لماذا نُصوِّر..؟

بقلم: محمد رضوان..

من أفلام السينما المصرية الجميلة، فيلم “اضحك.. الصورة تطلع حِلوة” من إخراج شريف عرفة، وتأليف وحيد حامد، وبطولة أحمد زكي وليلى علوي وسناء جميل ومُنى زكي..

قُوة الفيلم في بدايته حيث يظهر أحمد زكي في دور صاحب استوديو تصوير، واسمه “سيد غريب” يطلب من زبنائه المتجهمين إظهار ابتسامة أو شبه ضحكة خفيفة من أجل أن تطلع صورتهم جميلة، وعندما اضطر “سيد غريب” للهجرة إلى العاصمة القاهرة لمرافقة ابنته التي التحقت بكلية الطب، ترك وصيته الذهبية لأحد معاونيه في الأستوديو بعدم التقاط صورة للزبائن قبل أن يبتسموا.. لأن كل واحد يريد أن يرى صورته جميلة، وشرط ذلك الابتسامة..

كثير من الناس تكون أمزجُتهم عَكِرة لحظة التصوير، لكن ما إن يُثبِّتُ مُصوِّرٌ العدسة تجاه أحدهم إلا رأيته يضبط خِلسة أطراف ملابسه ويَتبسَّم (ولا أقول يبتسم)..

في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، عندما كنا طلبة في المعهد العالي للصحافة بالرباط، كان أستاذ مادة التصوير يُلقننا تقنيات ومهارات هذا الفن وكأنه ركيزة عملنا المهني المستقبلي..

في حقيقة الأمر، عندما كنا نحرر مقالة في الصحيفة أو قصاصة في الوكالة كنا نشعر أننا لم نُحط بتفاصيل الحدَث الذي نكتب عنه أو ملامح وسِمات الشخصيات أو الشخوص الذين نقدمهم للقارئ، بل إن انضباطنا الذاتي كان يجعلنا ننتقي من الكلمات والعبارات والسياقات ما يُظهر الحدثَ مُبهرا والشخصية جذابةً.

هذا النوع من الكتابة ساد معظم صحافتنا العربية، وليس المغربية فقط، ما جعل العمل الصحافي متشابها في كثير من الحالات حتى صارت هذه المعالجة الصحافية للأحداث والشخصيات مملة للصحافي والقارئ معا.

لكن فورة الصورة، الثابتة والمتحركة، وزخمها غيَّرت المشهد سواء تعلق بالحدث أو بالشخصيات وأعطته أبعادا جديدة في رؤية وفهم المتلقي، ليس معنى ذلك أن الصورة تعكس الواقع أو ملامح الشخص بدقة، لكنها تكشف مع ذلك محاولات إخفاء بعض الأعطاب والتستر عليها.

في حالات كثيرة يصعب إثبات مخالفة أو جريمة أو مؤامرة، لكن عندما تتحدث الصورة أو ينعكس المشهد عليها يصبح صعباً نفيُ ما كان صعبا إثباته..

منذ أن صار كل فرد يحمل في جيبه آلة تصوير مُثبتة في نقاله، أصبحت حياتنا تحت مراقبة الفضوليين بعدساتهم.. تحولت الكاميرا إلى أداة حتمية لا غنى عنها في توثيق تجربتنا الإنسانية، لكن أيضا في فضح عيوبنا وتجهمنا وأمزجتنا المُتعكرة..

عندما أدخلُ مؤسسةً عمومية أو بنكية أو استقلُّ حافلة أو أمُرُّ بالشارع وأجدُ عدسةَ كاميرا أو تصوير مُوجَّهة نحوي أتذكر الفنان أحمد زكي، رحمه الله، وفيلمه “اضحك.. الصورة تطلع حِلوة”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى