عندما تُعرض الذاكرة للبيع: هل تفقد غلاسكو جزءًا من تاريخها الثقافي؟

أرشيف مركز الفنون المعاصرة في غلاسكو مهدد بالتفكك بعد انهيار المؤسسة.. معركة تتجاوز الفن لتطرح سؤالًا خطيرًا: من يحمي ذاكرة المدن عندما تعجز المؤسسات عن حمايتها؟

غلاسكو – ماذا لو أمكن شراء ذاكرة مدينة في مزاد؟ وماذا لو تحولت الوثائق والصور والملصقات والكتب والتسجيلات التي تحفظ تاريخ الحركة الفنية إلى مجرد ممتلكات قابلة للبيع؟

هذا السؤال لم يعد افتراضيًا في غلاسكو. فقد أثارت أزمة مركز الفنون المعاصرة (CCA) قلقًا واسعًا بشأن مصير أرشيفه، بعد دخول المؤسسة في مسار التصفية المالية، وما رافق ذلك من بيع محتوياتها ومقتنياتها.

القضية تبدو في ظاهرها مرتبطة بمصير مؤسسة فنية واحدة، لكنها في العمق تكشف مأزقًا أكبر: ماذا يحدث للذاكرة الثقافية عندما تصطدم قيمتها التاريخية بمنطق السوق؟

مؤسسة تختزن ذاكرة أجيال

لم يكن مركز الفنون المعاصرة مجرد قاعة للمعارض في غلاسكو. فمنذ انتقاله إلى موقعه الحالي في شارع Sauchiehall Street عام 1992، تحول إلى أحد الفضاءات البارزة للفن والثقافة المعاصرة، فيما يعود تاريخ المكان نفسه إلى Third Eye Centre الذي لعب دورًا مؤثرًا في الحياة الثقافية للمدينة منذ سبعينيات القرن الماضي.

وخلال عقود، تراكمت داخل المؤسسة وثائق ومواد أرشيفية توثق معارض وفعاليات وتجارب فنية وموسيقية وفكرية، بما يجعلها مصدرًا مهمًا لفهم جانب من التاريخ الثقافي الحديث لغلاسكو واسكتلندا.

لكن الأزمة المالية قلبت المعادلة.

في يناير/كانون الثاني 2026 دخل المركز مرحلة التصفية، وفقد عشرات العاملين وظائفهم. ثم بدأت ممتلكات المؤسسة في الظهور ضمن مسار البيع، الأمر الذي أثار مخاوف من أن ينتهي جزء من ذاكرة المكان موزعًا بين مشترين لا علاقة لهم بالسياق الذي أنتج تلك المواد.

عندما يتحول الأرشيف إلى «ممتلكات»

هنا تحديدًا تكمن حساسية القضية.

فالأثاث يمكن استبداله، والمعدات يمكن شراؤها من جديد، وحتى بعض التجهيزات التقنية يمكن تعويضها. أما الوثيقة التي تحمل أثر معرض أو فنان أو نقاش ثقافي وقع قبل عقود، فلا يمكن استعادتها إذا اختفت.

لهذا أثارت حملة Save Our CCA مخاوف بشأن تفكيك محتويات المركز، خصوصًا بعدما عُرضت مجموعة من الممتلكات للبيع عبر الإنترنت.

المفارقة أن القيمة السوقية لهذه المواد قد تكون محدودة، بينما قيمتها التاريخية والبحثية قد تصبح أكبر بمرور الوقت.

فالوثيقة الثقافية لا تكتسب قيمتها فقط من مادتها، وإنما من السياق الذي تنتمي إليه.

وحين يتم تفكيك الأرشيف وتوزيع محتوياته على مشترين مختلفين، قد تضيع معه الروابط بين الوثائق والأحداث والأشخاص، أي أن ما يُفقد ليس الورق أو الصورة فحسب، بل السياق الذي يحولها إلى ذاكرة قابلة للقراءة.

الحكومة تتدخل لإنقاذ الذاكرة

أثارت القضية تحركًا سياسيًا وثقافيًا في اسكتلندا. وأكدت وزيرة الثقافة الاسكتلندية Màiri McAllan أن الأرشيف نفسه ليس جزءًا من المزاد، مع التأكيد على الرغبة في الحفاظ على أرشيف Third Eye Centre وCCA وإتاحته أمام الجمهور.

كما دخلت Creative Scotland في اتصالات مع جهات ثقافية محلية، من بينها Glasgow Life وThe Ballast Trust، لبحث مستقبل الأرشيف وضمان الحفاظ عليه داخل غلاسكو.

وهذه التطورات تعطي الأمل في إنقاذ الأرشيف، لكنها لا تلغي السؤال الذي فجّر الأزمة أصلًا:

لماذا لا تكون هناك آلية واضحة لحماية أرشيف المؤسسات الثقافية منذ اللحظة التي تواجه فيها خطر الإغلاق؟

من يملك الذاكرة الثقافية؟

قضية غلاسكو تضع أمام العالم الثقافي معضلة تتكرر في بلدان كثيرة.

فعندما تغلق مؤسسة فنية أو مسرح أو دار نشر أو مهرجانًا ثقافيًا أبوابه، ماذا يحدث للوثائق التي تراكمت داخله؟ هل تصبح تلقائيًا جزءًا من ممتلكاته القابلة للتصفية؟ أم أن بعضها يكتسب، بمرور الزمن، صفة مختلفة باعتباره جزءًا من الذاكرة العامة؟

القانون قد يتعامل مع الوثيقة بوصفها أصلًا ماديًا، لكن المؤرخ يراها مصدرًا، والباحث يراها معرفة، والفنان يراها جزءًا من تاريخ الحركة التي ينتمي إليها، والمدينة تراها جزءًا من هويتها.

وهنا يظهر الفرق بين ملكية الشيء وملكية الذاكرة.

قد تمتلك مؤسسة أرشيفها قانونيًا، لكن ذلك لا يعني أن قيمته الثقافية يمكن اختزالها في سعره عند البيع.

غلاسكو أمام اختبار أكبر من الفن

لهذا فإن ما يجري في غلاسكو يتجاوز مصير مركز للفنون المعاصرة.

إنه اختبار لفكرة أساسية: هل تستطيع المجتمعات حماية ذاكرتها الثقافية من تقلبات السوق؟

فالمدن لا تتذكر نفسها فقط من خلال مبانيها التاريخية وتماثيلها ومتاحفها، بل أيضًا من خلال الوثائق الصغيرة التي تبدو في لحظتها بلا قيمة: ملصق معرض، بطاقة دعوة، كتيب، تسجيل صوتي، صورة لفنان، رسالة، أو برنامج أمسية ثقافية.

بعد سنوات، قد تتحول هذه الأشياء إلى أدلة لا تقدر بثمن على مرحلة كاملة.

ولهذا فإن حماية الأرشيف الثقافي ينبغي ألا تكون إجراءً طارئًا بعد الإفلاس، بل جزءًا من السياسة الثقافية نفسها: تحديد مصير الأرشيف قبل الأزمات، وإنشاء آليات لنقله إلى مؤسسات عامة أو متخصصة، وضمان فهرسته وحفظه وإتاحته للباحثين.

السؤال الذي تتركه غلاسكو للعالم

ربما تكون أهم رسالة في أزمة CCA أن المؤسسات الثقافية يمكن أن تفشل ماليًا، لكن ذاكرتها لا ينبغي أن تفشل معها.

فإذا كانت الأسواق تستطيع تحديد سعر كرسي أو جهاز عرض أو قطعة أثاث، فإنها عاجزة عن تحديد القيمة الحقيقية لوثيقة تحفظ لحظة من تاريخ مدينة.

وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا:

عندما تتعثر المؤسسة التي تحفظ الذاكرة، من يتولى حمايتها؟

غلاسكو تبحث عن إجابة. وما ستقرره بشأن أرشيف CCA قد لا يهم الفنانين والمؤرخين الاسكتلنديين وحدهم، بل كل مدينة تخشى أن يتحول تاريخها الثقافي، يومًا ما، إلى مجموعة من القطع المعروضة للبيع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى