في ترجمته الفرنسية لكتاب “المسألة اليهودية في عصر الطوفان “.. مصطفى الطالب يوضح أهمية هذه الترجمة بالنسبة للقارئ الفرانكفوني

سعي للمحافظة على الصرامة الأكاديمية وضمان وضوح النص للقارئ الفرنكفوني

صحيفة لبيب.. يطمح الكتاب، في نسخته المترجمة، إلى الإسهام في توسيع دائرة النقاش حول المسألة اليهودية والقضية الفلسطينية من خلال طرح يستند إلى الوثيقة والتحليل التاريخي، بعيدًا عن الاختزال الأيديولوجي. إنه عمل يسعى إلى مساءلة المسلّمات، وفتح أفق لحوار فكري قائم على الوقائع والقراءة النقدية، في زمن تتنازع فيه السرديات وتحتدم فيه التأويلات.

يقدّم كتاب المسألة اليهودية في عصر الطوفان للدكتور الحبيب الشوباني دراسة تحليلية معمّقة لتطور ما يُعرف بـ «المسألة اليهودية» منذ نشأتها التاريخية حتى قيام الدولة الإسرائيلية، مستندًا إلى رصيد وثائقي واسع يمتد على قرابة ألف عام، من العصور الوسطى إلى الإبادة الأخيرة في غزة.

يعتمد المؤلف على مصادر متعددة ومتنوعة، تشمل الأرشيفات التاريخية والسياسية، والنصوص الدينية والأدبية، والمراسلات المرتبطة بظاهرة «معاداة السامية» في أوروبا، فضلًا عن تحليل صورة اليهود في الأدب الأوروبي. وفي مقاربة لافتة، يدمج شهادات كتّاب ومثقفين إسرائيليين انتقدوا العمليات العسكرية في غزة، وسعوا إلى تفكيك الروايات المؤسسة للحل الصهيوني كما تبلور في الفكر السياسي الحديث.

عنوان يحيل إلى لحظة مفصلية

يحمل عنوان الكتاب، «في عصر الطوفان»، دلالة رمزية كثيفة، إذ يستحضر لحظة تحوّل تاريخي توصف بأنها «زلزال استراتيجي» في مسار الصراع العربي الإسرائيلي. فالطوفان هنا لا يُفهم بوصفه حدثًا عابرًا، بل باعتباره نقطة انعطاف أعادت طرح الأسئلة الجوهرية حول طبيعة الصراع، ودفعت قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي إلى إعادة النظر في السرديات السائدة.

وفي سياق جيوسياسي يتسم بتصاعد الهجمة العدوانية الصهيونية على الشعب الفلسطيني ومقاومته بحرب الابادة الجماعية في غزة، يقدّم الكتاب قراءة نقدية تسعى إلى مواجهة ما يعتبره المؤلف تبسيطات وروايات منحازة تروّج لها بعض وسائل الإعلام الغربية، مؤكدًا أهمية العودة إلى الجذور التاريخية والفكرية لفهم تعقيدات المشهد الراهن.

بين الدقة الأكاديمية والسرد السلس

رغم كثافة المادة العلمية وتشعّب الإحالات المرجعية، يتميّز أسلوب الشوباني بسلاسة سردية تجعل العمل أقرب إلى نص فكري مشوّق منه إلى دراسة أكاديمية جافة. فالتحليل العميق لا يأتي على حساب وضوح الفكرة، بل يُصاغ بلغة تجمع بين الصرامة المنهجية والقدرة على جذب القارئ.

هذه الخصوصية الأسلوبية شكّلت تحديًا مضاعفًا في ترجمة الكتاب إلى الفرنسية. فقد تطلّب نقل المصطلحات الدقيقة – مثل «الحوض الحضاري الإسلامي» أو الفروق المفاهيمية بين «المسألة اليهودية» و«معاداة السامية» و«معاداة الصهيونية» و«العداء تجاه اليهود» – عناية فائقة لتجنّب أي التباس قد يُفرغ المفاهيم من دلالاتها التاريخية والسياسية.

رهانات الترجمة… بين الأمانة والتأويل

لم يقتصر التحدي على الجانب الاصطلاحي، بل شمل أيضًا الحفاظ على أصالة الاقتباسات والنصوص المرجعية بالعودة إلى مصادرها الفرنسية الأصلية، بدل إعادة ترجمتها عن العربية. كما اقتضى الأمر تحقيق توازن دقيق بين المحافظة على الصرامة الأكاديمية وضمان وضوح النص للقارئ الفرنكفوني، مع إضافة شروح تفسيرية عند الضرورة.

وفي ختام هذا الجهد، عبّر مترجم العمل عن امتنانه للمؤلف على ثقته، وللناشر وفريق المراجعة على مساهمتهم في إخراج النص بصيغته النهائية. وأكد أن الترجمة ليست خيانة للنص، بل «دعوة إلى قراءة ثانية»، تفتح المجال أمام جمهور أوسع للتفاعل مع الأفكار المطروحة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى