هل للعرب حضور في الأمم المتحدة؟

وزن عددي كبير وتأثير سياسي يبحث عن مزيد من الفاعلية

نيويورك – يطرح الحضور العربي داخل منظمة الأمم المتحدة سؤالاً يتجاوز مجرد عدد الدول العربية الأعضاء في المنظمة، ليصل إلى طبيعة الدور الذي تستطيع هذه الدول أن تلعبه في صياغة القرارات الدولية والتأثير في أجندة المنظمة، خصوصاً في القضايا المرتبطة بالسلام والأمن والهجرة والتنمية والقضية الفلسطينية والأزمات الإقليمية.

فالمجموعة العربية تضم 22 دولة، وتمثل أكثر من 400 مليون نسمة، أي ما يقارب 12 في المائة من عضوية الأمم المتحدة. وهذا يمنحها وزناً عددياً مهماً داخل الجمعية العامة، حيث تتمتع كل دولة، بصرف النظر عن حجمها، بصوت واحد.

الجمعية العامة.. حيث يظهر الوزن العددي العربي

تعتبر الجمعية العامة المجال الأوسع الذي يمكن فيه للدول العربية توظيف حضورها الجماعي. فالدول الـ193 الأعضاء تشارك فيها على قدم المساواة من حيث التصويت، وتتولى الجمعية مناقشة طيف واسع من قضايا السلم والأمن والميزانية والتنمية والعلاقات الدولية.

ومن هنا، فإن وجود كتلة عربية تضم 22 دولة يتيح للدبلوماسية العربية إمكانية بناء مواقف مشتركة والتحالف مع مجموعات إقليمية ودولية أخرى.

غير أن الوزن العددي لا يتحول تلقائياً إلى نفوذ سياسي. فالقدرة على التأثير تتوقف على مدى قدرة الدول العربية على تنسيق مواقفها، وعلى بناء تحالفات أوسع مع دول أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية وغيرها.

وهنا تظهر إحدى أهم الإشكالات التي تواجه الحضور العربي: فالدول العربية قد تتفق على المبادئ العامة في عدد من القضايا، لكنها لا تتحرك دائماً بالمستوى نفسه من التنسيق عندما يتعلق الأمر بالمصالح السياسية والاقتصادية والاستراتيجية لكل دولة.

مجلس الأمن.. الحلقة الأكثر حساسية

إذا كانت الجمعية العامة تمنح الدول العربية مجالاً واسعاً للتحرك الجماعي، فإن الصورة تختلف داخل مجلس الأمن، الذي يتكون من 15 عضواً، بينهم خمسة أعضاء دائمين يتمتعون بحق النقض، وعشرة أعضاء غير دائمين تنتخبهم الجمعية العامة لمدة عامين.

وفي عام 2026، يشغل البحرين مقعداً غير دائم في مجلس الأمن للفترة 2026-2027، بينما يشغل الصومال مقعداً تنتهي ولايته في نهاية 2026. ويعني ذلك أن الحضور العربي المباشر في المجلس خلال السنة الحالية يمر أساساً عبر هذين المقعدين العربيين.

لكن وجود دولة عربية في المجلس لا يعني أنها تتحدث باسم جميع الدول العربية بصورة تلقائية؛ فالدولة العضو في المجلس تتحمل مسؤوليتها باعتبارها عضواً في المجلس، وإن كانت قضايا المنطقة ومواقف المجموعة العربية تشكل جزءاً مهماً من السياق الدبلوماسي المحيط بعملها.

القضية الفلسطينية تختبر الحضور العربي

تظل القضية الفلسطينية المجال الأكثر وضوحاً لقياس قدرة الدبلوماسية العربية على التحرك داخل الأمم المتحدة.

فالقضية تحضر بصورة مستمرة في اجتماعات الجمعية العامة ومجلس الأمن، كما أن جزءاً كبيراً من النقاش الدولي المتعلق بالشرق الأوسط يرتبط بالأوضاع في الأراضي الفلسطينية والحرب في غزة.

وخلال سبتمبر 2026، عقدت مجموعة من وزراء الخارجية العرب والإسلاميين اجتماعاً في نيويورك على هامش أعمال الجمعية العامة، ضم قطر ومصر والأردن والإمارات والسعودية إلى جانب دول إسلامية أخرى، وركز على الوضع الإنساني في غزة وتنفيذ الالتزامات المرتبطة بخطة السلام.

ويكشف هذا النوع من التحركات أن التأثير لا يرتبط فقط بعدد الأصوات العربية، وإنما أيضاً بقدرة الدول العربية على توسيع دائرة التحالفات لتشمل دولاً إسلامية ودولاً من مناطق أخرى.

اللغة العربية.. حضور مؤسساتي راسخ

ولا يقتصر الحضور العربي في الأمم المتحدة على الجانب السياسي. فاللغة العربية نفسها أصبحت جزءاً من البنية المؤسسية للمنظمة.

فالعربية لغة رسمية ولغة عمل في الجمعية العامة منذ عام 1973، وفي أجهزتها الفرعية منذ عام 1980، كما أصبحت لغة رسمية ولغة عمل في مجلس الأمن منذ عام 1982.

وتنص قواعد الجمعية العامة على أن العربية والإنجليزية والصينية والفرنسية والروسية والإسبانية هي اللغات الرسمية ولغات العمل للجمعية العامة ولجانها وأجهزتها الفرعية.

وهذا البعد اللغوي له أهمية رمزية وعملية، لأنه يجعل الخطاب العربي جزءاً أصيلاً من منظومة العمل متعددة اللغات داخل المنظمة الدولية.

من الحضور إلى التأثير

المشكلة الأساسية التي تواجه الدول العربية ليست، إذن، غيابها عن الأمم المتحدة، بل كيفية تحويل هذا الحضور إلى قدرة أكبر على التأثير.

فالدول العربية تمتلك مجموعة من عناصر القوة: كتلة تصويتية معتبرة، موقع جغرافي واستراتيجي مهم، موارد طاقية واقتصادية كبيرة لدى عدد من دولها، علاقات دبلوماسية واسعة، إضافة إلى أن عدداً من الملفات المطروحة على جدول أعمال الأمم المتحدة يرتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالمنطقة العربية.

لكن هذه العناصر لا تعمل دائماً ضمن رؤية دبلوماسية عربية موحدة.

وفي هذا السياق، تكتسب النقاشات الجارية حول إصلاح مجلس الأمن أهمية خاصة. فقد تضمنت وثيقة أممية في يونيو 2026 مقترحات مختلفة بشأن توزيع المقاعد الإضافية في حال إصلاح المجلس، وكان من بين النماذج المطروحة تخصيص مقعد إضافي للدول العربية. غير أن الوثيقة نفسها تؤكد استمرار الخلافات بين الدول الأعضاء بشأن تفاصيل توزيع المقاعد وطبيعة التمثيل وآليات الاختيار والمساءلة.

هل يحتاج العرب إلى مقعد دائم؟

يعود مطلب التمثيل العربي الدائم في مجلس الأمن بصورة متكررة إلى واجهة النقاش كلما طُرح موضوع إصلاح المجلس.

وتستند الدول العربية المؤيدة لهذا الطرح إلى جملة من الاعتبارات، من بينها الوزن الديموغرافي للمجموعة العربية، واتساع الملفات التي يتعامل معها المجلس والمتصلة بالمنطقة، وكون المنطقة العربية شهدت خلال العقود الماضية عدداً كبيراً من النزاعات والأزمات التي وصلت إلى مجلس الأمن.

غير أن الوصول إلى مقعد دائم ليس مسألة مرتبطة بالمجموعة العربية وحدها، بل بجزء من مفاوضات دولية أوسع حول إصلاح مجلس الأمن، تشمل أيضاً تمثيل أفريقيا وآسيا والمحيط الهادئ وأمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي وغيرها.

قوة عربية موجودة.. لكنها ليست موحدة دائماً

تكشف تجربة الأمم المتحدة أن القوة الدبلوماسية لا تُقاس فقط بعدد الدول. فقد تكون مجموعة دول كبيرة العدد محدودة التأثير إذا لم تستطع تنسيق مواقفها، بينما تستطيع دولة واحدة أحياناً تحقيق حضور دبلوماسي واسع إذا امتلكت شبكة تحالفات وقدرة تفاوضية عالية.

وبالنسبة إلى الدول العربية، فإن التحدي يتمثل في الانتقال من مجرد التنسيق في التصويت والبيانات إلى بناء مقاربات مشتركة في الملفات التي تمس مصالح المنطقة، مع ترك مساحة لكل دولة للدفاع عن مصالحها الوطنية.

كما أن توسيع الشراكات مع المجموعات الأفريقية والآسيوية ودول الجنوب العالمي يمكن أن يمنح المواقف العربية مجالاً أكبر للتحرك داخل الجمعية العامة واللجان المختلفة ومفاوضات إصلاح المنظمة.

الحضور العربي في الأمم المتحدة ليس هامشياً من حيث العدد أو الأهمية السياسية. فـ22 دولة عربية تمثل كتلة معتبرة داخل الجمعية العامة، والعربية واحدة من اللغات الرسمية ولغات العمل في المنظمة، فيما ترتبط نسبة مهمة من الملفات التي يناقشها مجلس الأمن بالشرق الأوسط.

لكن الفارق بين الحضور والتأثير يظل مرتبطاً بمدى قدرة الدول العربية على توحيد مواقفها في القضايا المشتركة، وبناء تحالفات دولية أوسع، وتحويل وزنها العددي والجغرافي والاقتصادي إلى نفوذ تفاوضي مستدام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
;