الدكتور محمد السنوسي واحد من الأساتذة المغاربة الذين يكرسون معظم أوقاتهم وجهدهم للبحث الجامعي والأكاديمي الجاد والرصين.
في كل لقاء علمي يشارك فيه، داخل الوطن وخارجه، تكتشف أفكارا جديدة وتحليلا عميقا في مداخلات الأستاذ السنوسي الذي يصدر في مقاربته للأحداث والقضايا المختلفة من منظور التفكير المستقبلي ومناقشات الاستشراف الاستراتيجي.
في ندوة دولية شارك فيها مؤخرا الأستاذ السنوسي، والذي يعد أيضا رئيسا للمجلس المغربي للشؤون الخارجية، حول حكامة المحيطات والبحار نجد المقاربة ذاتها في التحليل وابتكار المفاهيم التي تستحق التأمل والمناقشة في الفضاءات الجامعية والعلمية.

لحظة فكرية تتجاوز البروتوكول
لم تكن الندوة الدولية التي احتضنها المعهد الوطني للتهيئة والتعمير بالرباط، يومي 17 و18 دجنبر 2026، حول “الجيوسياسي، الجيواقتصادي، الجيواستراتيجي وحكامة المحيطات والبحار” مجرد لقاء أكاديمي تقني حول قضايا البحر والمحيطات. فقد تحولت، مع مداخلة الدكتور محمد السنوسي، إلى لحظة فكرية فارقة أعادت طرح السؤال الجوهري الذي نادرًا ما يُناقش بجرأة في الفضاءات المؤسساتية:
كيف تُصنع الجغرافيا سياسيًا؟ ومن يملك سلطة إنتاج معناها؟
في سياق دولي يتسم بتآكل اليقينيات، وانهيار السرديات الكبرى، وصعود منطق القوة الرمزية والمعنوية إلى جانب القوة الصلبة، جاءت مداخلة الدكتور السنوسي لتقترح مفهومًا غير مسبوق في الأدبيات العربية المعاصرة: “الجيوإلهام”.
الجغرافيا لم تعد قدرًا… بل مادة خام للخيال الاستراتيجي
انطلق المتدخل من نقد صريح للفكر الجيوسياسي الكلاسيكي، الذي ظل لعقود طويلة أسير الحتمية الجغرافية. فمن راتزل إلى ماكيندر وماهان، تم التعامل مع الجغرافيا باعتبارها قدرًا سياسيًا صامتًا، يفرض خيارات الدولة ويحد من مجال حركتها.
غير أن التحولات البنيوية التي يعرفها النظام الدولي — من الثورة التكنولوجية، إلى تفتت مراكز القوة، إلى عودة البحار والمحيطات كفضاءات صراع وتنافس — كشفت حدود هذا التصور.
في هذا السياق، شدد الدكتور السنوسي على أن القوة اليوم لم تعد فقط في الموقع، بل في القدرة على إعادة تأويل الموقع وإنتاج معنى جديد له. وهنا تتبلور فكرة الجيوإلهام:
ليس السؤال هو أين تقع الدولة؟ بل كيف تُحوّل موقعها إلى مشروع؟
التحول الأطلسي للمغرب: قراءة تتجاوز الاقتصاد والأمن
قد يبدو الحديث عن “التوجه الأطلسي للمغرب” مألوفًا في الخطاب الرسمي، لكنه غالبًا ما يُختزل في أبعاد اقتصادية أو لوجستية: موانئ، تجارة، طاقات متجددة.
غير أن مداخلة الدكتور السنوسي ذهبت أبعد من ذلك، معتبرة أن ما يجري هو تحول في منطق الدولة نفسه.
فالمغرب، وفق هذا التحليل، ينتقل:
- من منطق التموضع داخل خرائط جاهزة،
- إلى منطق إعادة التموضع الواعي داخل نظام دولي قيد التشكل.
الأطلسي لم يعد هامشًا جغرافيًا أو واجهة بحرية، بل أصبح:
- أفقًا لإعادة ربط إفريقيا بالأمريكيتين وأوروبا،
- منصة لبناء محور أطلسي جنوبي،
- فضاءً لإنتاج السيادة، لا فقط لعبور السلع.
بهذا المعنى، يتحول الأطلسي إلى فاعل جيوسياسي، لا مجرد مسرح للفعل.
الجيوإلهام: من المفهوم إلى الرؤية
أكثر ما ميّز المداخلة هو الطابع المفاهيمي العميق لمفهوم الجيوإلهام. فالدكتور السنوسي لا يقدمه كشعار، بل كإطار تحليلي متكامل يقوم على ثلاث ركائز:
- إعادة تأويل الجغرافيا
أي التعامل مع المكان كنص مفتوح، لا كقيد نهائي. وهي فكرة تجد جذورها في فكر ابن خلدون، حيث يتفاعل المكان مع العمران والتنظيم والخيال السياسي. - إنتاج معنى جديد للمكان
فالقيمة الجيوسياسية لا تُستمد فقط من الموقع، بل من السردية التي تُبنى حوله. هنا يستدعي المتدخل الفارابي، الذي ربط قيمة المجال بالمشروع الحضاري الذي يُقام فيه. - تحويل الخيال إلى فعل استراتيجي
الجيوإلهام لا يكتمل دون سياسات عمومية، تحالفات مبتكرة، ومشاريع ملموسة تجعل من المكان رافعة للقوة.
بهذا، يصبح الجيوإلهام جسرًا بين الفلسفة والاستراتيجية، وبين المعنى والقرار.
حين تلتقي الجيوسياسة بالجيوشعرية
من الزوايا اللافتة في المداخلة إدخال مفهوم الجيوشعرية، حيث لا يعود المكان مجرد حيز للصراع، بل حاملًا للرمزية والهوية والسرد الوطني.
الأطلسي المغربي، وفق هذا المنظور، يتحول إلى:
- قصة وطنية جديدة،
- أفق للخيال السياسي،
- لغة رمزية تخاطب الداخل والخارج معًا.
في عالم تحكمه اليوم معارك السرديات بقدر ما تحكمه موازين القوة، تكتسب هذه الزاوية أهمية استراتيجية قصوى.
من التحليل إلى الاستشراف: أفق 2050
لم تتوقف المداخلة عند تشخيص الحاضر، بل امتدت إلى رسم أفق استشرافي واضح المعالم حتى عام 2050، مقسم إلى مراحل:
- ترسيخ البنى والمؤسسات،
- بروز محور أطلسي جنوبي،
- تحول هيكلي في تموضع المغرب الجيوبوليتيكي.
الرسالة الأساسية هنا أن الجغرافيا ليست لحظة جامدة، بل مسارًا تاريخيًا يمكن هندسته.
قراءة ختامية
ما قدّمه الدكتور محمد السنوسي في هذه الندوة يتجاوز إطار مداخلة أكاديمية. إنه مشروع تفكير في زمن يعاني فيه العالم العربي من فقر المفاهيم بقدر ما يعاني من أزمات الواقع.
مفهوم الجيوإلهام يطرح تحديًا مزدوجًا:
- تحديًا معرفيًا، يتمثل في إنتاج مفاهيم من داخل التجربة العربية؛
- وتحديًا استراتيجيًا، يتمثل في تحويل الجغرافيا من عبء إلى فرصة.
في لحظة عالمية يعاد فيها ترتيب المعاني قبل الحدود، قد يكون الرهان الحقيقي ليس فقط على من يملك الأرض أو البحر، بل على من يملك القدرة على إلهام المكان.




