
بقلم: د. محمد السنوسي..
في مسار التاريخ، نادرًا ما اختفى الظلم من تلقاء نفسه؛ فهو لا يُهزم بالوقت، ولا يتبخر بالتقادم. إنما يعيد تشكيل ذاته، يغيّر أدواته، يُبدّل لغته، ويتقن التحوّل من جريمة صريحة إلى نظام مُحكم. فالاستعمار القديم، الذي كان يتجلى في صورة عسكرة مباشرة، وأعلام تُرفع فوق أرض محتلة، وقوة غاشمة تمارس سيادتها بالقهر، تعلّم — بمرور الوقت — أن يعيد إنتاج نفسه في أشكالٍ أكثر نعومة، وأكثر قدرة على الادعاء بالشرعية. وفي هذا التحوّل بالتحديد تكمن خطورة اللحظة الراهنة.
ما يجري اليوم في غزة، وما يُطبخ للقضية الفلسطينية داخل مجلس الأمن، يتجاوز منطق الاحتلال التقليدي. ليست المسألة مجرد وجود قوة أجنبية على الأرض، بل إعادة هندسة الصراع بحيث لا يعود صراعًا على التحرر، بل “ملفًا إداريًا” يُدار عبر لجان، ولغات تقنية، وقوى دولية، ومصطلحات تبدو محايدة. هنا يحدث التحوّل الأخطر: يتحوّل الظلم التاريخي إلى منظومة تقنية تستبدل البعد الأخلاقي والسياسي للصراع بمعادلات إجرائية، وتحوّل الاحتلال إلى “حالة أمنية”، والمقاومة إلى “فصائل مسلحة غير خاضعة للضبط”، والشعب إلى “مستفيد من المساعدات” لا صاحب أرضٍ وسيادة.
لكن كيف يتم هذا التحوّل؟ وما هي آلياته؟ وما الذي يحمله قرار مجلس الأمن الأخير بشأن غزة من دلالات إستراتيجية؟ وكيف يمكن للنظرة الجدلية أن تكشف البنية العميقة لهذه التحولات؟
هذا ما نحاول تفكيكه في هذا المقال.
أولًا: منطق التحوّل — كيف يتقن الظلم إعادة اختراع نفسه؟
المنظور الجدلي الذي يؤطر هذه القراءة يقوم على فكرة مركزية بسيطة في ظاهرها، عميقة في بنيتها: الظلم لا يُهزم حين يُكشف، بل حين يفشل في إعادة التكيّف. فالقوة لا تراهن على شرعية أفعالها، بل على قدرتها المستمرة على إعادة تدوير الظلم في قوالب جديدة؛ قوالب أكثر تهذيبًا في المظهر، وأكثر انضباطًا في اللغة، وأكثر قبولًا لدى الرأي العام والمؤسسات الدولية. وهنا تكمن خطورة اللحظة: كلما نجحت القوة في تغيير اللغة التي يُعرَّف بها الصراع، اقتربت من تحويل معادلة التحرر من معادلة تاريخية وأخلاقية إلى معادلة إجرائية خاضعة لمدوّنة تقنية.
فالتحوّل ليس لغويًا فحسب؛ إنه تفكيك للمعنى وإعادة تركيب للوعي. حين تتحوّل الإبادة إلى “أزمة إنسانية”، والاحتلال إلى “قضية أمن”، والمقاومة إلى “تهديد يجب ضبطه”، والتحرير إلى “مسار تفاوضي مشروط”، فنحن لا نُعيد توصيف الوقائع، بل نُعيد صياغة الإطار الذي تُقرأ من خلاله الوقائع. ومن يربح معركة الإطار يربح نصف معركة السياسة.
فاللغة هنا ليست مجرد أداة وصف؛ إنها أداة إنتاج للممكن السياسي نفسه. حين يتغيّر التعريف، يتغيّر الإدراك، وحين يتغيّر الإدراك، تتغيّر حدود ما يُسمح به وما يُمنع، ما يبدو شرعيًا وما يبدو متطرفًا، ما يُسند وما يُجرَّم. وهكذا تُصاغ هندسة السيطرة الحديثة: لا عبر السلاح وحده، بل عبر المعجم الذي يُترجم الصراع إلى مسميات مقبولة.
ومن هذا المدخل تحديدًا تُعيد القوى الكبرى الغربية تصميم فلسفتها في التعامل مع القضية الفلسطينية: تحويلها من قضية تحرّر شعبي وجريمة استعمارية مستمرة إلى “ملف استقرار” قابل للإدارة. ملف يحتاج ـ في زعمهم ـ إلى هندسة تقنية، وقوة دولية، وبرامج إصلاح مؤسسي، ومجلس انتقال مَعْيَّن يتولّى إدارة الأرض والسكان. أي تحويل الشعب من فاعل إلى موضوع، ومن طرف سياسي إلى “حالة” يجب إدارتها داخل غرفة عمليات دولية.
بهذا المعنى، ما يجري اليوم ليس مجرد تغيير في أدوات إدارة الصراع، بل هو تغيير في بنية الصراع ذاتها: من صراع بين احتلال وشعب يريد الحرية، إلى صراع بين “استقرار” مُراد و”فوضى” يجب ضبطها. وهذا هو التحوّل الأكبر: حين يُعاد تعريف التحرر بوصفه “مخاطرة”، يُعاد تعريف السيطرة بوصفها “حلًّا”، وحينها ينتصر الظلم لأنه لم يعد يُرى.
ثانيًا: القرار الأممي — بين ظاهر إنساني وباطن سياسي
من هنا يبدأ الطرح المقابل: محاولة قراءة ما قرّره مجلس الأمن من الداخل، لا من خلال الغلاف الدبلوماسي الذي يقدّمه بوصفه خطوة نحو “الاستقرار”، بل عبر بنيته المفاهيمية التي تكشف مشروعًا أكبر من مجرد وقف للنار. فخلف الصياغات المحايدة وعبارات “حماية المدنيين” و“تهيئة الظروف” تكمن آليات جديدة تعيد رسم منطق السيطرة بوسائل أكثر نعومة، لكن أشد عمقًا.
فالقرار، في جوهره، ليس مجرد مبادرة لإدارة مرحلة ما بعد الحرب، بل هو تصميم هندسي يعيد صياغة السيادة الفلسطينية من الخارج، عبر ثلاث أدوات مركزية: قوة دولية، مجلس انتقالي، وإجماع دولي يشرعن هاتين الأداتين. وهكذا، يتحوّل السؤال من: “ماذا يهدف القرار؟” إلى: “كيف يعيد القرار تعريف من يملك القرار؟”.
أولًا: القوة الدولية للاستقرار — الأمن بوصفه بوابة الوصاية
إن تفويض مجلس الأمن بإرسال “قوة دولية للاستقرار” يبدو، للوهلة الأولى، خطوة تقنية لضبط الأمن. لكنه، في الحقيقة، إدخال لعامل خارجي يمتلك حق الحركة والسلاح والسيطرة على الأرض. فهذه القوة لن تراقب فقط وقف إطلاق النار، بل ستدير الحدود، وتشرف على الإعمار، وتحدد نطاق الحركة المدنية، والأهم: تفكيك السلاح المنظم داخل غزة.
وهذا هو قلب التحول.
فالتاريخ يعلمنا أن نزع السلاح هو نزع السيادة؛ وأن كل حركة تحرر في العالم واجهت الشرط نفسه: سَلِّم قوتك كي نمنحك حقوقك. لكن حقوقًا تُمنح مشروطة بالسلوك لا تصبح يومًا حقوقًا، بل تبقى امتيازات قابلة للسحب.
إن وصف نزع السلاح بأنه “إجراء أمني” محاولة لتجميل حقيقة قاسية: إنه إعدامٌ لإرادة الرفض قبل أن يكون إعدامًا للقدرة على المواجهة. وحين تصبح القوة الأجنبية هي المشرفة على الأمن الداخلي، فهذا يعني أن إرادة الفلسطينيين تُحاصر بين جدران قرار دولي لا يملكون منه شيئًا.
ثانيًا: مجلس السلام — سلطة انتقالية أم إعادة إنتاج للوصاية؟
إن إنشاء “مجلس السلام” بوصفه سلطة انتقالية يشكّل خطوة تبدو واعدة، لكنها تنطوي على سؤال جوهري: لمن تعود السيادة؟ هل لجهة منتخبة تمثل إرادة الناس؟ أم لجهة معيّنة تمثل بنية القوة الدولية؟
فالمجلس، وفق القرار، سيصوغ الحكم، وينظم الأمن، ويدير المعابر، ويشرف على الإعمار، ويعدّ الأرض لسلطة فلسطينية مستقبلية.
لكن ثلاثة تناقضات تُفجّر فكرة “انتقالية” المجلس:
- أنه يُعيَّن ولا يُنتخب، أي أنه يستمد شرعيته من الخارج لا من الداخل.
- أنه يعمل ضمن شروط إصلاحية يفرضها المموّلون والدول الكبرى، لا وفق برنامج وطني.
- أنه يرتبط بمسار “قد” يقود نحو دولة فلسطينية، لكن هذا “القد” مشروطٌ ومعلّقٌ على توازنات قوى غير فلسطينية.
وبذلك، يتحوّل المجلس إلى نموذج وصاية مؤسسي يُدار بعبارات أكثر تلطيفًا من صيغ القرن الماضي، لكنه يؤدي الوظيفة نفسها: إدارة شعب لا تمكينه.
ثالثًا: الإجماع الدولي — عندما يصبح الصمت شكلًا من أشكال القوة
مرور القرار بـ13 صوتًا دون أي اعتراض لا يشكّل انتصارًا للعدالة، بل يعكس ببساطة هيمنة ميزان القوى الدولي. فالإجماع ليس مؤشرًا على صواب القرار أو عدالته، بل على اتساع شبكة المصالح التي تدفع لتمريره.
أما الامتناع الروسي والصيني، فهو إشارة إلى إدراكهما لتعقيدات وخطورة هندسة القرار، لكنه ليس اعتراضًا فعّالًا قادرًا على إيقاف المشروع أو تغييره.
أما الدعم العربي المتفاوت، فيكشف عن مأزق بنيوي عميق: الأنظمة العربية اليوم محصورة داخل شبكة معقدة من توازنات إقليمية ودولية تمنعها من تبني رؤية تحررية مستقلة، وتدفعها نحو حلول “واقعية” تتناغم مع مصالح القوى الكبرى. لقد فقدت هذه الأنظمة القدرة على توجيه البوصلة نحو أهداف استراتيجية فلسطينية حقيقية، فتتحرك اليوم وفق ما تسمح به هندسة القوى العالمية، لا وفق رؤية تحررية مستقلة.
هكذا يتحوّل الإجماع السياسي الدولي إلى غطاء شرعي لإعادة إنتاج الهيمنة والسيطرة، وليس منصة لإحقاق العدالة أو ضمان حقوق الشعب الفلسطيني.
رابعًا: الرفض الفلسطيني — صوت الواقع داخل معادلة صيغت خارجه
أما الرفض الفلسطيني، وبشكل خاص موقف حماس، فهو ليس رفضًا تكتيكيًا، بل رفض يستند إلى حقيقة ميدانية: لا يمكن لقوة دولية مفوّضة من القوى الكبرى أن تكون محايدة. وفي اللحظة التي يتحول فيها دورها إلى نزع السلاح ومراقبة القوة الفلسطينية، تصبح جزءًا من معادلة الصراع، لا وسيطًا فيه.
وهنا يبرز السؤال الحاسم:
هل يمكن تصميم حل سياسي يفرض على الفاعل الموجود على الأرض دون إشراكه؟
أم هل يتم، ببساطة، إعادة تعريف الفاعل بحيث يصبح كيانًا إداريًا بديلًا يمثل “المجتمع الدولي”، لا المجتمع الفلسطيني؟
وهذا هو جوهر الإشكال: حلٌّ يُصاغ من الخارج، بلا تفويض شعبي، وبلا مشاركة للقوة الاجتماعية الفعلية على الأرض، هو حل يبني إدارة لا يبني دولة، ويؤسس لمرحلة انتقالية لا تنتهي.
ثالثًا: البنية العميقة للتحوّل — من احتلال إلى إدارة تقنية
هنا ندخل إلى صميم الجدلية: لسنا أمام محاولة لحلّ الأزمة، بل أمام محاولة لإعادة تعريفها جذريًا. فالسؤال الحقيقي لم يعد: كيف نُنهي الحرب؟ بل: كيف يُعاد تشكيل طبيعة الصراع بحيث يتخلى عن جذوره التحررية ويُعاد ضمّه إلى حقل الإدارة الدولية؟
القرار الأممي لا يعالج جذور الظلم، بل ينقل الصراع من ساحته الأصلية — ساحة التحرر والحق والاحتلال — إلى ساحة جديدة تمامًا: ساحة التقنية السياسية؛ حيث تُختزل المأساة إلى مشكلات يحتاج المجتمع الدولي إلى “إدارتها”، لا إلى إنهائها.
وهكذا ينتقل الخطاب من:
- قضية تحرر وطني → إلى ملف إداري دولي؛
ومن: - شعب يقاوم الاستعمار → إلى مجتمع يحتاج إدارة احتياجاته الإنسانية والأمنية؛
ومن: - حركة تحرر → إلى “تنظيم مسلح” يتطلّب ضبطًا؛
ومن: - مطالبة بالسيادة → إلى مطالبة بتحسين شروط الحياة.
هذا التحوّل ليس تلاعبًا لغويًا؛ إنه إعادة هندسة للمعنى السياسي ذاته. فحين يتغيّر تعريف الصراع، يتغيّر تعريف الحل، ويتغيّر من يملك حق صياغته، ومن يملك حق الرفض أو القبول.
فما كان في السابق ساحة مواجهة بين محتلّ وشعب، يصبح — عبر آلية أممية جديدة — ساحة عمل لخبراء، ومستشارين، ومهندسين إداريين، وقوات استقرار، ولجان تسيير، وبرامج إعادة إعمار، وموازنات تمويل… أي أن الاحتلال يتحوّل إلى “حالة تقنية قابلة للإدارة” بدل أن يبقى جريمة سياسية قابلة للمساءلة.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى:
كلما ارتدى القرار الأممي قناع الحيادية والشكل المؤسسي، ازداد الاحتلال رسوخًا وعمقًا في جوهره؛ إذ يتحوّل من احتلال ظاهر إلى نظام دولي لإدارة الأرض والشعب.
وفي الوقت ذاته، كلما صُنفت المقاومة على أنها “إشكال أمني” في صيغ الخطة، ضاق عليها المجال، إذ يُعاد تعريفها من حركة تحررية ذات حق مشروع إلى عائق أمام الإدارة الدولية.
بهذا المنطق، يصبح الاحتلال أكثر استقرارًا حين يُخفّى داخل هياكل مؤسسية دولية، وتصبح المقاومة أكثر حصارًا حين تُحوّل إلى مشكلة تقنية لا مسألة تحرر.
وفي اللحظة التي تُنزع فيها القدرة على الفعل من يد المقهورين وتُسلم إلى لجان، قوات، ومجالس مُعينة، نكون أمام انقلاب مزدوج: انقلاب على الوعي قبل انقلاب على الواقع.
هنا، يصبح الواجب العلمي والضمير الإنساني واجبًا مضاعفًا: تحذير العالم من الانحدار إلى نموذج جديد من الاستغلال والوصاية، حيث تُغلف الهيمنة بغطاء “شرعية دولية مصنوعة”، ليصبح القهر مقنّنًا ومبرَّرًا رسميًا. العالم برمته يتجه نحو منحدر خطير، قد يعيد إنتاج أشكال العبودية في أبهى حلّة جديدة.
رابعًا: ما وراء القرار — قراءة استشرافية في مسار السنوات الثلاث المقبلة
هنا يبرز السؤال الجوهري الذي يتجاوز ظاهر القرار الأممي: هل نحن أمام مسار نحو الدولة، أم أمام هندسة دقيقة لنظام وصاية دولية جديد؟
فالقرار يُلمّح إلى «طريق نحو دولة فلسطينية»، لكنه يقيّد هذا الطريق بثلاثة جدران صلبة: شروط أمنية صارمة، إصلاحات مراقَبة دوليًا، وسقف حضور قوة دولية تمتلك صلاحيات تنفيذية. وإذا كان ميلاد الدولة مشروطًا بإرادة الخارج، لا بإرادة أصحاب الأرض، فإنّ الحديث عن «دولة» يتحوّل إلى صيغة إدارية مؤقتة لا تملك مقومات السيادة، بل تتصرف كسلطة تتلقى التعليمات وتلتزم بمعايير محددة لها مسبقًا.
وبهذا المعنى، فإن الدولة المشروطة ليست دولة؛ بل نموذجًا من الحكم التابع، يُراد له أن يدير المجتمع لا أن يمثّله، وأن يضبط الأمن لا أن يؤسّس للاستقلال.
لكن الجانب الأكثر استشرافًا يكمن في أثر قرار نزع السلاح — الركيزة المركزية في الخطة. فإذا ما فُرض هذا الشرط بقوة دولية، فإنّ ما سيُنتج ليس استقرارًا، بل معادلة مقاومة جديدة تحت الأرض. فتاريخ الشعوب كلّه يشي بأن تجفيف القدرة على الدفاع لا يطفئ الروح المقاومة، بل يدفعها إلى إعادة التشكل سرًا عبر:
- شبكات تنظيمية موازية،
- بنى عسكرية سرية،
- مسارات تجنيد غير مرئية،
- وتشكيلات اجتماعية لا تعترف بشرعية الوصاية.
وبالتالي، فإنّ محاولة “تحييد المقاومة” قد تؤدي — حثميا — إلى ولادة مقاومة أكثر مرونة، وأكثر صعوبة في الرصد، وأكثر قدرة على التطوّر بعيدًا عن أعين القوة الدولية.
أما القوة الدولية نفسها، فليست مجرد «قوة استقرار». التفويض الواسع الذي مُنح لها — حماية حدود، مراقبة وقف النار، تفكيك السلاح، الإشراف الأمني، والتدخل عند الحاجة — يحولها إلى فاعل مهيمن على الأرض.
وبذلك تصبح غزة، واقعياً، تحت إدارة أمنية أجنبية تمتلك:
• حق التدخل العسكري،
• سلطة الاشتباك،
• إمكانية الاحتكاك اليومي بالسكان والفصائل،
• وشرعية أممية تتيح لها البقاء طويلًا.
وهذا النموذج أقرب ما يكون إلى احتلال ذي شرعية دولية، لا إلى قوة حفظ سلام محايدة؛ خصوصًا وأن تجارب مماثلة — في لبنان، الكونغو، تيمور الشرقية — تُثبت أن هذه القوى لا تكون محايدة إلا في الخطاب، أمّا عمليًا فهي تعمل ضمن سقف التوازنات الكبرى.
وتبقى الولايات المتحدة المستفيد الأكبر من هذه الصياغة الجديدة. فالخطة تمنح واشنطن أدوات لم يسبق أن امتلكتها بهذا القدر من التكامل:
- التحكم في مسار إعادة الإعمار — وبالتالي إمساك الخيط الاقتصادي للمنطقة،
- ضبط الأمن الإقليمي عبر القوة الدولية كذراع تنفيذية،
- هندسة مستقبل غزة السياسي عبر “مجلس السلام”،
- إعادة تشكيل ميزان القوى العربي تحت سقف الاستراتيجية الأمريكية.
وهذه المنظومة تقود إلى السؤال الجدلي الحاسم:
هل الهدف المعلن هو إنهاء الاحتلال، أم إعادة إنتاجه بنسخة أكثر قدرة على الاستمرار، أقل كلفة على إسرائيل، وأكثر انسجامًا مع الرؤية الأمريكية؟
فالمعادلة المطروحة، بقدر ما تبدو «حلًا»، تبدو — في منطقها الداخلي — محاولة لخلق فضاء سياسي جديد:
فضاء تُدار فيه غزة من الخارج،
ويُضبط فيه الداخل بآليات تقنية وأمنية،
وتُعاد فيه صياغة القضية على أنها ملف إداري،
وتُقصى فيه المقاومة إلى هامش «الاختلال الأمني» بدل كونها حركة تحرر.
وبذلك يصبح السؤال الحقيقي:
هل ما نراه بداية مسار دولة؟
أم هندسة ذكية لنظام وصاية يهدف إلى تفريغ فكرة الدولة من مضمونها؟
خامسًا: بين التقنية والتحرر — منطق الصراع بين نموذجين
اليوم، لم تعد المعركة مجرد صراع على الجغرافيا؛ إنها معركة على تعريف الواقع قبل أن تكون معركة لتحرير الأرض. من يمتلك سلطة تحديد المعنى، يملك مفتاح المستقبل. وفي قلب اللحظة التاريخية الراهنة، يتصارع مشروعان متناقضان، ليس فقط حول غزة، بل حول كيفية تشكيل الوعي والمعنى ومفهوم السيادة.
- مشروع التقننة والسيطرة
يقوده مجلس الأمن والقوى الغربية الكبرى، ويهدف إلى تحويل الصراع من صراع تحرر إلى ملف إداري دولي. عناصره الأساسية:
- نزع السلاح باعتباره “مدخل الاستقرار”.
- فرض هندسة أمنية صارمة.
- إدارة انتقالية تحت الرقابة والتقييد.
- إعادة إعمار مشروطة سياسيًا وأمنيًا.
- تحويل غزة إلى مساحة خاضعة لرقابة دولية مستمرة.
- دمج المسار السياسي ضمن قاعدة تقنية-مؤسسية تُفرغ السياسة من روحها.
يهدف هذا المشروع إلى إعادة إنتاج الواقع بلغة جديدة:
- الفعل السياسي يتحول إلى إدارة.
- الشعب يصبح جمهورًا مستهلكًا للخدمات.
- المقاومة تُختزل إلى خلل أمني يحتاج إلى حل تقني
إنه مشروع تطويع الواقع بدل إنهاء الصراع؛ محاولة لإضفاء شكل “منظومة إدارة حديثة” على الاحتلال المستمر.
- مشروع التحرر وإعادة التعريف
يحمله الشعب الفلسطيني بكل أطيافه وروافده الاجتماعية والسياسية والأخلاقية، ويقوم على استعادة المعنى قبل الأرض:
- استعادة السيادة كحق طبيعي لا منحة
- رفض جميع أشكال الوصاية، سواء الدولية أو الإقليمية
- حماية حق المقاومة كتعبير عن الوجود الجمعي
- إعادة تعريف الدولة كفضاء للتحرر وليس كيانًا وظيفيًا محدود الصلاحيات
- توسيع دائرة الفعل الشعبي ليبقى مصدر الشرعية الأول
- إعادة الاعتبار للبُعد الأخلاقي للصراع، باعتباره صراع حق وعدالة.
هذا المشروع يرفض تحويل الشعب إلى مجرد ملف، أو تحويل التحرر إلى معادلة تقنية، أو تقليص القضية إلى “إدارة أزمة”.
بين المشروعين تُرسم معالم السنوات المقبلة
الصراع القادم ليس مجرد تفاوض على ترتيبات أمنية، بل صراع على الروح والمعنى:
- هل ستدار غزة كفضاء تحت وصاية دولية؟
- أم ستُعاد صياغة المشروع الفلسطيني كحركة تحرر تمتلك زمام مستقبلها؟
المرحلة المقبلة هي اختبار لمن يملك القدرة على فرض تعريفه للواقع:
- هل تعريف القوة الدولية هو الحاكم؟
- أم تعريف الشعب الذي دفع ثمن الوجود والكرامة جيلاً بعد جيل؟
الخلاصة — بين الفرصة والتهديد
القرار الأممي يشكّل لحظةً فاصلة في مسار القضية الفلسطينية؛ لحظة يتداخل فيها الأمل بالخطر، والإعمار بالوصاية، ووقف الحرب بإعادة تشكيل موازين القوة. فهو يفتح نافذة لإعادة بناء غزة ووقف آلة التدمير، لكنه في الوقت ذاته يحمل بذور مشروع آخر: تحويل قضية تحرر تاريخية إلى ملف إداري منزوع الروح، منزوع الإرادة، منزوع القدرة.
إن السنوات الثلاث المقبلة ستكون مسرحًا لصراع من نوع جديد — صراع على من يملك تعريف المستقبل:
- قدرة الفلسطينيين على فرض تمثيلهم الحقيقي، لا التمثيل المصنوع في غرف مغلقة.
- قدرة المجتمع المدني على حماية الطابع التحرري للصراع، ومنع اختزاله في مؤشرات وموازنات وتقارير.
- قدرة الفصائل على إعادة تعريف دورها بعيدًا عن فخّ “التطويع الأمني”.
- قدرة النظام العربي على التعامل مع الخطة بوصفها اختبارًا للسيادة لا فرصة للتماهي.
- قدرة القوى الحرّة عالميًا على التمييز بين الاستقرار الذي يُبنى فوق العدالة، و“الاستقرار” الذي يُستخدم لدفنها.
فالاستقرار بلا عدالة هو تأجيل للانفجار، والعدالة بلا سيادة وهمٌ، والسيادة بلا إرادة سياسية مستقلة مستحيلة.
الخطر الأكبر اليوم ليس في القرار ذاته، بل في البنية الذهنية التي قد ينشئها:
بنية تُحوِّل الظلم إلى “إدارة”، والقهر إلى “إصلاح”، والمقاومة إلى “خلل تقني”.
إنه أخطر أشكال إعادة إنتاج الهزيمة، لأنه يلبس ثوب الحلول ويعيد هندسة الوعي قبل هندسة الأرض.
غير أنّ الشعوب حين تستعيد وعيها وإرادتها تصبح أكبر من كل المنظومات، مهما بدت محكمة أو مغطاة بشرعية دولية. فوعي الشعوب قادر على تفكيك أكثر البُنى صلابة، وقادر على تعرية كل نظام يسعى لإخفاء الهيمنة تحت قناع “الإدارة” و“الاستقرار”.
إن القضية الفلسطينية ليست خطة تنموية ولا مشروعًا تقنيًا؛ إنها قضية حرية ووجود وكرامة. وكل محاولة لجرّها إلى مربع “الإدارة الانتقالية” أو “الحوكمة الدولية” ليست سوى محاولة لإعادة إنتاج الاحتلال بصورة أكثر حداثة، وأكثر نعومة، وأكثر قدرة على الإيهام بأنها حلّ.
لكن خلف هذه اللغة المنمقة، يبقى الجوهر واحدًا:
محاولة نزع الروح من قضية صاغتها دماء الشهداء وصبر الأجيال.
وفي النهاية، تظل الحقيقة الحاسمة ثابتة لا تتغير:
ما يُطبخ في غرف الكبار لا يصبح واقعًا إلا إذا قبله أصحاب الأرض.
والشعب الفلسطيني — عبر كل محطات القهر والمجازر — لم يقبل يومًا أن يُدار كملف، أو أن يتحول إلى موضوع في تقرير أممي.
لقد بقي دائمًا فاعلًا لا مفعولًا به، وصاحب قرار لا موضوع قرار.
واليوم، أمام حجم ما يُراد فرضه عليه،
لم يعد أمامه إلا طريق المقاومة والكفاح،
حتى تتحرر الأرض، كل الأرض، من البحر إلى النهر.
فلا لغة تقنية تستطيع إلغاء التاريخ،
ولا منظومة دولية تستطيع إخماد إرادة شعب قرر أن يعيش حرًا.




