
بقلم: د. محمد السنوسي..
في عالم تتقدّم تحولاته بسرعة تعصف بالبوصلة الجماعية، وتتسع فيه دوائر اللايقين حتى تطال أساس الاجتماع الإنساني، تقف دول الجنوب—ومنها المغرب—في قلب عاصفة تعيد رسم خرائط الثروة والسلطة وتعيد تعريف المصير نفسه. ما نعيشه لم يعد خللاً تقنياً ولا حصيلة سوء تدبير؛ إنه ثمرة صعود منظومة إمبريالية جديدة متخفية في وجوه متعددة، تتقدّم حربتها النيوليبرالية لتعيد تمركز القوة والموارد في يد شبكات مترابطة من الرأسماليين الكبار، والمضاربين الماليين، والتجار المهيمنين، وملاك الأراضي الإقطاعيين، وحتى اقتصاد الظل بتجار الممنوعات. وفي الخلفية يتراجع دور الدولة الاجتماعية، تنهار الطبقة الوسطى، ويتسع محيط الهشاشة كدوامة لا تكفّ عن الاتساع.
وفي المغرب، عمّقت التحولات الاقتصادية خلال العقدين الأخيرين هذا الواقع المتوتر؛ فالنمو المحقَّق ترافق مع تركّز أكبر للثروة، واتساعٍ حاد للفجوات الاجتماعية، وانزلاقٍ نحو نموذج تنموي يقدّم منطق السوق على حق الإنسان في العيش الكريم. المدن تتحوّل إلى منصّات استثمار بلا روح، والبوادي تُستنزف من قواها العاملة وتفقد شروط النمو، والمرافق العمومية تتآكل وظائفها الأصلية، فيما يشعر المواطن العادي بأن القرارات التي تتحكم في تفاصيل يومه تُصنع بعيداً عنه، في فضاءات لا تعكس صوته ولا مصالحه.
هذا المشهد لا يخص المغرب وحده؛ إنه سمّة عامة في الجنوب العالمي حيث الاقتصادات تبحث عن النمو بأي ثمن، والشركات العابرة للقارات تبتلع الحيّز العمومي، والدول تتراجع عن دورها التاريخي في حماية الفئات الهشّة. وهنا تتجاوز الأزمة بعدها الاقتصادي لتتحوّل إلى أزمة معنى: اللحظة التي يشعر فيها المجتمع بأن المستقبل لم يعد ملكه، وأن السياسة انفصلت عن المجتمع، وأن المؤسسات فقدت روحها، وأصبحت تُدار بمنطق الصفقة لا بمنطق العقد الاجتماعي.
تحت هذا الضغط البنيوي، تتآكل الثقة ويصاب الوعي الجمعي بالجمود، فتضعف القدرة على تخيّل البدائل أو الدفاع عنها. ومع اتساع رقعة الإحباط، يصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: من يملك القدرة على تقديم البديل؟
النخب التقليدية—المرتبطة عضوياً بالمصالح السائدة—أعلنت عجزها؛ فهي تحافظ على ما هو قائم ولا تملك جرأة ابتكار ما هو غائب. وفي المقابل، يقف الشباب بطاقة خلاقة ورغبة جامحة في التغيير، لكنهم محرومون من الأدوات المؤسسية التي تحوّل الغضب إلى مشروع والرؤية إلى مسار.
بين انسداد نخب الأمس وعطالة شباب اليوم، تبرز الحاجة إلى فاعل جديد: نخبة رسالية. نخبة لا تتغذى من الامتياز الوراثي ولا تتشكّل في هوامش السلطة، بل تنبثق من المعرفة النقدية، ومن التزام أخلاقي يجعل الإنسان مركز الفعل، ومن شجاعة فكرية تمكّنها من مساءلة اليقينيات وتوسيع مجال الممكن. نخبة تدرك أن المغرب—ككل فضاءات الجنوب—لا يحتاج فقط إلى حلول تقنية متناثرة، بل إلى مشروع تاريخي يُعيد التوازن بين العدالة والسيادة، بين التنمية المستدامة وكرامة الإنسان. نخبة تدخل في تحالف عضوي مع الشباب وقوى المجتمع الصاعدة، لتحوّل الطاقة الغاضبة إلى قوة اقتراح، والوعي المشتّت إلى حركة تاريخية قادرة على البناء.
بهذا المدخل تُطرح الأسئلة الكبرى التي يشكّل هذا المقال محاولة للإجابة عنها:
ما الأساس المفاهيمي للنخبة الرسالية؟
ما دورها في زمن تفكك النماذج الكبرى؟
وكيف يمكنها إعادة بناء المشروع المجتمعي المغربي داخل عالم لا يعترف إلا بمنطق السوق؟
من هنا يبدأ الطريق نحو البديل.
تعريف النخبة الرسالية الجديدة ووظيفتها التاريخية
في مواجهة التحولات العميقة التي تعصف بالعالم، ووسط التصدّعات الاجتماعية والسياسية التي تُربك دول الجنوب العالمي، يصبح البحث عن فاعل جديد ضرورة ملحّة أكثر من أي وقت مضى. فالأزمات المتلاحقة لم تعد تجد جواباً لديها لدى النخب التقليدية، التي تحولت —شيئاً فشيئاً— إلى جزء من البنية التي تنتج الأزمة بدل أن تكون امتداداً لحلولها. ومن هنا يبرز مفهوم النخبة الرسالية الجديدة بوصفه محاولة لإعادة بناء مركز القيادة الفكري والأخلاقي داخل المجتمع.
ما هي النخبة الرسالية؟
النخبة الرسالية ليست امتيازاً طبقياً ولا موقعاً اجتماعياً جاهزاً، بل هي وظيفة معرفية وقيمية تتجاوز دور تمثيل المصالح التقليدية أو ترديد خطاب الدولة. إنها نخبة تتشكّل من مفكرين طلائعيين، ومثقفين عضويين، وفاعلين مدنيين، وقادة رأي شباب، ومبادرين مجتمعيين جدد ينبتون خارج المراكز المعتادة للسلطة والهيمنة، ويصوغون حضورهم من فعلهم لا من مواقعهم.
وتقوم هذه النخبة على ثلاثة عناصر تأسيسية:
- وعي نقدي جذري يعيد قراءة العالم خارج المسلّمات السائدة
النخبة الرسالية لا تكتفي بوصف الواقع، بل تفكّك آلياته العميقة:
منظومة الهيمنة الاقتصادية، علاقات القوة المعولمة، حدود الدولة الوطنية، أزمة المعنى…
إنها تمتلك ما يمكن تسميته بـ البصيرة الفكرية: قدرة على رؤية ما وراء الضجيج، وعلى إنتاج تفكير مستقل لا يخضع لسلطة السوق، ولا لإملاءات المؤسسات، ولا لسطوة المتخيّل المهيمن.
هذا الوعي ليس ترفاً فلسفياً؛ إنه شرط لتفكيك النموذج القائم وبناء نموذج بديل.
- التزام قيمي–أخلاقي يجعل الإنسان مركز المشروع
في عالم تُختزل فيه السياسة في الإدارة، والتنمية في الأرقام، والإنسان في مستهلك، تأتي النخبة الرسالية لتعيد الاعتبار إلى القيم الأساسية:
الكرامة، العدالة، الحرية، التضامن، وحق الشعوب في السيادة على قرارها وثرواتها.
إنها نخبة تمتلك ضميراً تاريخياً:
لا تتماهى مع السلطة، ولا تنحاز لرأس المال، ولا تنجرّ وراء الشعبوية؛ بل تجعل بوصلة الفعل السياسي والاجتماعي هي خدمة الإنسان وبناء التوازن بين الحرية والمسؤولية، بين العدالة والفعالية، بين التنمية والكرامة.
- قدرة تأسيسية تُنتج البدائل لا تُرمّم الأعطاب
وظيفة النخبة الرسالية ليست إدارة الأزمة، بل إعادة بناء الأفق.
إنها نخبة تبتكر، تُصمّم، وتُشيّد:
نماذج اقتصادية منتجة، رؤى ثقافية بديلة، صيغاً جديدة لعلاقة الدولة بالمجتمع، ومداخل لتمكين الشباب وإشراكهم، ومسارات لاستعادة السيادة الوطنية في زمن العولمة المتوحشة.
هذه القدرة التأسيسية تجعلها قوة اقتراح لا قوة اعتراض فقط؛ قوة بناء لا قوة نقد مجرد؛ ونقطة انطلاق نحو مشروع تاريخي يُخرج المجتمع من منطق الارتجال إلى منطق الرؤية.
النخبة الرسالية الجديدة ليست بديلاً عن نخب هرِمت فحسب، بل بديلاً عن طريقة إنتاج النخب نفسها.
وهي تتأسس على وعي نقدي، وأخلاق سياسية، وقدرة تأسيسية تجعلها قادرة على قيادة التحول في زمن يُعاد فيه تشكيل مصائر الأمم.
وظيفتها التاريخية الجديدة
في لحظة يتصدّع فيها معنى السياسة نفسها، يصبح من العبث مطالبة النخب القديمة بمهام تتجاوز قدرتها البنيوية. فالنخبة التي عرفتها مرحلة ما بعد الاستقلال—في المغرب كما في أغلب دول الجنوب—لم تكن سوى وسيط بارد بين سلطة تُقرّر ومجتمع يُنفّذ، أو جهازاً خطابياً يصوغ لغة التبرير، أو خبيراً تقنياً يجيد إدارة الأعطاب أكثر مما يجيد فتح أبواب المستقبل. كانت نخبة تُدير الممكن، لا تُخترع المستحيل؛ نخبة بلا خيال، بلا جرأة، وبلا مشروع يتجاوز حدود الوظيفة الإدارية.
أما النخبة الرسالية، فهي من طراز آخر؛ لا تُشبه الامتداد، بل تشبه القطيعة. إنها نخبة لا تكتفي بتعديل المشهد، بل تُعيد بناء المسرح كله: تعيد ترتيب العقد بين الدولة والمجتمع، وتعيد رسم موقع الفرد داخل المجال العام، وتعيد وصل المعرفة بالسياسة بعدما فصلهما اقتصاد السوق. إنها نخبة لا تتحرك بردّ الفعل، بل بالفعل المؤسِّس؛ لا تُهندس اليوم فقط، بل تفتح أفقاً لما بعد اليوم.
وتتجلّى وظيفتها التاريخية في أربعة مستويات تُكوّن مجتمعة جوهر رسالتها:
أولاً: تحرير الخيال الاجتماعي من أسر الاستلاب وقفص السوق
الخيال ليس ترفاً ذهنياً، بل هو الشرارة التي تتيح للمجتمع أن يرى ما لم يولد بعد. غير أنّ هذا الخيال اليوم مُحاصَر بمنطق يختزل الإنسان في مستهلك، والوجود في مؤشرات، والمستقبل في منحنيات صاعدة أو هابطة. مهمة النخبة الرسالية هي كسر هذا القفص: انتزاع الخيال من قبضة الاستلاب، وتحريره من هندسة رغبات تُصنع في غرف المضاربين، ومن سوقٍ يُقاس فيه الإنسان بما يشتري لا بما يحلم.
إنها مهمة إعادة توجيه البوصلة نحو أفق تُبنى فيه العدالة لا تُقدَّم كإعانة، وتُحمى فيه الكرامة لا تُغلف كمنتج، ويصبح فيه العيش المشترك فعلاً أخلاقياً ينهض من ضمير المجتمع، لا معادلة تقنية تُبرمج في مكاتب الخبراء.
إن تحرير الخيال الاجتماعي هو الشرط الأول لتخليص المستقبل من يد السوق، وإعادته إلى يد الإنسان.
ثانياً: بناء معرفة نقدية لا تركع لسلطة الربح
الهيمنة النيوليبرالية تبدأ من طريقة صناعة الوعي قبل صناعة القرارات. لذلك لا بد للنخبة الرسالية أن تُفكك خطاب السوق، وتعيد قراءة التجارب الوطنية والقومية بمنهج ينقذ التفكير من أحادية البديل المفروض، ويُحرّر العقول من سطوة «الحتميات» التي زرعتها العولمة المتوحشة.
ثالثاً: إقامة تحالف عضوي مع الشباب بوصفه قوة تأسيس لا جمهوراً انتخابياً
الشباب طاقة تاريخية لا تُدار من فوق، بل تُبنى معها الشراكة من الأسفل: في الفعل السياسي المحلي، وفي البحث العلمي الموجَّه للابتكار، وفي الاقتصاد الاجتماعي الذي يُعيد إنتاج القيمة داخل المجتمع، وفي المبادرات المدنية التي تعيد للمجال العام حياته وشجاعته.
رابعاً: صياغة مشروع تاريخي يوازن بين السوق والكرامة
مشروع يقوم على عدالة لا تُؤجَّل، وسيادة لا تُستأجر، وتكافؤ فرص لا يُحوَّل إلى شعار، واقتصاد يشتغل لخدمة الإنسان لا لتحويله إلى رقم، ودولة قوية لا لأنها تُحكم القبضة، بل لأنها تحمي المجتمع من انفلات السوق ومن هشاشة الزمن.
بهذه المستويات الأربعة، لا تعود النخبة الرسالية مجرد «فاعل ثقافي» يقرأ الواقع، بل تتحوّل إلى قوة اقتراح تبتكر البدائل، ثم إلى محرك تغيير يوسّع دوائر الفعل، ثم إلى فاعل تاريخي يعيد تشكيل النموذج المجتمعي في زمن فقدت فيه المجتمعات القدرة على تخيّل الغد، وفقدت فيه الدولة القدرة على إنتاج المعنى.
من نخبة رسالية إلى حركة مجتمعية واسعة
إن ولادة نخبة رسالية جديدة، مهما بلغت من عمق فكري ونقاء أخلاقي، لا تكفي لإحداث الانعطافة التاريخية المطلوبة في مجتمع يرزح تحت اختلالات بنيوية متشابكة.
فالفكرة لا تُغيّر الواقع ما لم تتحوّل إلى قوة اجتماعية، والنخبة لا تصنع التاريخ ما لم تنجح في الانتقال من موقع التفكير إلى موقع التأثير، ومن “الإطار الضيق” إلى “الدينامية الواسعة”.
والسؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هو: كيف تتحول النخبة الرسالية من كتلة معرفية محدودة إلى حركة مجتمعية نابضة تُعيد صياغة الوعي وموازين القوة؟
الجواب يمر عبر أربع مسارات تأسيسية:
- لا تصبح النخبة حركة تاريخية ما لم تُسقِط الجدار بين المعرفة والناس.
فالخطاب المنغلق يبقى أسيراً لأسوار القاعات والندوات، بينما الأفكار التي تصنع التحولات هي تلك التي تتسرب إلى الشارع، وتتجذر في الوعي العام، وتتحول إلى جزء من اللغة اليومية للناس.
إن النخبة الرسالية مطالَبة بصياغة خطاب يمتلك القدرة على الجمع بين العمق والانتشار، خطابٍ يكون:
- واضحاً دون أن يقع في فخ التبسيط المُبتذل،
- نقدياً متيناً دون أن يتورط في التعقيد العقيم،
- قريباً من الناس وجذاباً دون أن يتنازل عن مبدئه،
- قادراً على تحويل القضايا الكبرى إلى حكايات إنسانية تُلمس وتُعاش،
- مُستثمراً منصات الإعلام الرقمي وفضاءات الحوار لتشكيل رأي عام مدرك لرهاناته.
فالتغيير الحقيقي يبدأ لحظة تتحول الفكرة من نصّ نخبوي إلى سردية مشتركة يتقاسمها الناس، يردّدونها، ويجدون فيها معنى لحياتهم وموقعهم في المستقبل.
- بناء شبكات اجتماعية ممتدّة: من ذرات متفرقة إلى كتلة تاريخية صانعة للتغيير
لا تُقاس قوة النخبة بعدد الوجوه أو حجم الخطابات، بل بقدرتها على التشبيك؛ فالنخبة التي تبقى معزولة لا تتجاوز كونها صدى فردياً، مهما بلغت قوة حجّتها. أمّا حين تنسج روابط حيّة مع الفاعلين الثقافيين والمدنيين والمِهنيين والشباب، فإنها تتحول إلى كتلة تاريخية تمتلك القدرة على إعادة تشكيل الرأي العام، والتأثير في القرار، وإعادة توزيع القوة داخل المجتمع.
ويتحقق ذلك عبر هندسة شبكات فعّالة تتجذر في المجتمع، من خلال:
- إنشاء منصّات مشتركة تربط الجامعات ومراكز البحث بالمجتمع المدني، فتجعل المعرفة قوة عمومية لا نخبوية.
- إطلاق مبادرات اقتصادية واجتماعية يقودها الشباب، تمنحهم دور المنتج لا المتلقي.
- بناء ورشات للتكوين في الفكر النقدي والوعي الحقوقي، تُعيد الاعتبار لثقافة السؤال لا ثقافة التلقّي.
- إحياء الجمعيات المهنية والطلابية بروح جديدة تجعلها فضاءات للفعل والتأطير لا للشكليات التنظيمية.
- تحويل الهوامش والمدن الصغرى إلى بؤر إنتاج للمعرفة والمبادرة، لا مجرد مستهلكٍ لما يأتي من المركز.
عند هذه النقطة فقط تنتقل النخبة من برج المراقبة إلى نسيج المجتمع، من الحضور الرمزي إلى الفعل الحي، ومن موقع التعليق إلى موقع صناعة التحولات الكبرى.
- صياغة مشروع مجتمعي جامع: من مطالب مجزأة إلى أفق بديل
لا تقوم حركة اجتماعية حية على الاحتجاج وحده، ولا تنهض أمة على النقد المجرد مهما اشتدّ عوده؛ فالتاريخ لا يتحرك بالصوت الغاضب، بل بالمشروع القادر على جمع الإرادات، وإلهام المخيلة، وتحريك الفعل.
والبديل الذي يحتاجه المغرب—كما سائر دول الجنوب—ليس تجميلاً لواقع متصدّع، بل تصوراً جديداً للعيش المشترك يعيد للإنسان مركزه، وللمجتمع روحه، وللدولة معناها.
هذا المشروع لا بد أن يرتكز إلى أعمدة واضحة وصلبة:
- رؤية اقتصادية تُوازن بين قوة الإنتاج وعدالة التوزيع، وتحرّر السوق من الريع دون أن تُسلمه لتوحّش رأس المال.
- سياسات اجتماعية تُعيد الاعتبار للتعليم والصحة والسكن باعتبارها حقوقاً مؤسسة للعدالة لا امتيازات ظرفية.
- نموذج تنموي يربط المعرفة بالابتكار، والابتكار بالشغل، والشغل بالكرامة، ليقطع مع اقتصاد هشّ يستورد كل شيء ويُنتج القليل.
- مقاربة ثقافية تُعيد فتح أبواب الخيال، وتواجه مشاريع تسليع الإنسان وتحويله إلى مجرد رقم في دفاتر السوق.
- تصور سياسي يعيد بناء الثقة المؤسسية، ويركّز السلطة في خدمة المجتمع، ويمنح الشباب موقع الفعل لا مقاعد الانتظار.
فالمجتمع لا يلتف حول الرفض مهما كان صادقاً، بل حول الأفق الذي يعد بما يمكن أن يصير.
إنه الأفق الذي يميز بين حركة عابرة، ومشروع تاريخي يصنع زمناً جديداً.
- ممارسة التغيير من الداخل: من الاحتجاج إلى بناء البدائل
التغيير العميق لا يُصنع بالاحتجاج وحده، ولا بالخطابات النظرية؛ إنه يُبنى داخل المجتمع نفسه، في المؤسسات الصغيرة التي تزرع البديل قبل أن تطالب به.
ومن هنا، تقع على عاتق النخبة الرسالية مهمة تأسيس هذه المؤسسات والبنى الحية، عبر:
- إقامة تعاونيات اقتصادية واجتماعية في المدن والقرى،
- إطلاق فضاءات تعليمية غير نمطية تُفعّل طاقات الشباب،
- إحياء النوادي الثقافية والتنظيمات الفكرية،
- دعم مبادرات الاقتصاد التضامني، وحماية البيئة، وتعزيز الرقمنة،
- بناء شبكات ضغط قانونية وحقوقية تحمي الفئات الهشة.
تجارب أمريكا اللاتينية، وإفريقيا، وآسيا تثبت أن الحركات التي بدأت صغيرة، بمبادرات محلية وشجاعة فكرية، صارت لاحقاً قوى تاريخية أعادت رسم السياسات الوطنية وفتحت آفاقاً جديدة للكرامة والتنمية.
النخبة الرسالية لا تنتظر إذناً من أحد؛ إنها تنمو من القاعدة، من المجتمع نفسه، من تراكم المبادرات الصغيرة، ومن خطاب يجد صدى في الناس، ومن تحالفات عضوية مع الشباب، ومن مشروع تاريخي يرد للسياسة معناها وللمجتمع ثقته بنفسه.
بهذه الطريقة فقط يتحقق البديل، فتتحول النخبة الرسالية إلى نواة نهضة اجتماعية واسعة، قادرة على مواجهة عاصفة الهيمنة الفكرية الغربية وأداتها الكاسحة النيوليبرالية، وصياغة أفق جديد وسط رياح اللايقين العاتية.
ملامح المشروع التاريخي للنخبة الرسالية في السياق المغربي
إذا كانت النخبة الرسالية الجديدة مطالبة بأن تتحول إلى حركة مجتمعية واسعة، فإن هذه الحركة تصبح بلا معنى إذا لم تتأسس على مشروع تاريخي واضح، قابل للحياة، يتجاوز ردود الفعل الظرفية إلى إعادة صياغة علاقة المغرب بذاته وبالعالم.
وفي زمن تتغير فيه قواعد اللعبة الاقتصادية والسياسية على الصعيد الدولي، لم يعد ممكناً الاكتفاء بترميم نموذج انتهى زمنه، بل بات ضرورياً إعادة تخيّل المسار الوطني بكامله.
يمكن تلخيص ملامح هذا المشروع في خمس ركائز رئيسية:
- اعادة تأسيس الدولة الاجتماعية: نحو عقد اجتماعي جديد
لم تعد الدولة الاجتماعية شعاراً سياسياً يُرفع عند الحاجة، بل أصبحت آلية تاريخية ضرورية لضمان الاستقرار والعدالة في مواجهة الضغوط النيوليبرالية المتصاعدة عالمياً. وفي السياق المغربي، يتأكد هذا التحول بوصفه خياراً استراتيجياً لا يقبل التأجيل. فالعقد الاجتماعي التقليدي الذي حكم علاقة الدولة بالمواطن طوال عقود بات عاجزاً عن توفير شروط التنمية أو حفظ التوازنات الضرورية لحياة جماعية مستقرة. ومع تراجع الخدمات الأساسية وتفاقم الإحساس بالفوارق، اتسعت فجوة الثقة بين المجتمع ومؤسساته، مما جعل إعادة بناء هذا العقد على قاعدة المساواة والكرامة والحقوق الأساسية ضرورة تاريخية وليست مجرد إصلاح قطاعي.
وتتضاعف الحاجة إلى هذا التأسيس الجديد حين نلاحظ أن السياسات النيوليبرالية—بمنطقها القائم على التنافس غير المتكافئ—ساهمت في انكماش الطبقة الوسطى وتضخم الفوارق الاجتماعية. وكلما تقلّصت قدرة المواطنين على الارتقاء الاجتماعي، زاد خطر الاستقطاب وتفكك الروابط التي تحفظ وحدة المجتمع. ومن هنا تظهر الدولة الاجتماعية بوصفها الجهة الوحيدة القادرة على إعادة توزيع الثروة بإنصاف، وحماية الطبقة الوسطى من التآكل، وإحياء اقتصاد الإنتاج في مقابل اقتصاد الريع ومراكز التحكم.
وفي الوقت نفسه، تتعرض الخدمات الأساسية—الصحة والتعليم والسكن—لضغوط تجعل الجودة امتيازاً طبقياً، لا حقاً عاماً. وحين يصبح الولوج إلى المعرفة أو العلاج رهين القدرة على الدفع، يتصدع مبدأ تكافؤ الفرص الذي تقوم عليه أي نهضة وطنية. ولذلك تأتي الدولة الاجتماعية لتصون هذه الخدمات من التخصيص المفرط، وتضمن عدالة الولوج إليها باعتبارها رافعة للترقي الفردي والجماعي.
وما يزيد هذا التحول إلحاحاً أن النموذج النيوليبرالي الفعلي انشغل بالمؤشرات الاقتصادية أكثر مما انشغل بالإنسان نفسه؛ فقاس التنمية بالأرقام، لكنه تجاهل الكرامة، والأمان الاجتماعي، وجودة الحياة. وهنا تصبح الدولة الاجتماعية مدخلاً لإعادة توجيه التنمية نحو الإنسان كغاية، لا كمجرد وسيط للنمو الاقتصادي.
كما كشفت التحولات العالمية—من تقلبات الأسواق إلى الأزمات الصحية والكوارث المناخية—مدى هشاشة الأفراد أمام مخاطر تفوق إمكاناتهم الذاتية. فلم يعد المواطن قادراً على حماية نفسه منفرداً، ولا الاقتصاد قادراً على الصمود دون شبكة أمان اجتماعي قوية. وفي هذا الإطار، ليست الدولة الاجتماعية جهازاً لتوزيع الإعانات، بل بنية للحماية الجماعية ودرعاً للمجتمع في مواجهة موجات اللايقين الدولي.
وهكذا يتضح أن تأسيس الدولة الاجتماعية ليس ترفاً سياسياً ولا نزعة مثالية، بل شرط أساسي للاستقرار، ومحرّك لإنتاج الثروة، ومدخل لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. إنها ليست نقيضاً للسوق، بل آلية لتقويم مساره، وليست خصماً للحرية الاقتصادية، بل ضمانة ألا تتحول إلى فوضى أو امتياز مغلق. إنها، ببساطة، قدر المرحلة ورهان المستقبل.
- اقتصاد منتج لا ريعي: قلب العلاقة بين السوق والمجتمع
جوهر الأزمة في معظم مجتمعات الجنوب—والمغرب ضمنها—ليس ندرة الإمكانات ولا فقر الموارد، بل هيمنة اقتصاد ريعي يحوّل الثروة إلى امتياز مغلق، ويُبقي الأغلبية في موقع الاستهلاك أو الهشاشة. في ظل هذا النموذج، تتحول السوق إلى أداة لتمركز القوة، لا فضاء للمبادرة؛ ويُختزل المجتمع إلى جمهور، لا إلى فاعلين في إنتاج القيمة.
المشروع التاريخي الذي تنشده النخبة الرسالية يبدأ من قلب هذه المعادلة: كسر منطق الريع وبناء اقتصاد وطني منتج يقوم على الصناعة والابتكار والتكنولوجيا الخضراء، ويجعل العدالة معياراً، لا مجرد خطاب. اقتصاد يعطي الأولوية للمقاولات الصغرى والمتوسطة، بوصفها العمود الفقري لأي تنمية حقيقية؛ ويعيد هيكلة السياسات الفلاحية بحيث تُخدِم الأمن الغذائي، لا الربح العقاري؛ ويُحرر السوق من الاحتكار الذي يخنق المنافسة ويقتل روح المبادرة.
اقتصاد قوي لا يعني اقتصاداً متوحشاً، بل اقتصاداً أخلاقياً يعيد توزيع القوة والفرص، ويحوّل الثروة من مجال امتلاك ضيق إلى مجال إنتاج مشترك.
تمكين الشباب: من فئة مهمّشة إلى فاعل تاريخي
لا مشروع تاريخي يمكن أن يرى النور فيما نصف المجتمع يُدفع إلى الهامش. فالمغرب يملك ثروة بشرية نادرة، لكنها تعيش أزمة تمكين لا أزمة قدرات؛ شبابٌ يمتلك المخيلة، والطاقة، ورغبة التغيير، لكن الأطر القائمة تكاد تعيد إنتاج الإقصاء أكثر مما تفتح أبواب المشاركة.
المطلوب ليس تحسين شروط إدماج الشباب، بل إعادة تعريف مكانتهم في قلب الفعل العام. وذلك عبر فتح المجال السياسي أمامهم بآليات مشاركة حقيقية، لا واجهات رمزية؛ وتحويل البحث العلمي والاقتصاد الرقمي والابتكار إلى أذرع لاستيعاب طاقتهم؛ وصنع جامعة تُنتج الفكر والحوار، لا الشهادات فقط؛ ودعم المبادرات الشبابية في الثقافة، والبيئة، والاقتصاد الاجتماعي، والفلاحة، والإعلام الرقمي بوصفها مجالات لصناعة النخبة الجديدة.
الشباب ليسوا “مستقبلاً” وحسب؛ إنهم شرط الحاضر وحدود إمكانه، وحين يُقصون، لا يختنق المجتمع فقط… بل يختفي مستقبله.
نهضة ثقافية تعيد الاعتبار للمعنى والفكر والخيال
في زمن تتحول فيه الثقافة إلى سلعة، والخيال إلى ترف، يصبح الدفاع عن الثقافة فعلاً سياسياً بامتياز. فبدون نهضة ثقافية، يبقى أي مشروع اقتصادي أو اجتماعي ناقص الروح، بلا اتجاه ولا معنى.
المغرب بحاجة إلى مشروع ثقافي يحرر المخيلة ويعيد وصل الهوية بالحداثة، والموروث بالابتكار، والمعرفة بالحرية. مشروع يستند إلى دعم الإبداع الأدبي والفني خارج منطق السوق؛ وإلى تعزيز العربية كلغة للمعرفة والإنتاج، إلى جانب تطوير الأمازيغية بوصفها رافداً أصيلاً للوعاء الثقافي الوطني؛ وإلى حماية الفضاء العمومي باعتباره مدرسة للنقاش الحر؛ وإطلاق ثورة معرفية تُعيد للفلسفة والعلوم الإنسانية دورها في بناء الوعي النقدي وقدرة المجتمع على التفكير في ذاته.
فمن دون نهضة ثقافية، لا تتحقق نهضة اقتصادية ولا سياسية؛ لأن الفكر هو الذي يمنح النموذج روحه واتجاهه.
سيادة القرار الوطني في زمن الهيمنة الاقتصادية
في عالم تُدار فيه القوة من خلف الشاشات أكثر مما تُدار من خلف الجيوش، لم تعد السيطرة تُمارَس بالدبابات، بل بآليات أكثر نعومة وأشد فاعلية: القروض التي تُقيد، سلاسل التوريد التي تُضعف، اتفاقيات التجارة التي تُعيد رسم الخرائط، وأسواق مالية تُحرك الأوطان كما لو كانت أسهماً في بورصة عابرة للحدود. وفي قلب كل ذلك، تنمو طبقة طفيلية تُتقن فن الاستفادة من العولمة دون أن تضيف إلى الاقتصاد أكثر من الظل.
من هنا، لم يعد سؤال السيادة ترفاً أو موضوعاً خطابياً؛ إنه سؤال البقاء. فالمغرب، مثل باقي دول الجنوب، لا يحتاج فقط إلى حماية حدوده، بل إلى حماية قراره. حماية استقلاله الاقتصادي قبل استقلاله السياسي، وسيادته الثقافية قبل سيادته القانونية.
التفكير التقليدي يقترح تنويع الشركاء، لكن التفكير الاستراتيجي يذهب أبعد: بناء قدرة ذاتية تجعل البلاد شريكاً ضرورياً لا تابعاً محكوماً بشروط اللعبة. وهذا يمر عبر:
- تصنيع محلي لا يكتفي بتجميع المنتجات، بل يبتكر ويخلق القيمة.
- اقتصاد معرفة ينتج من البحث والابتكار، لا من تقلبات السوق.
- استثمار في الطبيعة يحمي الموارد من الاستنزاف ويحوّلها إلى رأسمال وطني لا غنيمة عالمية.
- دبلوماسية مبنية على الندية، لا على توازن الخوف أو ثمن الصفقات.
- مؤسسات تتنفس الإرادة الوطنية وتعمل بمنطق المصلحة العامة، لا بمنطق اللوبيات العابرة للحدود.
السيادة، في هذا التصور، ليست عودة إلى جدران العزلة، بل فن المشاركة دون الذوبان، وفن الانفتاح دون الارتهان. إنها القدرة على أن تكون داخل العالم بقوة، لا على هامشه بضعف؛ وأن تحافظ على صوتك حتى في أشد لحظات الضجيج العالمي.
نحو مشروع تاريخي يعيد بناء النموذج المغربي
المشروع الذي تحمله النخبة الرسالية لا يشبه البرامج السياسية التي تنتهي بانتهاء ولاياتها، ولا الشعارات التي تذوب مع أول اختبار. إنه مشروع لإعادة تأسيس النموذج المغربي على قواعد أكثر صلابة واتساعاً:
- عدالة اجتماعية ومجالية تعيد الاعتبار للمساواة بوصفها شرطاً للاستقرار لا مجرد مطلب.
- اقتصاد إنتاجي يقوم على ثلاثية منسجمة:
– التكنولوجيا باعتبارها أداة المستقبل،
– الصناعة باعتبارها قلب القيمة،
– والفلاحة باعتبارها أساس السيادة الغذائية. - تمكين الشباب، ليس عبر وعود، بل عبر هندسة مؤسساتية جديدة تجعلهم فاعلين لا متفرجين.
- نهضة ثقافية لا تكتفي بحماية الهوية، بل تطلق الخيال وتعيد للمعنى مكانته.
- سيادة وطنية تحمي هذا المشروع من العواصف، وتمنح المغرب القدرة على اختيار مستقبله دون وصاية.
إنه مشروع يحوّل هشاشة اللحظة إلى فرصة، ويحوّل اختلالات السوق إلى دافع للتفكير، ويحوّل اللايقين العالمي إلى مجال لإعادة طرح سؤال كان يُهرب دائماً:
أي مستقبل نريد؟
والإجابة، في هذا الأفق، ليست انتظاراً لما يقرره الآخرون، بل فعلاً لما نصنعه نحن:
مستقبل نكتبه بأيدينا، لا مستقبل يُملى علينا من خارجنا.
الخاتمة: نحو أفق تاريخي يعيد للمجتمع قدرته على الفعل
لقد حاولت هذه المقاربة أن تقرأ لحظتنا الراهنة لا بوصفها مجرد أزمة عابرة، بل كمرحلة مفصلية تعيد تشكيل موقع المغرب —ودول الجنوب العالمي عموماً— داخل عالم تهبّ عليه رياح اللايقين من كل اتجاه. فالهيمنة الخارجية واداتها النيوليبرالية التي اكتسحت الاقتصاد العالمي، وأعادت توزيع القوة والثروة لصالح تحالف ضيق من الرأسماليين الكبار، والمضاربين الماليين، والتجار المهيمنين، وملاك الأراضي الإقطاعيين، وحتى اقتصاد الظل بتجار الممنوعات، لم تنتج فقط اختلالات اقتصادية، بل أحدثت شرخاً عميقاً في الوعي الجماعي، وأدخلت المجتمعات في حالة من التآكل البطيء وفقدان الثقة واللامعنى.
وفي مواجهة هذا التحول الجارف، بات واضحاً أن النخب التقليدية لم تعد قادرة على إنتاج حلول، لأنها —في كثير من الأحيان— جزء من البنية التي أنتجت الأزمة نفسها. وفي المقابل، ورغم طاقة الشباب الكبيرة، فإنهم يفتقدون —بفعل الإقصاء المستمر— الأدوات البنيوية التي تمكنهم من قيادة التحول.
ومن هذا الفراغ تتولد الحاجة إلى النخبة الرسالية الجديدة: نخبة تنبع من المعرفة والالتزام الأخلاقي، لا من الامتياز الطبقي أو القرب من السلطة. نخبة تمتلك وعياً نقدياً بالمرحلة، وقوة تخيّل للمستقبل، وقدرة على بناء تحالف عضوي مع الشباب، وتملك الجرأة على مساءلة قواعد النظام العالمي الجديد، لا الانصياع لها.
إن الدور التاريخي لهذه النخبة لا يتمثل في تقديم وصفات جاهزة، بل في إعادة بناء الخيال الاجتماعي، وفي تأسيس مشروع مجتمعي يضع الإنسان في قلب التنمية، ويعيد صوغ العلاقة بين الدولة والسوق والمجتمع على أسس من العدالة والسيادة والكرامة.
فالمغرب اليوم يحتاج —أكثر من أي وقت مضى— إلى رؤية تعيد الاعتبار للدولة الاجتماعية، وتحرّر الاقتصاد من الريع، وتمنح الشباب موقعاً قيادياً، وتطلق نهضة ثقافية واسعة، وتُحصّن القرار الوطني في عالم لا يحترم إلا من يمتلك قوة الفكرة وقدرة التنظيم.
وهكذا يصبح المشروع التاريخي للنخبة الرسالية ليس مجرد رد فعل على أزمة، بل بوصلة تعيد للمجتمع مقدرته على الفعل، وتمنحه قدرة على بناء نموذج تنموي مستقل، عادل، منتج، ومتصالح مع ذاته وتاريخه وهويته، دون أن يغلق نوافذه عن العالم.
إن اللحظة المغربية —ضمن السياق الأوسع للجنوب العالمي— ليست قدراً مكتوباً، بل فرصة تاريخية لإعادة ترتيب علاقتنا بذواتنا وبالعالم، شريطة أن نمتلك الشجاعة لطرح البديل، والوعي الكافي لتشييده، والإرادة الجماعية لحمله من مستوى الفكرة إلى مستوى التاريخ.
بهذا المعنى، لا يصبح سؤال المستقبل سؤالاً تقنياً أو اقتصادياً فحسب، بل سؤالاً أخلاقياً وسيادياً وحضارياً.
وهو سؤال لا يملك جوابَه إلا مجتمعٌ يستعيد ثقته بذاته، ونخبةٌ رساليةٌ تؤمن بأن المهمة ليست حماية ما تبقّى، بل بناء ما يجب أن يكون.




