
د. محمد السنوسي
من يطلب من الفلسطيني أن يُلقي سلاحه، وهو محاصرٌ في أرضه، مهدور الدم على عتبة العالم، مطاردٌ في طفولته وشيخوخته وأحلامه، لا يفهم شيئًا في التاريخ،
ولا يعرف خارطةً من خرائط الأرض،
ولا يفقه ذرةً من جوهر العقيدة،
ولا يمتلك في قلبه ذرّة من إنسانية.
من يطلب من غزة، من بين الرماد والجراح والحصار، أن تنزع سلاحها، فهو إما جاهلٌ مطبق، أو شريكٌ صريح في الجريمة.
جاهلٌ لم يقرأ صفحةً واحدة في تاريخ الشعوب التي انتزعت حريتها من أنياب المحتلين،
ولم يسمع في حياته صوت بندقية حررت وطناً، أو صيحة أمّ ودّعت ابنها ليحيا شعبها.
وشريكٌ متواطئ، لا يرى في بقاء الضحية قيمة إلا إذا زحفت على ركبتيها، ورفعت راية الاستسلام على مذبح الخنوع.
اسألوا أنفسكم، أنتم الذين تحاضرون في السلام:
هل تحررت فرنسا من الاحتلال النازي بالتصفيق والمفاوضات؟
هل انتصر مانديلا على نظام الفصل العنصري بتقديم الورود؟
هل خرجت فيتنام من قبضة الاستعمار الأمريكي إلا بدماء وبنادق؟
هل استعاد الجنوب اللبناني أرضه بلا مقاومة؟
أن تطلبوا من الفلسطيني أن يلقي سلاحه، فأنتم تطلبون منه أن يكون ظلاً بلا جسد، صدىً بلا صوت، شعبًا بلا روح.
أنتم لا تطلبون فقط نزع السلاح، بل تطلبون نزع الكرامة.
نزع الإنسان من إنسانيته.
وخلع الروح من الجسد.
ومن يرضى بذلك، لا يمكن أن يكون حرًا، ولا شريفًا، ولا حتى حيّ الضمير.
العرب قالوا قديمًا: “عزّة الليث نابه ومخلَبه“،
ورسول الله ﷺ قال: “المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف.”
فلا تحدثونا عن “الواقعية” و”تهدئة النفوس” و”مسارات السلام”، بينما غزة تُحرق كل مساء، ويُذبح الأطفال تحت أنقاض المدارس، ويُستهدف الحجر والشجر والبشر.
من يطلب نزع السلاح اليوم، لا يسعى للسلام، بل يسعى لتجريد آخر ما تبقى من كرامة أمة، ولا فرق بين مَن يطلق الصاروخ على غزة، ومَن يطلق التصريح ضد سلاحها.
المقاومة ليست بندقية فقط، إنها وعي، عقيدة، إرادة، هوية.
وهي شرف لا يُنتزع.
فليحتفظ كل بخطابه، لكننا لن نساوي بين الجلاد والضحية،
ولن نغفر لمن أراد أن نعيش في وطنٍ لا ندافع عنه، في أرضٍ لا نحميها، في تاريخٍ لا نكتبه بدمنا.
سلاح الفلسطيني ليس تهديدًا لأحد…
سلاح الفلسطيني هو ما تبقّى من شرف العرب وانسانية هذا العالم.




