
بقلم: د. محمد السنوسي(*)..
ثمة شيء غير مكتمل في الطريقة التي نتحدث بها عن المحسوبية. فعندما يحصل شخص على فرصة بسبب قربه من مركز نفوذ، نسمي ذلك محسوبية. وعندما تحصل شركة على امتياز لا تبرره قدرتها التنافسية، نتحدث عن الريع أو الفساد أو تضارب المصالح. ثم ننقل النقاش سريعًا إلى السؤال الأخلاقي: هل ما حدث مشروع أم غير مشروع؟ عادل أم غير عادل؟
لكن هذه الأسئلة، على أهميتها، تبقى في مستوى الظاهرة. أما السؤال الأعمق فهو: ماذا يحدث عندما لا تعود المحسوبية مجرد ممارسة لتحقيق مصلحة خاصة، وإنما تتحول إلى آلية قادرة على إنتاج رأس المال وتراكمه وإعادة إنتاج النفوذ؟
هنا نغادر مفهوم المحسوبية بوصفه سلوكًا أو علاقة، وندخل إلى بنية مختلفة: رأسمالية المحسوبية.
المقصود بهذا المفهوم ليس رأسمالية فاسدة بالمعنى المباشر، ولا مجرد اقتصاد تنتشر فيه العلاقات الشخصية، وإنما نمط من اشتغال الرأسمالية يصبح فيه النفوذ نفسه موردًا اقتصاديًا قابلًا للتحويل والتراكم. فحين يفتح النفوذ أبواب الوصول، ويتحول الوصول إلى امتياز، ويتحول الامتياز إلى ثروة، ثم تعود الثروة فتنتج نفوذًا أكبر، لا تعود العلاقة مجرد علاقة اجتماعية؛ إنها تصبح آلية لإنتاج رأس المال وإعادة إنتاج القوة.
بعبارة أخرى، نحن أمام دائرة متصاعدة: يبدأ النفوذ بفتح أبواب الوصول، ويتحول الوصول إلى امتياز، ويتحول الامتياز إلى ثروة، ثم تعود الثروة لتنتج نفوذًا أكبر، وهكذا يعيد النفوذ إنتاج نفسه.
ومن هنا فإن «رأسمالية المحسوبية» لا ينبغي أن تكون اسمًا آخر للفساد، بل مفهومًا لفهم اللحظة التي يصبح فيها القرب من مراكز القوة أحد أشكال رأس المال، وتتحول القدرة على الوصول إلى القرار والتأثير فيه إلى جزء من القدرة على إنتاج العائد. وعندما يحدث ذلك، لا يعود النفوذ مجرد وسيلة للحصول على أفضلية داخل السوق، بل يصبح وسيلة للتأثير في القواعد التي تحدد من يدخل السوق، ومن ينافس فيه، ومن يملك القدرة على الاستمرار؛ أي إن الصراع ينتقل تدريجيًا من المنافسة على السوق إلى المنافسة على شروط السوق نفسها. ومن هنا يمكن فهم التحول الأول والأكثر جوهرية في منطق رأسمالية المحسوبية.
أولًا: حين تنتقل المنافسة من السوق إلى شروط السوق
تقوم الرأسمالية، في صورتها المثالية، على المنافسة: الابتكار، وخفض التكاليف، وتحسين القيمة، بحيث يعمل السوق آلية لاكتشاف الكفاءة ومكافأة المخاطرة وإنتاج القيمة. لكن هذا التصور يخفي مفارقة أساسية: السوق لا يعمل خارج علاقات القوة، والمنافسة لا تجري في فراغ مؤسسي. فكل سوق يحتاج إلى قواعد ومؤسسات تحدد شروط الدخول والمنافسة، ومن يملك القدرة على التأثير في هذه الشروط قد يحصل على ميزة لا تأتي من تفوقه الإنتاجي، بل من موقعه في شبكة القوة.
وهنا تظهر العلاقة العضوية بين الرأسمالية والمحسوبية. فالمحسوبية ليست مجرد انحراف أخلاقي عن الرأسمالية، بل يمكن أن تصبح، عندما تتركز القوة الاقتصادية والسياسية وتضعف المؤسسات الضابطة، آلية مستقرة لإنتاج الامتياز وإعادة إنتاجه.
في الرأسمالية التنافسية يكون السؤال:
كيف أصبح أفضل من منافسي؟
أما عندما تدخل المحسوبية إلى قلب السوق، فيصبح السؤال:
كيف أصبح أقرب إلى من يحدد شروط المنافسة؟
وهنا تنتقل المنافسة من داخل السوق إلى المنافسة على شروط السوق؛ من جودة المنتج والتكلفة والابتكار إلى التراخيص والعقود والتمويل والمعلومات والتنظيم والحماية والامتيازات. وتصبح القدرة على التأثير في القاعدة أحيانًا أكثر قيمة من القدرة على المنافسة داخلها.
وهذه هي اللحظة التي يتحول فيها النفوذ إلى رأس مال.
فلماذا تستثمر شركة في البحث والتطوير إذا كانت الحماية التنظيمية أكثر ربحية؟ ولماذا تخاطر بدخول سوق مفتوح إذا كان الوصول إلى مراكز القرار يضمن موقعًا مميزًا؟ عندها يصبح الامتياز بديلًا عن الابتكار، والوصول بديلًا عن الإنتاجية.
ولا يعني ذلك أن كل علاقة بين الدولة والقطاع الخاص محسوبية، أو أن كل ممارسة للضغط فساد. المشكلة تبدأ عندما يصبح الوصول غير المتكافئ إلى القرار مصدرًا مستقرًا لأفضلية اقتصادية لا يستطيع المنافس العادي الوصول إليها بالشروط نفسها.
عندها قد لا يكون السوق مغلقًا في النصوص، لكنه يصبح مغلقًا في بنية الوصول. قد يستطيع الجميع تأسيس شركة، لكن لا يستطيع الجميع الوصول إلى الفرص الكبرى؛ وقد تكون القوانين واحدة، لكن القدرة على التأثير في صياغتها ليست واحدة. وهكذا يدخل بعض المتنافسين السوق برأس مال إضافي لا يظهر في ميزانياتهم: رأس مال النفوذ.
ومن هنا ينبغي النظر إلى العلاقة بين رأس المال والسلطة بوصفها دائرة تراكمية: رأس المال يولد نفوذًا، والنفوذ يولد امتيازًا، والامتياز يولد عائدًا، والعائد يعزز النفوذ. وهكذا لا يعود رأس المال مجرد نتيجة للنجاح في السوق، بل يصبح وسيلة للتأثير في شروط النجاح فيه.
لكن هذا لا يعني أن الرأسمالية تؤدي حتميًا إلى المحسوبية؛ بل يعني أن تركّز رأس المال والقوة، في غياب مؤسسات مستقلة وقواعد تنافسية، قد يحول القوة الاقتصادية إلى نفوذ سياسي، ثم يعيد تحويل النفوذ إلى قوة اقتصادية أكبر.
ولهذا فالسؤال النقدي ليس فقط:
هل لدينا سوق؟
بل:
أي سوق لدينا، ومن يملك القدرة على تشكيله؟
وهنا تبدأ وظيفة الدولة في التحول. فالدولة الحديثة ليست مجرد جهاز إداري، بل قدرة على إنتاج قواعد عامة ومستقرة، وحماية المنافسة، وتصحيح إخفاقات السوق، ومنع تحول القوة الاقتصادية إلى سلطة فوق القانون. لكن عندما تصبح المصالح الاقتصادية قادرة بصورة غير متكافئة على التأثير في صناعة القواعد، قد تظل الدولة قائمة بمؤسساتها وقوانينها، بينما تتحول تدريجيًا من حَكَم يضع شروط المنافسة إلى ساحة تتصارع فيها المصالح على تشكيل هذه الشروط.
والأخطر أن ذلك لا يحتاج دائمًا إلى خرق القانون. فقد تكون الإجراءات سليمة والعقود قانونية، لكن اللعبة مختلة لأن بعض الفاعلين يملكون قدرة أكبر على الوصول إلى القرار والتأثير فيه.
لذلك لا يكفي أن نسأل:
هل تم احترام القانون؟
بل:
من يملك القدرة على صياغة شروط المنافسة؟ ولمن تعمل؟ ومن يستطيع تغييرها؟ وهل يستطيع الداخل الجديد منافسة صاحب العلاقة القديمة بالشروط نفسها؟
عندما تصبح الإجابات غير متكافئة بصورة منهجية، تبدأ رأسمالية المحسوبية في تشويه السوق والدولة معًا. فالنفوذ لا يحدد فقط من يحصل على الفرصة، بل يغير الحوافز: يصبح الامتياز أكثر جاذبية من الابتكار، وحماية الموقع أكثر عقلانية من المخاطرة بتغييره.
وتنشأ بذلك حلقة مفرغة تبدأ بتشويه المنافسة، فتؤدي إلى سوء تخصيص الموارد، ثم إلى ضعف الإنتاجية والابتكار وتراجع خلق القيمة، وهو ما يزيد الاعتماد على الامتيازات، لتعود المحسوبية فتنتج نفسها من جديد.
وهنا لا تعود المحسوبية مشكلة في توزيع الثروة فقط، بل في إنتاجها؛ إذ قد تمنع الاقتصاد من إنتاج القيمة التي كان قادرًا عليها.
ومن ثم ينتقل أثر رأسمالية المحسوبية من تشويه السوق إلى أسر الدولة، ومن إعادة توزيع الفرص إلى التضييق على قدرة المجتمع نفسه على خلق فرص جديدة.
ثانيًا: من أسر الدولة إلى أسر إمكانات المجتمع
إذا توقفنا عند الفساد وتضارب المصالح، فلن ندرك الأثر الأعمق لرأسمالية المحسوبية. فالمشكلة ليست فقط في منح امتياز لمن لا يستحقه، بل في منع إمكانات أخرى من الوصول إلى لحظة المنافسة أصلًا.
قد تُقصى شركة ناشئة واعدة من التمويل أو السوق لأنها تفتقر إلى شبكة النفوذ، بينما تحصل شركة أقل ابتكارًا على الفرصة بفضل قربها من مراكز القرار. والخسارة هنا ليست قيمة صفقة أو شركة واحدة، بل سلسلة من الإمكانات التي لم تتحقق: استثمارات لم تُنجز، وظائف لم تُخلق، خبرات لم تتراكم، وابتكارات لم تصل إلى السوق.
ومن منظورنا، تكمن خطورة المحسوبية في أنها لا تعيد توزيع ما هو موجود فقط، بل تتدخل في السؤال الأسبق:
من يُسمح له بتحويل إمكانه إلى واقع؟
التنمية ليست تراكمًا للثروة فحسب، بل هي قدرة المجتمع على تحرير طاقاته الكامنة وتحويل المواهب والأفكار والمشروعات من إمكانات مؤجلة إلى قوى منتجة تدخل مجال الاختبار والمنافسة. وعندما تتحكم شبكات النفوذ في بوابات التمويل والسوق والتعليم والتكنولوجيا والتنظيم، فإنها لا تعرقل بعض المشاريع فحسب، بل قد تغلق طريق الإمكان قبل أن يبدأ.
ومن هنا يبرز سؤال أكثر إحراجًا: كيف يمكن الحديث بجدية عن دعم الشباب حاملي المشاريع، وعن ريادة الأعمال وتمكين الشباب، بينما تظل بوابات الوصول إلى التمويل والسوق والفرص خاضعة لمنطق لا تكفي فيه الفكرة والكفاءة وحدهما؟
والأخطر أن هذا ينتج تكيفًا اجتماعيًا: حين يكتشف الناس أن الكفاءة وحدها لا تكفي، يصبح السؤال «من أعرف؟» أهم من «ماذا أستطيع أن أقدم؟». عندها تتحول المحسوبية من ممارسة إلى ثقافة، وتتراجع الثقة في المؤسسات، وتصبح العلاقات والوساطة أكثر قيمة من المهارة والمبادرة.
وهنا تبلغ رأسمالية المحسوبية أخطر آثارها: أنها لا تستحوذ على إمكانات المجتمع فقط، بل قد تدفع المجتمع نفسه إلى التوقف عن محاولة إنتاجها.
وهنا ننتقل من أسر الدولة إلى ما هو أخطر: أسر المستقبل.
فإذا استطاعت شبكات النفوذ التأثير في التعليم والتمويل والاستثمار والتكنولوجيا والبنية التحتية والتنظيم، فإنها لا تتحكم فقط في الفرص الموجودة اليوم، بل في شروط ظهور المنافسين غدًا.
وأخطر منافس لرأس المال القائم ليس الشركة الموجودة اليوم، وإنما الشركة التي لم تولد بعد؛ وليس صاحب المشروع الذي ينافس الآن، وإنما صاحب الفكرة الذي لم يجد بعد فرصة الدخول إلى السوق.
وهنا يتحول السؤال من: من يملك الثروة؟ إلى سؤال أكثر عمقًا:
من يملك شروط ظهور الثروة الجديدة؟
ثالثًا: رأسمالية المحسوبية ورأسمالية احتكار الإمكان في النظام الدولي
من الخطأ اختزال رأسمالية المحسوبية في مرض محلي أو خلل خاص بدولة بعينها. فهي قد تتشكل عند نقطة التقاء رأس المال العالمي بالنفوذ المحلي والدولة، حيث تتقاطع المصالح العابرة للحدود مع شبكات القوة داخل المجتمعات.
فالرأسمالية العالمية لا تعمل فقط عبر الأسواق والشركات، بل عبر شبكات من التمويل والتكنولوجيا والبيانات وسلاسل الإنتاج والمعرفة. وفي المقابل، تبحث النخب المحلية عن الموارد والمواقع والنفوذ، بينما تملك الدولة أدوات التنظيم والتخصيص والحماية. وعندما تتقاطع هذه المصالح، يمكن أن تنشأ علاقة تبادل: رأس المال العالمي يحصل على الوصول والاستقرار والحماية، والنخب المحلية تحصل على الموارد والنفوذ، بينما تتحمل الدولة والمجتمع كلفة الاختلال.
وهنا تكمن خطورة الظاهرة في بلدان الجنوب: إذ قد لا تبقى المحسوبية شأنًا داخليًا، بل تتحول إلى قناة تخترق من خلالها المصالح الاقتصادية العابرة للحدود النسيج الوطني عبر شبكات النفوذ المحلية، فتتبادل معها المنافع على حساب المنافسة وتكافؤ الفرص والقدرة الوطنية على إنتاج القيمة.
ولا تحتاج هذه العملية إلى مؤامرة أو خرق صريح للقانون؛ يكفي أن تصبح العلاقة بين رأس المال والنفوذ أكثر ربحية من الاستثمار في الابتكار والإنتاجية. عندها لا تعود المنافسة على السوق فقط، بل على من يملك القدرة على الوصول إليه وتشكيل قواعده.
ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «رأسمالية احتكار الإمكان»: حين لا يكتفي رأس المال القائم بحماية حصته من الثروة، بل يسعى إلى حماية موقعه من المنافسين المحتملين، وإغلاق المسارات التي قد تسمح لرأس مال جديد أو فكرة جديدة أو فاعل جديد بالصعود.
فالرأسمالية لا تتجدد إلا عندما يستطيع الجديد أن ينافس القديم، والصغير أن يصبح كبيرًا، والتكنولوجيا الأكثر كفاءة أن تحل محل الأقل كفاءة. أما عندما يصبح النفوذ وسيلة لحماية المواقع القائمة، فإن آلية التجدد تتعطل: يصبح الاستثمار في حماية الموقع أكثر عقلانية من الاستثمار في تغييره، ويصبح النفوذ أكثر ربحية من المخاطرة، وإعادة إنتاج القوة أكثر أمانًا من خلق قيمة جديدة.
وهنا يبدأ التحول الأخطر: من رأسمالية تكتشف القيمة إلى رأسمالية تعيد إنتاج القوة.
وقد يستمر النمو ظاهريًا، لكن الاقتصاد يفقد تدريجيًا قدرته على إنتاج الجديد. وفي بلدان الجنوب، تصبح الكلفة أكبر: لأن ما يُحتكر ليس الثروة القائمة فقط، بل الفرص التي كان يمكن أن تنتج ثروة وطنية جديدة.
وعند هذه النقطة، لا تعود المسألة مجرد فساد أو محسوبية محلية؛ بل تصبح سؤالًا عن السيادة الاقتصادية وقدرة المجتمع على إنتاج مستقبله بعيدًا عن تحالفات المصالح التي تعيد توزيع الإمكانات قبل أن تتحول إلى قيمة.
رابعا: الذكاء الاصطناعي: حين يصبح الصراع على النفوذ صراعًا على إمكانات المستقبل
يأتي الذكاء الاصطناعي ليكشف مستوى أعمق من إشكالية رأسمالية المحسوبية؛ فهو لا يضيف قطاعًا تكنولوجيًا جديدًا إلى الاقتصاد، بل يعيد تشكيل شروط إنتاج القيمة وتوزيع القدرة على الابتكار والتنبؤ واتخاذ القرار. وفي الاقتصاد القادم لن تتحدد القوة بحجم رأس المال المالي وحده، بل بالوصول إلى البيانات، والحوسبة، والطاقة، والمواهب، والبنية الرقمية، والقدرة على تحويل المعرفة إلى قيمة.
لذلك يتغير السؤال الاستراتيجي من:
من يملك الذكاء الاصطناعي؟
إلى:
من يملك شروط الوصول إلى الإمكان الذي يفتحه؟
من يملك البيانات والحوسبة والمواهب؟ ومن يستطيع تحويلها إلى قيمة؟ ومن يملك القدرة على التأثير في القواعد التي تحدد من يصل إليها وبأي شروط؟
هنا تصبح رأسمالية المحسوبية أكثر خطورة؛ لأنها قد تنتقل من احتكار الثروة القائمة إلى التحكم في البنية التي تنتج ثروة المستقبل.
فإذا كانت المحسوبية التقليدية تمنح امتيازًا في العقود أو التراخيص أو التمويل، فإنها في اقتصاد الذكاء الاصطناعي قد تمنح امتيازًا في البيانات والحوسبة والطاقة والمواهب والأسواق والموارد البحثية، بل وفي صياغة القواعد التي تحدد المنافسة المقبلة.
وبذلك لا تعود المسألة مجرد توزيع غير عادل للفرص، بل تحديدًا مسبقًا لمن يملك فرصة صناعة الفرص القادمة.
وهنا يكمن التحول الاستراتيجي الحاسم: لا تحتاج شبكات النفوذ إلى امتلاك شركات المستقبل؛ يكفي أن تتحكم في شروط الدخول إليه. وعندما تنتقل السيطرة من نتائج المنافسة إلى هندسة شروطها، يتحول النفوذ إلى أصل اقتصادي، ويصبح الصراع صراعًا على توزيع الإمكان.
ومن هنا، نستنتج ما يلي:
أولًا: من احتكار الموارد إلى احتكار البوابات.
الخطر ليس فقط في السيطرة على البيانات أو التمويل أو الحوسبة، بل في السيطرة على بوابات الوصول إليها. ومن يملك البوابات يستطيع تحديد من يدخل المنافسة قبل أن تبدأ.
ثانيًا: من أسر الثروة إلى أسر المستقبل.
قد تعيد المحسوبية توزيع الثروة بصورة غير عادلة، لكن الأخطر أن تعيد توزيع القدرة على إنتاجها. وهنا تتحول من مشكلة عدالة إلى مشكلة في قدرة الاقتصاد على التجدد.
ثالثًا: عدم المساواة في المستقبل ستكون عدم مساواة في الوصول إلى الإمكان.
الفجوة الحاسمة لن تكون فقط بين من يملك المال ومن لا يملكه، بل بين من يستطيع الوصول إلى البيانات والحوسبة والمواهب والأسواق ومن يُحرم منها. وهكذا تتحول الفوارق الاقتصادية إلى فوارق في القدرة على خلق الفرص.
رابعًا: الدولة قد تنتقل من تنظيم المنافسة إلى حماية المواقع القائمة.
حين تؤثر المصالح القائمة في قواعد الذكاء الاصطناعي والبيانات والبنية الرقمية، قد تتحول الدولة من فتح السوق إلى حماية مراكز القوة. لذلك تصبح حيادية الدولة تجاه المستقبل شرطًا للتنمية، لا مجرد مسألة إدارية.
خامسًا: رأس المال البشري هو أول ما يتضرر.
حين يدرك الشباب والباحثون ورواد الأعمال أن الكفاءة وحدها لا تكفي، تتراجع المبادرة والمخاطرة، وتزداد هجرة المواهب. والخسارة هنا ليست في مشاريع محددة، بل في إمكانات وطنية لم تولد أصلًا.
سادسًا: الخطر أكبر على دول الجنوب.
عندما تتقاطع محدودية البيانات والحوسبة والمواهب مع شبكات النفوذ المحلية، قد تتحول التبعية التكنولوجية إلى تبعية اقتصادية وسياسية أطول أمدًا. وهنا قد تصبح المحسوبية المحلية حلقة وصل بين رأس المال العالمي والموارد الوطنية.
سابعًا: الصراع الدولي سيتحول من امتلاك التكنولوجيا إلى امتلاك قواعدها.
من يضع معايير البيانات والذكاء الاصطناعي ويحدد شروط الوصول إلى البنية والأسواق يستطيع التأثير في توزيع القيمة عالميًا. ولذلك تصبح السيادة على قواعد الذكاء الاصطناعي جزءًا من السيادة الاقتصادية والاستراتيجية.
ثامنًا: أخطر أشكال المحسوبية هو إغلاق المستقبل قبل ظهوره.
فإذا أصبحت شبكات النفوذ قادرة على تحديد من يحصل على التمويل والتجربة والوصول إلى السوق، فإنها لا تحمي مواقعها فقط، بل قد تمنع شركات وتقنيات وأفكارًا لم تظهر بعد من الظهور أصلًا.
ومن هنا فإن التحدي الاستراتيجي لا يقتصر على مكافحة الفساد، بل على حماية انفتاح منظومة إنتاج المستقبل: فتح الوصول إلى البيانات والحوسبة والتمويل والمواهب، ومنع تحويل النفوذ السياسي إلى احتكار اقتصادي، وضمان قدرة فاعلين جدد على دخول السوق ومنافسة المواقع القائمة.
فالقاعدة الاستراتيجية بسيطة:
لا يمكن بناء اقتصاد مستقبلي قوي إذا كانت بوابات المستقبل موزعة وفق علاقات الماضي.
ولهذا فإن معركة الذكاء الاصطناعي ليست معركة تكنولوجية فقط، بل معركة حول من يملك حق المشاركة في صناعة المستقبل.
ومن ثم يصبح السؤال الحاسم:
كم من الإمكانات الوطنية يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يحرر، ومن يملك القدرة على فتحها أو إغلاقها؟
وهنا تصبح مواجهة رأسمالية المحسوبية جزءًا من استراتيجية الأمن الاقتصادي والسيادة الوطنية والقدرة على صناعة المستقبل.
(*) أستاذ الدراسات المستقبلية والشؤون الدولية ورئيس مركز مكين للذكاء الاستراتيجي – الرباط.
