلية ضبط هادئ للسلوك داخل دوائر القرار. الغاية هنا ليست إسقاط السياسي أو فضحه، بل إبقاؤه داخل هامش محسوب من الحركة.
في هذا السياق، لا يُطلب من الفاعل السياسي الغربي:
- أن يغيّر مواقفه المعلنة بصورة فجّة،
- أو أن يتبنّى سياسات مؤيدة لإسرائيل بشكل صريح قد يكلّفه داخليًا.
يكفي، في معظم الحالات، أن:
- يصمت عندما يصبح الاعتراض عالي الكلفة،
- يؤجّل حين يكون التوقيت عنصرًا حاسمًا في المعادلة،
- أو يمتنع عن لعب دور قيادي في بناء معارضة داخل مؤسسات القرار أو التحالفات البرلمانية.
هكذا، لا يُفرَض القرار من الخارج، بل يُعاد توجيهه من الداخل، ضمن هامش ضيق لا يبدو في ظاهره قسرًا، لكنه في جوهره يضمن نتيجة سياسية محددة مسبقًا. النفوذ هنا يعمل بلا ضجيج، ويحقق أهدافه دون أن يترك آثارًا قانونية أو سياسية مباشرة.
وتكمن فعالية هذا النمط تحديدًا في الأنظمة الديمقراطية، لأنه:
- لا يصطدم صراحة بالقانون أو المؤسسات،
- ولا يثير مقاومة شعبية مباشرة،
- ويُبقي البنية الديمقراطية قائمة شكليًا، مع تفريغ جزئي لوظيفتها السيادية الفعلية.
بهذا المعنى، يصبح الابتزاز أداة إدارة لا أداة فضيحة، وأداة توجيه لا أداة إسقاط، وهو ما يفسّر خطورته الاستراتيجية:
فهو لا يخلق أزمات ظاهرة، بل يُعيد تشكيل موازين القرار بصمت، داخل أنظمة يُفترض أنها الأكثر تحصينًا ضد النفوذ الخارجي.
الحلفاء تحت الرقابة: مفارقة النفوذ في العقيدة الإسرائيلية
المفارقة الجوهرية التي تفرضها قضية إبستين—حين تُقرأ ببرود استراتيجي لا بانفعال أخلاقي—هي أنها تكشف أن إسرائيل لا تتعامل مع حلفائها الغربيين باعتبارهم فضاءً محصّنًا من العمل الاستخباراتي، بل باعتبارهم بيئة نفوذ عالية القيمة.
في منطق الأمن القومي الإسرائيلي، لا يوجد مفهوم “الحليف الآمن” بالمعنى الكلاسيكي.
فالعقيدة الاستخباراتية التي حكمت سلوك الدولة العبرية منذ تأسيسها تقوم على افتراض ثابت:
أن التحالفات ظرفية، وأن موازين القوة متحركة، وأن المعرفة المسبقة بنقاط ضعف الشركاء ليست فعل عداء، بل بوليصة تأمين استراتيجية للمستقبل.
في هذا الإطار:
- الحليف القوي اليوم قد يتحول إلى عبء سياسي غدًا؛
- والدولة التي تمتلك معلومات حساسة عن نخب حلفائها، تمتلك هامش مناورة أوسع حين تتعارض المصالح.
هنا لا يُختبر النفوذ في لحظات الانسجام، بل في لحظات الاختلاف.
ولا يُقاس التحالف ببيانات الدعم العلنية، بل بقدرة أحد الطرفين على إدارة التباين عندما يظهر.
ومن هذه الزاوية، تصبح فرضية توظيف شبكات تأثير غير رسمية داخل الغرب منسجمة مع منطق استراتيجي معروف، لا استثناءً أخلاقيًا عابرًا.
الموساد ومنطق النفوذ غير المباشر: الاختراق بدل المواجهة
في التحليل الاستخباراتي البارد، لا تبدو فرضية تورط جهاز استخباراتي أجنبي في بناء شبكات تأثير أو ابتزاز داخل بيئات حليفة أمرًا صادمًا في ذاته.
الأجهزة الاستخباراتية لا تُدار بمنطق الأخلاق العامة، بل بمنطق تقليل المخاطر وتعظيم القدرة على التأثير.
في الحالة الإسرائيلية تحديدًا، يتجذر هذا المنطق في معادلة استراتيجية واضحة:
القوة لا تُقاس بالحجم الجغرافي أو الديمغرافي، بل بعمق الاختراق.
إسرائيل، بوصفها دولة محدودة المساحة ومحاطة ببيئة إقليمية معادية أو غير مستقرة، استثمرت تاريخيًا في:
- الاستخبارات كرافعة وجود لا كأداة مساندة؛
- اختراق بيئات القرار بدل مواجهتها المباشرة؛
- تحويل المعرفة إلى شكل من أشكال الردع غير المعلن؛
- توسيع تعريف “الأمن القومي” ليشمل السلوك الشخصي للنخب المؤثرة.
من هذا المنظور، فإن أي شبكة محتملة تُبنى حول المعلومات الحساسة للنخب الغربية، تنسجم مع عقيدة النفوذ غير المباشر التي تفضّل التحكم في المسارات بدل فرض القرارات.
الديمقراطية الغربية أمام اختبار صامت
غير أن الأثر الأعمق لقضية إبستين لا يطال صورة إسرائيل وحدها، بل يطال مناعة الديمقراطيات الغربية نفسها.
فالديمقراطية التي تعجز عن حماية نخبها من الاختراق الشخصي، تفقد تدريجيًا قدرتها على حماية قرارها السيادي، حتى لو ظلّت مؤسساتها تعمل بكفاءة شكلية.
هنا لا يكون الخلل في القوانين، بل في البشر الذين يُفترض أنهم يديرون هذه القوانين.
ولا يكون الخطر في غياب الشفافية، بل في قابلية النخب للتوجيه الصامت.
وهنا يبرز سؤال استراتيجي لا يمكن تجاوزه:
هل يمكن لنظام سياسي أن يدّعي الاستقلال الكامل، بينما نخبُه مكشوفة أمام ملفات غير مرئية، قابلة لإعادة التوظيف عند الحاجة؟
وسؤال أكثر حدة:
أين تنتهي الحرية الشخصية للنخب، وأين يبدأ الخطر الأمني حين تتحول هذه الحرية إلى نقطة ضغط خارجي؟
ملفات إبستين لا تقدّم إجابات، لكنها تفرض هذه الأسئلة دون أن تترك هامشًا مريحًا للإنكار.
ما بعد إبستين: النفوذ لا يموت بموت الأفراد
سواء ثبتت فرضية الارتباط الاستخباراتي بشكل قاطع أم ظلّت في نطاق الترجيح التحليلي، فإن حقيقة واحدة تبقى صلبة في منطق القوة الحديثة:
النفوذ المبني على المعلومات لا يموت بموت الأشخاص.
الأفراد يختفون، لكن:
- الملفات تُخزَّن،
- الأرشيفات تُعاد هيكلتها،
- التسريبات تُدار انتقائيًا،
- والضغط يُمارَس عند الحاجة، لا عند الغضب.
بهذا المعنى، فإن “شبح إبستين” ليس شخصًا ولا قضية مغلقة، بل بنية نفوذ قابلة للاستمرار والتحوّل، تتجاوز الفضيحة نحو وظيفة استراتيجية أعمق.
الخلاصة: عالم بلا براءة سياسية
قضية إبستين تضع السياسة الدولية أمام مرآة غير مريحة:
لم نعد نعيش في عالم تُدار فيه القوة فقط عبر الدول والمؤسسات الرسمية، بل عبر شبكات خفية تتحكم في قابلية النخب للتأثر، للصمت، أو للامتناع.
وإذا كانت هذه الشبكات قادرة على اختراق أكثر الأنظمة ادعاءً للشفافية، فإن السؤال الجوهري لا يتعلق بإبستين، ولا حتى بجهاز استخباراتي بعينه، بل بمستقبل القرار السيادي نفسه في عصر الابتزاز الناعم.
هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يشغل مراكز القرار الاستراتيجي…
لا الفضيحة،
بل ما بعدها.
(*) أستاذ الدراسات المستقبلية والشؤون الدولية ورئيس مركز مكين للذكاء الاستراتيجي – الرباط


