بقلم: د. محمد السنوسي..
لم تعرف إسرائيل، منذ انشائها عام 1948، لحظة اضطراب بنيوي كالتي تعيشها اليوم. منذ سنوات، كان واضحًا أن النظام السياسي الإسرائيلي يدخل مرحلة تآكل داخلي، لكن طوفان غزّة 2023 وما بعدها كشفت ما هو أعمق: تصدّع في الوعي الجمعي، انهيار الثقة بالمؤسسة العسكرية، انقسامات أيديولوجية حادّة، وقيادة سياسية عاجزة عن إنتاج رؤية، لكنها متمسكة بالسلطة بأي ثمن.
في قلب هذا المشهد، يقف بنيامين نتنياهو—أطول رؤساء الحكومات بقاءً في تاريخ إسرائيل—لا بوصفه مجرد مهندس للسياسات، بل بوصفه الأزمة الاستراتيجية ذاتها. فالرجل الذي كان يُقدَّم يومًا كضامن للأمن والاستقرار، بات اليوم يقود الدولة عبر نمط من السلوك السياسي لا يمكن اختزاله في “استراتيجية التيه”، بل في ما يمكن تسميته بـ “الاستراتيجية الانكسارية“: نموذج جديد يفسّر كيف تحوّل القرار الإسرائيلي إلى تتابع من ردود الفعل المتعارضة، المتكسّرة، والمتناثرة.
إنه نمط قيادي لم يعد يصدر عن رؤية أو تصور استراتيجي متماسك، بل عن إرادة فردية للبقاء السياسي، تُدار عبر صناعة الفوضى، وتوليد الأزمات، وتفكيك البنى المؤسسية داخل الكيان، مع توسيع دائرة العبث إلى الإقليم بأسره. بهذه الطريقة يصبح نتنياهو ليس قائدًا لأزمة، بل قائدًا يصنع الأزمات ليحكم من خلالها.
هذا المقال يقترح إطارًا تحليليًا لفهم إسرائيل اليوم، من خلال تطوير هذا المفهوم واستعماله لتفسير كيفية إدارة نتنياهو للصراع، وللدولة، ولنفوذها الإقليمي والدولي.
أولاً: لماذا لم تعد إسرائيل تملك استراتيجية؟
على مدى عقود، بنت إسرائيل قوتها على ركائز صلبة: استخبارات فائقة، جيش يملك اقوى ترسانة حربية ، تحالف وثيق مع الولايات المتحدة، وتفوّق تقني وسياسي قادر على استيعاب الأزمات. هذه العناصر شكلت ما يشبه «خطة النجاة الدائمة»، ضامنة للردع، وتحقيق المكاسب، والحفاظ على استقرار الدولة رغم الصراعات المستمرة.
اليوم، تبدو هذه الركائز وكأنها تنهار دفعة واحدة. الفشل الاستخباري لم يعد خللاً عابرًا، بل انهيارًا بنيويًا يكشف هشاشة أسطورة الأمن الإسرائيلية. الجيش يعاني ارتباكًا داخليًا، والصورة الأسطورية لـ«الجيش الذي لا يُهزم» لم تعد سوى خطاب رسمي، والقدرة الردعية باتت موضع شك داخل المؤسسة نفسها.
على الصعيد الدولي، تتآكل مكانة إسرائيل، وتحالفها مع واشنطن يدخل مرحلة من التوتر. أوروبا تعيد تقييم مواقفها أمام وعي غربي جديد يشكك في الأساطير التي دعمت صورة إسرائيل لعقود. السؤال الأكبر يطفو على السطح: هل يستطيع الغرب الاستمرار في دعم كيان كان يُراد له أن يكون حاجزًا أمام الشرق المتمرد، بينما نفسه يعيش أزمة قيمية وسياسية؟
داخليًا، الانقسامات الاجتماعية — بين علمانيين ومتدينين، يمينيين متطرفين ووسط — لم تعد مجرد شقوق في النسيج الوطني، بل صارت حربًا على هوية الدولة. حكومة تمثل أكثر التيارات تطرفًا في تاريخ إسرائيل تغرق البلد في سياسة التفكك بدل البناء.
في هذه اللحظة الحرجة، تتلاقى كل مؤشرات الانهيار: إسرائيل، التي ارتكز نموذجها الاستراتيجي على الردع، تتراجع إلى دولة تُدار بالتهور، يقودها زعيم سياسي لا يُعرف برؤيته البعيدة، بل بمهارته في البقاء اليومي الهش.
السؤال الجوهري يبرز بوضوح: هل ما يقوم به نتنياهو يُعد استراتيجية حقيقية، أم هو مجرد تفكيك ممنهج للأسس الاستراتيجية؟ في الواقع، ما يبدو كخطوات سياسية أو عسكرية ليس سوى شظايا استراتيجية متكسّرة، لا تبني الدولة بل تفككها.
ثانيًا: من الأزمة السياسية إلى “الاستراتيجية الانكسارية“
قبل الخوض في تفكيك المشهد الإسرائيلي الراهن، لا بدّ من تعريف المفهوم الجديد الذي نقترحه لوصف نمط القيادة والسياسات المتبعة اليوم: “الاستراتيجية الانكسارية“. هذا المفهوم لا يعبّر فقط عن غياب الرؤية، بل عن تحوّل بنيوي في سلوك الدولة، خصوصًا حين تُبنى قراراتها على ما يمكن تسميته بـ “التحوّط الخادع“—ذلك المنطق الذي يوهم القيادة بأنها تملك بدائل وخيارات، بينما هي في الواقع محاصرة داخل دائرة مغلقة من ردود الفعل القصيرة المدى.
تظهر “الاستراتيجية الانكسارية” عندما تفقد الدولة قدرتها على التخطيط البعيد، فتنزلق تدريجيًا إلى نمط يعتمد على:
- إدارة الأزمات بدل حلّها: ليس لأن الحل مستحيل، بل لأنه يهدّد بقاء القيادة.
- صناعة أزمات جديدة للهرب من القديمة: وكأن السلطة تحتاج دائمًا إلى زلزال جديد ليغطي اهتزازاتها الداخلية.
- إنتاج السرديات بالكذب الممنهج: ليس كمجرد دعاية، بل كآلية حكم.
- تفكيك المشهد إلى شظايا تكتيكية بلا رابط: حيث يتحول القرار إلى سلسلة ردود فعل قصيرة لا تجمعها رؤية عليا.
- التضحية بالمصلحة الوطنية مقابل استمرار الزعيم في الحكم.
- جعل التصعيد الأمني بديلاً عن الإنتاج السياسي، وأداة لتوحيد الداخل المتشظي.
هذه ليست استراتيجية بالمعنى الكلاسيكي؛ إنها أقرب إلى لوح زجاج تحطّم إلى شظايا:
كل شظية حادة، مؤذية، تنطلق في اتجاه مختلف، لكنها رغم عنفها لا تصنع صورة جديدة، ولا تعيد ترميم الصورة القديمة. إننا أمام نمط من القرارات المتكسّرة، التي قد تُحدث ضجيجًا وتُنتج آثارًا فورية، لكنها تعمل ضد منطق الدولة نفسها.
في قلب هذا النمط يقف نتنياهو.
رجل محاصر بملفات الفساد، محاط بأكثر تحالفات اليمين تطرفًا في تاريخ إسرائيل، ومهدّد دائمًا بفقدان السلطة. في مثل هذا السياق، يصبح البقاء السياسي ليس مجرد هدف، بل المحرك الوحيد للقرار. ولذلك، يتحول نتنياهو إلى مهندس “الاستراتيجية الانكسارية“:
ليس لأنه يريدها، بل لأنه لا يملك القدرة على إنتاج بديل آخر؛ ولأنه يحتاج إلى أزمات مفتوحة تحجب أزمته الأصلية — أزمة البقاء.
وهكذا، تُقاد إسرائيل اليوم بأسلوب لا يسعى إلى النصر، ولا إلى التسوية، ولا حتى إلى إدارة عقلانية للصراع؛ بل تُقاد بمنطق الهروب المستمر إلى الأمام عبر المزيد من التشظي، والمزيد من الكذب، والمزيد من العنف، والمزيد من الأعداء.
هذه هي الاستراتيجية الانكسارية:
استراتيجية دولة تنكسر بقيادة رجل لا يستطيع أن يتوقف عن كسرها.
ثالثًا: جذور الاستراتيجية الانكسارية في السياق الإسرائيلي
لم تعد إسرائيل دولة محكومة بهوية جامعة أو سردية مؤسسة كما تخيّلها الآباء الأوائل؛ فالمشهد الداخلي اليوم يتكوّن من أربع “إسرائيليات” تتعايش على مضض وتتصارع على معنى الدولة نفسها. هناك إسرائيل العلمانية الليبرالية التي ترى مستقبلها في الاندماج مع الغرب وثقافته، وإسرائيل الحريدية التي تعيش بمنطق “الجماعة المنغلقة” وترفض جوهر الدولة المدنية، وإسرائيل القومية اليمينية التي تتطلع إلى احتكار القوة وصياغة الدولة على أساس تفوّق أيديولوجي، ثم إسرائيل المستوطنين التي تحولت إلى كيان شبه مستقل، بامتداداته الاقتصادية والعقائدية وشبه العسكرية، حتى باتت تُعامل الدولة الأم كفضاء ينبغي تطويعه لا التماهي معه.
هذا الانقسام العمودي لا يمثل مجرد اختلاف في الرؤى، بل تمزقًا للذات الإسرائيلية، وانهيارًا تدريجيًا للعقد الاجتماعي الذي كان يفترض أن يبقي هذا الكيان السياسي متماسكًا. وفي هذا الفضاء الممزق، يجد نتنياهو البيئة المثالية لاستدامة حكمه؛ فهو لا يسعى إلى رأب الصدع، بل إلى تعميقه. يعمل على توسيع خطوط التصدع بدل ردمها، ويُعيد توزيع الولاءات في المجتمع عبر تضخيم التوترات وإدارة الاستقطاب كأداة حكم. وكلما ضعفت البنية الجماعية، ازدادت قدرته على المناورة. فبدل أن يستثمر القوة السياسية لترميم العقد الاجتماعي، يفضل إضعافه، لأن تآكله يمنحه سلطة أكبر على مفاصل الدولة.
بالموازاة مع ذلك، تتراجع “القبضة الأمنية” التي قامت عليها إسرائيل منذ 1948. ففكرة التفوق الأمني المطلق، والجيش الذي لا يُقهر، والاستخبارات التي لا تخطئ—كلها تتداعى أمام وقائع تكشف هشاشة غير مسبوقة. يشعر الجمهور الإسرائيلي اليوم بأنه مكشوف، وأن المؤسسة العسكرية، التي كانت أشبه بمرجعية مقدسة، تعاني ارتباكًا عميقًا: قيادة مترددة، عقيدة مضطربة، وقدرة ردعية لم تعد تُقنع حتى جمهورها الداخلي. هذا ليس مجرد فشل عملياتي، بل انهيار نموذج كامل من الثقة الذاتية، وانكشاف بنية الردع التي استندت إليها الدولة لعقود.
ومع سقوط الهوية الجامعة وتراجع الهيبة الأمنية، يظهر عنصر ثالث لا يقل خطورة: تضخم الفرد على حساب المؤسسات. فالدولة التي كانت تُباهي بـ”ديمقراطية مؤسساتها” تحوّلت تدريجيًا، تحت قيادة نتنياهو، إلى نظام يرتكز على مركزية الرجل الواحد. لا يعود رئيس الحكومة مجرد مُنسّق بين مؤسسات، بل يصبح المؤسسة نفسها. يتم تهميش الخبراء، إضعاف القضاء، إخضاع الأجهزة البيروقراطية، وتحوُّل دوائر القرار إلى حلقات ولاء شخصية. بهذا المعنى، نتنياهو ليس سياسيًا يدير دولة، بل دولة تتقلّص لتناسب مقاسات رجل يحوّلها إلى أداة لبقائه.
هذه العناصر —الانقسام الداخلي، تآكل الأسطورة الأمنية، وانهيار المؤسسات أمام زخم الفرد— تخلق جميعها البيئة المناسبة لما يمكن تسميته بـ”الاستراتيجية الانكسارية”: نمط من الحكم لا يبني رؤية ولا ينتج سياسة، بل يشتغل على شظايا الواقع وأزماته، ويستثمر الانكسار كوسيلة لإطالة عمر السلطة ولو كان الثمن تآكل الدولة نفسها.
رابعًا: كيف تعمل الاستراتيجية الانكسارية على أرض الواقع؟
عندما تهتزّ شعبية الحكومة أو يقترب الخطر من نتنياهو شخصيًا—سواء كان قضائيًا أو سياسيًا—يتحوّل التصعيد إلى أداة إنقاذ فورية. تأخذ هذه الأداة أشكالًا متعددة: ضربات خارجية محسوبة، توتير الحدود الشمالية أو الجنوبية، فتح جبهة جديدة، تنفيذ عمليات اغتيال، أو ببساطة تمديد حملة عسكرية بلا هدف محدد. ليس الهدف تحقيق إنجاز استراتيجي بقدر ما هو إنتاج ضجيج يبتلع النقاش الداخلي، ويفرض حالة طوارئ ممتدة تُعيد ضبط المزاج العام وتجمّد أي مساءلة. في هذا المناخ، يصبح التصعيد وسيلة للبقاء، لا أداة لتحقيق الأمن.
وإلى جانب ذلك، تفقد الحرب معناها التقليدي في عهد نتنياهو؛ فهي لا تُخاض للحسم، بل لإدارة الزمن السياسي. تتحول الحرب إلى مشروع طويل الأمد يُبرّر استمرار السلطة، ويجدّد سردية “الخطر الوجودي” التي يتغذى عليها النظام منذ قيامه. حرب بلا أفق، بلا خطة خروج، بلا تصور لليوم التالي. حرب تبدأ ولا تنتهي، لأن نهايتها تعني انكشاف الفراغ السياسي وظهور السؤال الذي يخشاه نتنياهو أكثر من غيره: “وماذا بعد؟”.
وفي هذا الإطار، يصبح العدو نفسه حاجة سياسية لا غنى عنها. فإسرائيل في نسختها الانكسارية لا تسعى إلى القضاء على عدوها، بل إلى إبقائه في حالة تمكّن من استخدامه كورقة حكم. العدو هنا وظيفة، لا تهديدًا فحسب؛ وجوده المستمرّ يوحّد مجتمعًا ممزقًا، ويمنح الحكومة ذريعة الاستمرار، ويُسقط أي محاولة لمساءلة الفشل أو تفكيك سردية الخوف التي تحكم الوعي الإسرائيلي.
ومن هنا تنشأ المفارقة الكبرى: بدل أن تعمل الدولة على ضبط محيطها، تُفضّل حكومة نتنياهو إنتاج الفوضى وإدارتها. فالفوضى في هذا النموذج ليست نتيجة عجز، بل أداة حكم. غزة تُترك في حالة “لا حرب ولا سلم”، الضفة الغربية تعيش توترًا يوميًا مقصودًا، الحدود الشمالية تبقى في اشتباك منخفض الدرجة، والعلاقات الدولية تُدار بمنطق الشدّ والجذب. إنّه نمط حكم يرى في الاضطراب فرصة، وفي الاستقرار خطرًا.
ومع كل هذا، يصبح التقدّم نحو الهاوية خيارًا محسوبًا، لا خطًا أحمر. في المنطق التقليدي، الانهيار يُخيف الجميع؛ أما في الاستراتيجية الانكسارية، فإن مجرد التلويح به يخلق أثرًا ضاغطًا على الداخل المنقسم، وعلى المؤسسة العسكرية المرهَقة، وحتى على الولايات المتحدة والبيئة الإقليمية. إنها سياسة “الانهيار المتحكم به”، حيث يقترب النظام من الحافة ليجبر الآخرين على التراجع، مدركًا أن الجميع يخشى سقوطًا هو وحده مستعد للمخاطرة بالاقتراب منه.
خامسًا: الدلالة الكبرى — إسرائيل من دولة استراتيجيات إلى دولة تكتيكات
ما تكشفه الاستراتيجية الانكسارية يتجاوز مجرد خلل في الأداء؛ إنه تحوّل بنيوي جذري: إسرائيل لم تعد دولة استراتيجيات، بل صارت دولة تكتيكات. لم تعد دولة مبادرة، ولا دولة تخطيط، ولا قادرة على تصور مستقبل واضح. أصبحت أسيرة اللحظة، تتحرك بردود فعل متتالية، وتعيد إنتاج نفسها عبر سلسلة من الانكسارات الجزئية التي تمنع الانهيار الكامل لكنها تحجب في الوقت نفسه أي إمكانية للنهوض. حتى “الإنجازات العسكرية” التي يُسوَّق لها كنجاحات لا تُقرأ ضمن رؤية استراتيجية، بل في سياق منع الانهيار اللحظي. كل خطوة تبدو كترقيع عاجل، وكل قرار أشبه بتسكين مؤقت لجسد سياسي يرفض الاعتراف بمشكلته الجوهرية: غياب البوصلة والاقتراب المقلق من الانهيار الفعلي للدولة والمجتمع.
سادسًا: النتائج الاستراتيجية لهذا الانكسار
هذا الانكسار المتراكم يخلّف نتائج استراتيجية عميقة. أولها انهيار الردع، فالقوة الإسرائيلية لم تعد تُقاس بقدرتها، بل بخطابها. وعندما يتحول الردع إلى كلام، تصبح الحرب هي اللغة الوحيدة التي يمكن لإسرائيل استخدامها لإقناع نفسها قبل الآخرين بأنها ما تزال قوية. يلي ذلك تآكل صورة الجيش، للمرة الأولى يفقد الجيش قدسيته السياسية والاجتماعية، ويفصح قادته عن ارتباك في القرار السياسي وعن غياب تصور لليوم التالي وعن خشية علنية من الاستنزاف الطويل. أما داخليًا، فإن الانقسام لم يعد مجرد اختلاف سياسي، بل انقسام وجودي يعيد صياغة هوية الدولة ذاتها.
إلى جانب ذلك، تتحول إسرائيل من شريك استراتيجي للولايات المتحدة إلى ملف أزمة دائم، وتصبح عبئًا على الحلفاء بدل أن تكون أصلًا استراتيجيًا. أما إقليميًا، فتتراجع قدرتها على المبادرة العسكرية وعلى التحكم بالجبهات وعلى هندسة البيئة السياسية والأمنية كما كانت تفعل لعقود. المنطقة تغيّرت، وإسرائيل عالقة في قلب التحول، لكنها تفتقد الأدوات التي تمكّنها من التأثير أو من رسم قواعد اللعبة الجديدة.
هذا التحول ينعكس مباشرة على صورة إسرائيل في المخيال الدولي؛ فهي لم تعد الدولة القوية المنضبطة، بل الدولة المربِكة. وهذه الحالة أخطر من الضعف نفسه، لأن الدول الضعيفة يمكن إدارتها، أما الدول غير القابلة للتوقع فلا يمكن الاعتماد عليها. ومع استمرار الانكسار، تتحول إسرائيل إلى عبء ثقيل: عبء سياسي على واشنطن، وعبء أخلاقي على أوروبا، وعبء أمني على المنطقة، وعبء لوجستي على الاقتصاد العالمي. إن تبدّل موقع إسرائيل في المخيال الدولي ليس تفصيلًا، بل مؤشر لانتهاء مرحلة تاريخية واستعداد العالم لمرحلة ما بعدها.
سابعًا: هل نحن أمام إسرائيل ما بعد الاستراتيجية؟
يمكن القول إن إسرائيل تدخل اليوم مرحلة “ما بعد الاستراتيجية“: دولةٌ قائمة بمؤسساتها، لكن بلا قيادة تمتلك بوصلة، وجيشٌ حاضر بثقله لكنه عاجز عن فرض شروط النصر، ومجتمعٌ موجود لكنه متفكك ومحكوم بغريزة الهروب، وشرعيةٌ دولية ما تزال قائمة لكنها تتآكل بسرعة، ورؤيةٌ غائبة تمامًا.
ما تبقّى هو إدارةُ الهشاشة عبر استراتيجية انكسارية تجمع الفوضى في إطار سياسي هشّ، عاجز عن الصمود وعاجز أكثر عن التجدد. إسرائيل اليوم تتحرك بقوة قصور ذاتي سياسي لا بفعل قرارٍ واعٍ، وتعيش في زمنٍ تعيد تدويره بلا قدرة على صنع زمنٍ جديد.
الاستنتاج الأعمق لهذا الواقع هو أن السؤال المحوري لم يعد: “هل تنتصر إسرائيل؟”، بل أصبح: “هل تستطيع التوقف؟”. فالدولة التي تُدار بالاستراتيجية الانكسارية لا تُنهي الحروب، بل تنزلق إليها؛ لا تحل الأزمات، بل تراكمها؛ لا تبتكر رؤية، بل تهدم كل إمكانية لتصور المستقبل. إسرائيل كما يصوغها نتنياهو تبدو ككيان يتقدم لأنه فقد القدرة على الرجوع، يصعّد لأنه عاجز عن التهدئة، يقاتل لأن التوقف يفتح باب المحاسبة الداخلية، ويستمرّ لأن مواجهة الحقيقة تبدو أخطر من استمرار الأزمة نفسها.
إنها دولة تمشي فوق زجاجها المكسور، وتعرف أن التوقف يعني النزيف. هذا هو جوهر الاستراتيجية الانكسارية: دولة تدير حطامها، وتحتمي بشظاياها، وتواصل السير في طريق تدرك مسبقًا أنه يقود إلى الهاوية.
ويبقى السؤال المحوري الذي ستفرضه السنوات القادمة: هل ستستطيع إسرائيل الصمود كدولة وهي تسير على درب الاستراتيجية الانكسارية، أم أننا نشهد اليوم شرارة التآكل البنيوي التي ستعيد رسم خريطة المنطقة بأكملها؟ شرارة تفتح آفاقًا استراتيجية جديدة لقضايا شعوبها المصيرية، التي ظلّ مصيرها مكبّلاً منذ أكثر من سبعة عقود بوجود الكيان الصهيوني؟




