من أزمة السويس إلى احتمال استنزاف الخليج: هل تعيد الحرب ضد إيران رسم نهاية الهيمنة الأمريكية؟

السؤال الجوهري: كيف يمكن للهيمنة أن تصمد عندما تتحول الحرب من لحظة حسم إلى زمن ممتد

بقلم: د. محمد السنوسي (*)..

في التاريخ، نادرًا ما تنهار الهيمنات الكبرى بضربة قاضية؛ فهي تتآكل تدريجيًا تحت ضغط الاستنزاف، إلى أن تنبثق لحظة كاشفة تُعلن ما كان يتشكل بصمت. هذه اللحظة لا تُنشئ الانهيار بقدر ما تكشفه، ولا تُنهي القوة بقدر ما تُعرّي حدودها.

هكذا تجلّى الأمر في أزمة السويس سنة 1956، حين أقدم جمال عبد الناصر على تأميم قناة السويس في 26 يوليو، ما دفع المملكة المتحدة وفرنسا، بالتنسيق مع إسرائيل، إلى شنّ تدخل عسكري ضد مصر. غير أن ما بدا في ظاهره مواجهة عسكرية، انتهى إلى ما هو أعمق: لم تكن الهزيمة ميدانية صريحة، بل انكشافًا مفاجئًا لعجز قوة إمبراطورية عن الاستمرار في فرض إرادتها داخل سياق دولي تغيّرت قواعده ولم يعد يحتمل أدواتها التقليدية.

لقد مثّلت السويس، في جوهرها، لحظة انتقال حاسمة: من وهم القدرة إلى واقع التراجع، ومن منطق السيطرة إلى منطق الكلفة التي لم تعد قابلة للاحتواء.

إن استعادة هذه اللحظة لا تندرج في باب الاستدعاء التاريخي فحسب، بل في محاولة لفهم منطق التحولات الكبرى: كيف تتآكل الهيمنة قبل أن تسقط؟ وكيف تتحول الحروب من أدوات لإعادة تثبيت القوة إلى مسارات تُسرّع انكشافها؟ فالتاريخ، في هذا المستوى، لا يعيد نفسه، بل يعيد إنتاج آلياته بأشكال مختلفة، حيث تصبح لحظة الكشف نتيجة تراكمات خفية من الاستنزاف السياسي والاقتصادي والاستراتيجي.

اليوم، وفي ظل التوترات المتصاعدة في الخليج، يعود هذا السؤال بصيغة أكثر تعقيدًا وحدة: هل يمكن لصراع مفتوح مع إيران—إذا ما انزلق إلى حرب استنزاف طويلة—أن يُنتج لحظة كشف مشابهة، لا بالمعنى الحرفي، بل بالمنطق ذاته؟ أي لحظة تتجاوز الحدث العسكري لتلامس بنية الهيمنة نفسها، فتضعها أمام اختبار الكلفة والاستمرارية والقدرة على إعادة إنتاج النفوذ.

غير أن ما يجعل هذا الافتراض أكثر تركيبًا هو اختلاف السياق الدولي؛ فالعالم لم يعد محكومًا بثنائية صلبة كما كان زمن السويس، بل بتعدد في مراكز القوة وتداخل في المصالح، حيث لا تبقى الحروب محصورة في أطرافها المباشرة. ذلك أن أي انزلاق نحو استنزاف طويل في الخليج قد لا يضعف طرفًا واحدًا فقط، بل يفتح المجال أمام قوى كبرى مثل الصين وروسيا لإعادة التموضع، ليس من موقع المتفرج، بل كفاعل يسعى إلى توظيف لحظة الإنهاك لإعادة تشكيل توازنات النظام الدولي.

من هنا، لا تبدو المسألة مجرد حرب محتملة، بل اختبارًا تاريخيًا عميقًا: اختبار لقدرة الولايات المتحدة على الصمود في وجه منطق الاستنزاف، واختبار لمدى صلابة النظام الدولي الذي تشكّل بعد الحرب الباردة. فإما أن تثبت هذه الهيمنة قدرتها على امتصاص الصدمات وإعادة إنتاج ذاتها، أو أن تجد نفسها—كما حدث في لحظات سابقة من التاريخ—داخل مسار تآكل بطيء، لا تعلنه الهزائم المباشرة، بل تكشفه لحظة مفصلية واحدة.

السويس 1956: كيف تسقط الهيمنة دون هزيمة عسكرية مباشرة

لم تكن أزمة السويس حدثًا عابرًا في تاريخ العلاقات الدولية، بل شكلت نموذجًا كثيف الدلالة لكيفية انهيار الهيمنة من داخلها، لا تحت ضربات الخصوم فقط. فبريطانيا، التي دخلت الأزمة وهي لا تزال تتصرف بمنطق القوة الإمبراطورية، لم تُهزم عسكريًا في الميدان بقدر ما وُضعت أمام معادلة جديدة: كلفة الاستمرار في فرض الإرادة أصبحت أعلى من القدرة على تحمّلها سياسيًا واقتصاديًا واستراتيجيًا. هنا، لم يعد السؤال متعلقًا بإمكانية تحقيق النصر، بل بجدوى هذا النصر ذاته في سياق دولي تغيّرت قواعده.

ما كشفته السويس، في عمقها، هو انفصال متزايد بين “تصور القوة” و“واقعها الفعلي”. فقد استمرت النخبة البريطانية في التفكير ضمن أفق إمبراطوري تقليدي، بينما كان النظام الدولي قد بدأ يتحول نحو توازنات جديدة، تتصدرها الولايات المتحدة وتفرض فيها الاتحاد السوفيتي منطقًا مغايرًا لإدارة الصراع. وعندما تلاقت إرادة القوتين العظميين على رفض المغامرة البريطانية، لم يكن ذلك مجرد ضغط ظرفي، بل تعبيرًا عن انتقال مركز الثقل في النظام الدولي، بحيث لم يعد يُسمح لقوة متراجعة أن تتحرك خارج هذا التوازن الجديد.

بهذا المعنى، مثلت أزمة السويس شرارة البداية للحظة كشف الهزيمة، أعقبتها لحظة أعمق يمكن تسميتها بـ نزع شرعية الهيمنة. فقدت بريطانيا خلال تلك الأزمة ليس مجرد القدرة على ممارسة النفوذ الفعلي، بل كذلك الاعتراف الضمني بمكانتها كقوة قائدة في النظام الدولي. لم يكن الانسحاب البريطاني نتيجة هزيمة عسكرية مباشرة فقط، بل كان انعكاسًا لإدراك متأخر أن شروط استمرار الهيمنة قد تغيرت جذريًا. هنا يظهر جانب جوهري في فهم القوة: فالهيمنة لا تُقاس بالتفوق العسكري أو الاقتصادي وحده، بل بقدرة القوة على تحويل تفوقها إلى نفوذ مقبول وفعّال من قبل الآخرين. وعندما تفقد القوة هذا الشرط، يتحول تفوقها التدريجي إلى عبء على ذاتها، ويصبح استمرار الهيمنة أكثر تكلفة من التنازل عنها، فتبدأ لحظة التحول التاريخي التي تعيد رسم موازين القوى.

من هنا، يمكن قراءة السويس كنموذج تحليلي يتجاوز سياقها الزمني: لحظة تتقاطع فيها ثلاثة عناصر حاسمة—استنزاف متراكم، وضغط دولي معارض، وعجز عن التكيّف مع تحولات النظام—لتنتج ما يمكن تسميته بـ“الانهيار الصامت للهيمنة”. وهي لحظة لا تُعلن نفسها كقَطع مفاجئ، بل كتحول نوعي في بنية القوة، حيث تستمر الدولة في امتلاك أدوات القوة، لكنها تفقد تدريجيًا القدرة على استخدامها بفعالية أو شرعية.

بهذا المنظور، لا تبدو أزمة السويس مجرد واقعة تاريخية عابرة، بل تتحول إلى عدسة تحليلية لفهم الكيفية التي تنتهي بها الهيمنات: ليس حين تُهزم عسكريًا، بل عندما تُطوَّق بمنطق كلفة لم تعد محتملة، ويحيط بها نظام دولي لم يعد يعترف بمركزيتها، ويضغط عليها زمن جديد يفرض عليها أدوارًا لم تعد قادرة على الاضطلاع بها.

فماذا يعني ذلك اليوم بالنسبة إلى الولايات المتحدة؟

الهيمنة الأمريكية اليوم: قوة مختلفة أم هشاشة مؤجلة؟

إذا كانت أزمة السويس قد كشفت حدود الهيمنة البريطانية في سياقها التاريخي، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل تمثل الهيمنة الأمريكية حالة مختلفة نوعيًا، أم أنها تحمل في بنيتها عناصر هشاشة مؤجلة لم تُختبر بعد؟ فـالولايات المتحدة لا تمارس نفوذها وفق النموذج الإمبراطوري التقليدي، بل عبر منظومة مركبة من أدوات القوة المتداخلة، تجعل من هيمنتها أكثر انتشارًا وأقل وضوحًا في آن واحد.

على المستوى العسكري، تقوم هذه الهيمنة على شبكة واسعة من القواعد والانتشار الاستراتيجي الذي يمنحها قدرة على التدخل السريع وإعادة التموضع عبر مناطق متعددة من العالم، بما في ذلك الفضاءات الأكثر حساسية جيوسياسيًا. غير أن هذه القوة، رغم امتدادها، تحمل في داخلها مفارقة أساسية: فكلما اتسع الانتشار، تضاعفت كلفة الحفاظ عليه، وتحول من عنصر تفوق إلى مصدر استنزاف محتمل، خاصة في حال الانخراط في صراعات طويلة غير محسومة.

أما على المستوى الاقتصادي، فتستند الهيمنة الأمريكية إلى موقع مركزي داخل النظام المالي العالمي، حيث يشكل الدولار أداة نفوذ تتجاوز الاقتصاد إلى السياسة. لكن هذا الامتياز ذاته قد يتحول إلى نقطة اختبار في حال تعرضت هذه المنظومة لضغوط متراكمة، سواء بفعل أزمات ممتدة أو بمحاولات قوى صاعدة لإعادة تشكيل قواعد اللعبة المالية الدولية، كما تسعى إلى ذلك قوى مثل الصين. فالقوة الاقتصادية، حين تصبح مفرطة في الترابط، قد تتحول من مصدر صلابة إلى قناة لانتقال الأزمات وتسريع آثارها.

على مستوى التحالفات، تعتمد الولايات المتحدة على شبكة معقدة من الشراكات الاستراتيجية تمنحها عمقًا جيوسياسيًا وتوزع عبء النفوذ عبر حلفاء متعددين، من دول الخليج إلى حلف شمال الأطلسي وأوروبا الغربية. هذه الشبكة، التي تبدو في ظاهرها عنصر قوة ومرونة، قد تكشف عن هشاشتها في لحظات الاختبار، خاصة عندما ترتفع كلفة الصراع أو تتباين مصالح وأولويات الأطراف المنخرطة فيه. فالحلفاء ليسوا امتدادًا مطلقًا للإرادة الأمريكية، بل فاعلون مستقلون تحكمهم حساباتهم الخاصة ومصالحهم الوطنية المباشرة.

وتظهر المفارقة بوضوح عند النظر إلى دول الخليج، التي قد تجد نفسها، دون استشارة كافية، مُجبرة على الانخراط في صراع مع جار إقليمي. بعض هذه الدول بدأ يُدرك تدريجيًا أنها قد تكونت كحطب لهذه الحرب، حيث تُستثمر موارده ومواقعه في خدمة أهداف استراتيجية أمريكية ربما لا تتوافق بالكامل مع مصالحه الوطنية.

على الجانب الآخر، بدا الأوروبيون أكثر تحفظًا، حيث تجنّب العديد منهم المشاركة المباشرة، وتملّصت مؤسسات مثل حلف الناتو من الانخراط في هذا الصراع، رافضة أي التزام عسكري مباشر. هذه المواقف تكشف عن محدودية النفوذ الأمريكي في تحويل شبكة تحالفاته إلى قوة موحدة في مواجهة تحديات كبرى، وتعكس في الوقت نفسه هشاشة استراتيجية محتملة قد تؤثر على قدرة الولايات المتحدة على إدارة صراع طويل الأمد في منطقة حساسة مثل الخليج

من هنا، تبدو الهيمنة الأمريكية كمنظومة قوة مركبة، تجمع بين عناصر الصلابة والتعرض في آن واحد. فهي ليست هشة بالمعنى التقليدي، لكنها ليست محصنة ضد منطق الاستنزاف أيضًا. بل لعل تعقيدها ذاته—وما ينطوي عليه من تشابك بين العسكري والاقتصادي والتحالفي—يجعلها أكثر عرضة لاختبارات طويلة الأمد، حيث لا تظهر حدود القوة في لحظة صدمة واحدة، بل عبر تراكم تدريجي للضغوط التي تعيد تعريف ما هو ممكن وما هو قابل للاستمرار.

في هذا الإطار، يصبح السؤال النقدي أكثر حدة: هل تمكّن هذه البنية المركبة الولايات المتحدة من امتصاص صدمات الحروب الممتدة وإعادة إنتاج هيمنتها، أم أن تعقيدها ذاته قد يجعلها أكثر عرضة للتآكل الصامت، حيث يتحول الانتشار إلى عبء، والترابط إلى هشاشة، والتحالفات إلى فضاء لإعادة التوازن بدل تكريس السيطرة؟

الحرب على إيران: من الضربة إلى الاستنزاف

إذا كانت الحروب غالبًا تُقاس بنتائجها المباشرة، فإن فهمها الاستراتيجي يكمن في مساراتها الزمنية وتداعياتها المتراكمة، لا في اللحظة الأولى لانفجارها العسكري. في سياق الحرب الفعلية ضد إيران، وعلى الرغم من الضربة السريعة التي وجهت للسيطرة المباشرة، بدأت بوادر حرب استنزاف تدريجية تتكشف مع تطور المواجهة، ما يفتح نافذة لفهم التحولات الأعمق التي قد تنجم عنها. فالفرق بين الحرب القصيرة والحرب الاستنزافية ليس مجرد طول الزمن، بل تغيير في طبيعة القوة والمعادلات الاستراتيجية.

الحرب السريعة، مهما بلغت شدتها، تبقى قابلة للاحتواء ضمن إطار زمني محدد، إذ تنتهي قبل أن تعيد تشكيل قواعد اللعبة الاستراتيجية. في هذا السيناريو، تحتفظ الولايات المتحدة بقدرتها على ضبط إيقاع الصراع، مستفيدة من تفوقها العسكري والتقني، ومن قدرتها على فرض معادلات ردع حاسمة في زمن محدود. إلا أن هذا السيناريو يرتبط بشرط أساسي نادر التحقيق: أن يبقى الصراع محكومًا بإطار استراتيجي واضح، وهو أمر صعب التحقق في بيئة الخليج المعقدة، حيث تتشابك الجغرافيا مع العقائد العسكرية، وتتداخل المصالح الإقليمية مع الحسابات الدولية.

مع دخول إسرائيل كفاعل مُربِك ومُزعزع لتوازن المعادلة، يزداد المشهد تعقيدًا. فالأهداف الأمنية الإسرائيلية لا تتطابق مع أولويات الولايات المتحدة؛ إذ تميل تل أبيب إلى استهداف إيران بشكل مباشر لتقليص قدراتها العسكرية، ولا سيما النووية، مع سعي ضمني إلى تعميق التوتر بينها وبين محيطها العربي، في حين تركز واشنطن على إدارة شبكة تحالفاتها والحفاظ على توازن نفوذها الإقليمي.

هذا التباين في الأهداف لا يبقى دون كلفة، بل قد يدفع الولايات المتحدة إلى انخراط أعمق مما تخطط له، حيث تجد نفسها مضطرة لتحمل تداعيات عمليات إسرائيلية قد تتجاوز منطق الضربة المحدودة. وعند هذه النقطة، لا يعود مسار الحرب خاضعًا للتحكم، بل ينزلق تدريجيًا من صراع قصير قابل للاحتواء إلى حرب استنزاف مفتوحة يصعب ضبط إيقاعها أو مآلاتها.

في هذا السياق، يظل العامل الجغرافي—وخاصة نقاط الاختناق الاستراتيجية مثل مضيق هرمز—عنصرًا حاسمًا في تحديد مسار الصراع. فأي اضطراب مستمر في حركة الملاحة لا يقتصر أثره على إيران وحدها، بل يمتد ليعيد توزيع الأعباء على مجمل النظام الدولي.

غير أن التحول الأخطر يظهر مع استهداف إسرائيل للبنى التحتية الحيوية، وهو ما ينقل الصراع من مواجهة محدودة إلى منطق إضعاف شامل لقدرات دول المنطقة. هذا النمط من الاستهداف لا يسرّع فقط الانزلاق نحو حرب استنزاف بدل حرب سريعة، بل يضاعف من احتمالات اضطراب إنتاج وتصدير الطاقة، بما ينعكس مباشرة على أسواق النفط العالمية، خصوصًا في ظل حساسية الممرات البحرية الحيوية. وهنا، يبرز خطر تحول التوتر الإقليمي إلى أزمة طاقة دولية تستدعي انخراط قوى كبرى إضافية في إدارة الصراع.

في هذه الحالة، تجد الولايات المتحدة نفسها في موقع تحمّل تداعيات هذا التوسع، ليس فقط عسكريًا، بل ضمن شبكة معقدة من الالتزامات الدولية. كما يتخذ الاستنزاف أبعادًا مركبة، اقتصادية وسياسية، حيث تتراكم الكلفة عبر الحفاظ على الانتشار العسكري، وإدارة تماسك الحلفاء، وضمان استقرار أسواق الطاقة الحيوية.

في هذا الإطار، تتغير معايير القوة نفسها: لم يعد التفوق يقاس بقدرة الضرب المباشر، بل بالقدرة على الصمود أمام الزمن، وهو ما تتحكم فيه إيران بشكل غير مباشر. وهكذا لم يعد الحسم رهين التفوق اللحظي، بل بقدرة الأطراف على تحمل امتداد الحرب وتبعاتها المستمرة. والمفارقة الاستراتيجية تكمن في أن التورط الإسرائيلي، بأهداف مختلفة عن الأمريكية، يزيد من تكلفة الصراع على الولايات المتحدة، ويحوّل الحرب المحتملة من مواجهة قصيرة إلى اختبار طويل لقوة التحالف الأمريكي وقدرته على امتصاص الاستنزاف.

من هذا المنظور، الخطر الحقيقي ليس اندلاع الحرب، بل فقدان السيطرة على مسارها. فالحروب القصيرة قد تؤكد الهيمنة وتجدد النفوذ، أما الحروب الطويلة، خصوصًا حين تتداخل مصالح متعددة وتدخل لاعبين مثل إسرائيل، فتميل إلى تفكيك القوة ببطء، ليس عبر هزيمة مباشرة، بل عبر إنهاك مستمر يعيد تعريف حدود القوة وإمكاناتها، ويطرح السؤال: من يملك القدرة على التحمل الأطول ومن يمكنه الانسحاب قبل أن تتحول الكلفة إلى عبء لا يُحتمل.

إلى جانب الدور الإسرائيلي، تشكّل تحالفات الولايات المتحدة الإقليمية والدولية عاملًا مركبًا في مسار الحرب ضد إيران، وقد تتحوّل هذه التحالفات إلى عامل يسرّع تحول الصراع إلى حرب استنزاف. فالحلفاء الخليجيون، رغم الدعم الظاهر، يواجهون معضلة استراتيجية عميقة: فهم قد يجدون أنفسهم ملتزمين بقرارات لم يشاركوا في صياغتها بالكامل، ولم يُستشاروا في إعلانها، كما ظهر جليًا في ردود الفعل على التهديد الإيراني. بعض هؤلاء الحلفاء بدأوا يشعرون أنهم أصبحوا كحطب يُقدّم لصراع لا يخدم مصالحهم المباشرة.

هذا التوتر الداخلي داخل التحالف يزيد من صعوبة إدارة الولايات المتحدة للصراع، إذ لا يمكن الاعتماد على انسجام تام بين الأطراف المشاركة. ونتيجة لذلك، ترتفع كلفة الحفاظ على التحالف المتماسك، ويصبح أي امتداد للصراع العسكري أكثر استنزافًا وتعقيدًا، إذ تتضاعف المسؤوليات بين إدارة العمليات المباشرة، وضبط مصالح الحلفاء، وموازنة التداعيات الإقليمية والدولية.

أما على المستوى الأوروبي، فتبدو الصورة أكثر وضوحًا في التباين في المواقف الاستراتيجية. غالبية القوى الأوروبية، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي ومنظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، تتخذ موقفًا يحاول التنصل من المشاركة المباشرة، ما يعكس رغبة في تجنب الانجرار إلى صراع بعيد عن مصالحها المباشرة. هذا الانسحاب الجزئي أو التباين في الالتزام يعني أن الولايات المتحدة تتحمل وحدها، أو بشكل شبه كامل، أعباء العمليات العسكرية والاستراتيجية، ويزيد من طول أمد الصراع وتراكم كلفته الاقتصادية والسياسية.

وهكذا، فإن تعدد مصالح الحلفاء وتباين أولوياتهم قد يحوّل الحرب من أداة سريعة للحسم إلى فضاء استنزاف ممتد، حيث تصبح إدارة الوقت والتكاليف والتحالفات نفسها جزءًا من المعركة. فكل لحظة تمدد فيها الصراع دون توافق كامل داخل التحالف تزيد من الضغوط على الولايات المتحدة، وتفتح المجال أمام أطراف خارجية كبرى، مثل روسيا والصين، لإعادة التموضع واستغلال الفجوات التي يخلقها هذا التباين في التحالفات، بما يعزز احتمال تحول الصراع إلى اختبار طويل للهيمنة الأمريكية.

من هذا المنظور، يصبح استقرار التحالفات ومواءمة المصالح عاملًا استراتيجيًا أساسيًا في مسار الحرب. فغياب الانسجام بين الحلفاء، أو اختلاف أهدافهم الاستراتيجية، لا يؤدي فقط إلى تضخيم كلفة العمليات، بل يجعل من الولايات المتحدة أكثر عرضة للإرهاق والتآكل التدريجي، مما يقترب من منطق حرب استنزاف طويلة تُعيد رسم موازين القوة الدولية كما فعلت السويس سابقًا بالنسبة للبريطانيين.

العامل الحاسم: دخول القوى الكبرى على خط التموقع

في أي حرب استنزاف طويلة، لا يبقى الصراع حبيس ثنائية الأطراف، بل يتحول تدريجيًا إلى فضاء جيوسياسي مفتوح، تتداخل فيه حسابات القوى الكبرى، وتُعاد صياغة التوازنات وفق منطق استثمار اللحظة لا مجرد التفاعل معها. فكلما طال أمد الحرب، تراجعت القدرة على احتكار مسارها، وبدأت قوى أخرى في التموضع داخل فجوات الاستنزاف، ليس فقط لتعظيم مصالحها، بل لتسريع التحول في بنية النظام الدولي.

في هذا السياق، لا تبدو الصين مجرد مراقب حذر، بل فاعل اقتصادي-استراتيجي يعيد قراءة المشهد بمنطق الفرص. فبكين، التي ترتكز قوتها على شبكات الطاقة والتجارة والاستثمار، تمتلك قدرة عالية على تحويل الاضطراب إلى نفوذ. في ظل استنزاف أمريكي طويل في الخليج، يمكن للصين أن تستثمر تقلبات أسواق النفط لتعزيز موقعها كمستورد رئيسي ومفاوض قوي، وأن تعيد توجيه مسارات الطاقة والتجارة عبر مبادرات بديلة، بما يقلل من مركزية المسارات التقليدية المرتبطة بالنفوذ الأمريكي. كما تستطيع، من خلال استثماراتها في البنى التحتية والموانئ، أن تقدم لدول المنطقة بدائل اقتصادية وتنموية تخفف من كلفة الاضطراب، وتمنح هذه الدول هامشًا أوسع للمناورة خارج الضغط الأمريكي المباشر.

أما روسيا، فتعتمد مقاربة مختلفة، لكنها لا تقل تأثيرًا من حيث النتائج. فموسكو لا تحتاج إلى الانخراط العسكري المباشر بقدر ما تستثمر في إرباك التوازنات الاستراتيجية. من خلال أدوات مثل الضغط السياسي، وتفعيل علاقاتها مع قوى إقليمية، وإعادة تحريك ملفات التسلح والطاقة، يمكن لروسيا أن تُضعف قدرة الولايات المتحدة على ضبط إيقاع الصراع. كما أن حضورها في أسواق الطاقة يمنحها قدرة على التأثير في الأسعار والتدفقات، بما يزيد من تعقيد البيئة الاقتصادية للحرب ويضاعف كلفتها على واشنطن.

غير أن الأهم في هذا المشهد ليس فقط ما تفعله كل من الصين وروسيا على حدة، بل التأثير التراكمي لتحركاتهما في تسريع التحول الدولي. فكل خطوة لتوسيع البدائل الاقتصادية أو الاستراتيجية تعني عمليًا تقليص الحاجة إلى الاعتماد على النظام الذي تقوده الولايات المتحدة. ومع مرور الوقت، لا يقتصر الأمر على إضعاف طرف في الصراع، بل يتطور إلى إعادة توزيع مراكز القوة، حيث تبدأ الدول الإقليمية نفسها في البحث عن توازنات جديدة، أقل كلفة وأكثر تنوعًا.

من هذا المنظور، لا يُفهم الاستنزاف فقط كعملية إنهاك لطرف معين، بل كآلية تُنتج فراغًا نسبيًا سرعان ما يُملأ ببدائل. الصين تقدم بديلاً اقتصاديًا يخفف الضغط ويعيد تشكيل مسارات الاعتماد، وروسيا تقدم بديلاً استراتيجيًا يُربك الهيمنة ويكسر احتكار القرار. وبين هذا وذاك، يتحول الإقليم من ساحة صراع إلى مختبر لإعادة تشكيل النظام الدولي، حيث لا تكون النتيجة الحاسمة انتصار طرف، بل نشوء توازن جديد يحد من القدرة على الانفراد بالهيمنة.

من الهيمنة إلى التآكل: متى تبدأ النهاية؟

تاريخيًا، لا تسقط الهيمنات الكبرى عبر انفجار مفاجئ أو هزيمة صادمة، بل تبدأ نهايتها في الغالب من داخلها، عبر مسار بطيء من الاستنزاف الصامت الذي يحوّل عناصر القوة الظاهرة إلى مواطن هشاشة كامنة. فالقوة، حين تبلغ ذروتها، لا تنهار دفعة واحدة، بل تتآكل تدريجيًا تحت ضغط الكلفة، وتآكل الشرعية، وتزايد المنافسة. ومن هنا يمكن رصد مجموعة من المؤشرات العميقة التي تشكّل ملامح هذا التآكل:

أول هذه المؤشرات هو اختلال معادلة الكلفة والعائد. فعندما تصبح كلفة الحفاظ على النفوذ—اقتصاديًا وعسكريًا وسياسيًا—أعلى من المكاسب المحققة، تدخل الهيمنة في مرحلة حرجة. لم يعد الأمر يتعلق فقط بحجم الموارد المستنزفة، بل بقدرة الدولة المهيمنة على تبرير هذا الاستنزاف داخليًا وخارجيًا. فكلما اتسعت الفجوة بين ما يُنفق وما يُحقق، تحوّلت القوة من مصدر نفوذ إلى عبء استراتيجي يثقل الفاعل نفسه.

المؤشر الثاني يتمثل في التراجع التدريجي للقدرة على فرض الإرادة. الهيمنة، في جوهرها، ليست مجرد تفوق مادي، بل قدرة على تحويل هذا التفوق إلى سياسات نافذة وتحالفات مستقرة. وعندما تبدأ هذه القدرة في التآكل—سواء عبر مقاومة إقليمية متزايدة، أو عبر تردد الحلفاء، أو عبر عجز عن فرض قواعد اللعبة—فإن ذلك يعني أن النفوذ لم يعد يُمارس بنفس الفاعلية، وأن القوة بدأت تفقد قابليتها للتحول إلى تأثير فعلي.

أما المؤشر الثالث، فيتجلى في صعود بدائل دولية قادرة على ملء الفراغ أو تقليص الاعتماد على القوة المهيمنة. فظهور قوى صاعدة لا يعني فقط التنافس، بل تقديم خيارات بديلة للدول والفاعلين: بدائل اقتصادية، أو أمنية، أو حتى رمزية. ومع تراكم هذه البدائل، تتآكل مركزية الهيمنة تدريجيًا، إذ لم يعد الفاعلون مضطرين للتموقع ضمن دائرة واحدة، بل أصبح بإمكانهم تنويع شراكاتهم وإعادة توزيع رهاناتهم.

عند ربط هذه المؤشرات بالتجربة التاريخية لأزمة السويس، تتضح دلالة حاسمة: اللحظة المفصلية في مسار الهيمنة ليست الهزيمة العسكرية في حد ذاتها، بل فقدان القدرة على الاستمرار في فرض النفوذ. فقد كشفت أزمة السويس، أكثر مما صنعت، عن واقع كان يتشكل بصمت: عجز بريطانيا عن تحمّل كلفة دورها الإمبراطوري، وتآكل قدرتها على فرض إرادتها في بيئة دولية متغيرة. لم تكن الهزيمة عسكرية بقدر ما كانت انكشافًا استراتيجيًا لنهاية مرحلة.

من هذا المنظور، يصبح الاستنزاف طويل الأمد آلية تفكيك بطيئة لكنها عميقة. فهو لا يضعف القوة المهيمنة فقط، بل يعرّي حدود نموذجها الاستراتيجي، ويكشف مدى قدرتها على التكيف مع التحولات. وفي حالة الولايات المتحدة، في سياق حرب طويلة في الخليج، لا يتعلق الأمر فقط بكلفة المواجهة، بل بقدرتها على إدارة زمن الصراع دون أن يتحول إلى عبء دائم.

وهنا يبرز السؤال الجوهري: كيف يمكن للهيمنة أن تصمد عندما تتحول الحرب من لحظة حسم إلى زمن ممتد، ومن تعبير عن القوة إلى اختبار لقدرتها على التحمل؟ في هذه اللحظة تحديدًا، لا يكون التحدي في الانتصار، بل في تفادي التآكل… لأن النهاية، في منطق التاريخ، لا تبدأ بالسقوط، بل بالعجز عن الاستمرار.

خلاصة استشرافية: نهاية قوية

يشير التحليل الاستراتيجي إلى أن حربًا واحدة، مهما بلغت حدتها، قد لا تكون كافية بمفردها لإعادة رسم معالم الهيمنة الأمريكية بشكل مباشر أو فوري. فالقوة الأمريكية اليوم ليست أحادية البعد، بل بنية مركبة متعددة المستويات: تفوق عسكري واسع الانتشار، ونفوذ اقتصادي يقوم على مركزية النظام المالي العالمي، إضافة إلى شبكة تحالفات ممتدة تمنحها عمقًا جيوسياسيًا يصعب تقويضه دفعة واحدة. لذلك، فإن تصور انهيار سريع لهذه الهيمنة يبدو أمرًا بعيد الاحتمال في المدى القريب.

غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في لحظة المواجهة نفسها، بل فيما قد تفتحه من مسار استنزاف طويل. فالصراعات الممتدة لا تستنزف الموارد العسكرية والاقتصادية فحسب، بل تُربك بنية التحالفات، وتخلق فراغات استراتيجية تسمح لقوى أخرى بالتموضع وإعادة ترتيب موازين النفوذ. وفي مثل هذا السياق، لا يكون التحول نتيجة هزيمة مباشرة، بل نتيجة تآكل تدريجي في القدرة على إدارة النظام الدولي.

وفي حال امتداد الصراع في الخليج وتحوله إلى حرب استنزاف مفتوحة، قد تتحول هذه اللحظة إلى مسرّع تاريخي لتحول أوسع في بنية النظام الدولي، حيث يتراجع نمط الهيمنة الأحادية تدريجيًا لصالح توازن أكثر تعددية. في مثل هذا المشهد، تتقدم قوى مثل الصين وروسيا، إلى جانب قوى صاعدة أخرى، لتوسيع هامش حضورها وتأثيرها، ليس بالضرورة عبر المواجهة المباشرة، بل عبر ملء الفراغات الاقتصادية والاستراتيجية التي يتركها الاستنزاف الطويل.

من هنا، لا تبدو الحرب مجرد حدث عابر في مسار العلاقات الدولية، بل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الولايات المتحدة على امتصاص الصدمات وإعادة ترتيب أولوياتها الاستراتيجية. فالحروب القصيرة قد تعيد تثبيت النفوذ، أما الحروب الطويلة فغالبًا ما تكشف حدود القوة عندما تواجه اختبار الزمن. ومع مرور الوقت، قد يتحول الاستنزاف المستمر إلى عامل يكشف هشاشة الهيمنة أمام ضغط المدى الطويل، ويعيد طرح السؤال حول قدرة واشنطن على الاستمرار في فرض إرادتها دون منافس حقيقي.

وفي هذا السياق، يظل التاريخ مصدرًا غنيًا للدروس. فهو لا يعيد نفسه حرفيًا، لكنه يعيد منطق التحولات الكبرى. فالقوى التي تخطئ قراءة الجغرافيا، أو تستهين بتعقيدات التوازنات الاستراتيجية، أو تسمح لنفسها بأن تُدفع إلى صراعات تتجاوز حساباتها الأصلية—كما قد يحدث حين تتقاطع أهداف الحلفاء، كما في حالة الدور الإسرائيلي في دفع الولايات المتحدة إلى هذه الحرب—قد تجد نفسها فجأة أمام لحظة تاريخية فاصلة. لحظة تشبه في دلالتها لحظة السويس: لحظة كشف، ولحظة اختبار، ولحظة تحوّل تتبلور فيها ملامح عالم جديد… بينما يكون التغير الحقيقي قد بدأ يتشكل بصمت في الخلفية.

. (*) أستاذ الدراسات المستقبلية والشؤون الدولية ورئيس مركز مكين للذكاء الاستراتيجي – الرباط

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى