
محمد رضوان..
خلال وجوده في المنطقة يومي 2 و3 أغسطس، أنجز اليوتوبر الهولندي Tom van den Heuvel، المعروف باسم Dutch Travel Maniac ،تقريراً مصوراً طويلاً امتد لنحو 36 دقيقة، تنقل فيه بين الشواطئ والمناطق الحضرية والمرتفعات، وتحدث مباشرة إلى مهاجرين مغاربة وسكان محليين. وقد نشر لاحقاً مقتطفات من رحلته، قبل أن تتلقف وسائل إعلام هولندية المشاهد وتعيد تقديمها لجمهورها.
لم يأتِ بحثاً عن المغرب السياحي
يختلف توم هيوفل عن معظم مدوني السفر الذين يقصدون المغرب بحثاً عن الأسواق القديمة، والمدن العتيقة، والمطبخ المغربي أو المناظر الطبيعية. فهو اشتهر بزيارة المناطق التي يعتبرها الأوروبيون “صعبة” أو مثيرة للجدل، وتصوير الحياة اليومية فيها من الشارع مباشرة.
وقد أوضح في مقابلة حديثة أن غالبية جمهوره تقل أعمارهم عن 35 عاماً، وأنه يرى نفسه صانع محتوى يذهب إلى الأماكن التي لا تحظى، في اعتقاده، بالتغطية الكافية من وسائل الإعلام التقليدية. كما يؤكد أنه لا يعتبر نفسه صحافياً، رغم أن تقاريره الطويلة تحظى بمئات الآلاف، وأحياناً أكثر من مليون مشاهدة.
وهذا السياق مهم لفهم الطريقة التي نظر بها إلى المغرب والشباب المغاربة.
سبتة.. نقطة البداية
جاءت زيارة توم في وقت كانت فيه سبتة تعيش تداعيات موجة دخول جماعي لمهاجرين قدموا من المغرب. وقد شكك اليوتوبر في الرواية الرسمية بشأن أعداد الأشخاص الذين غادروا سبتة وعادوا إلى المغرب، معتبراً أن المشاهد التي التقطها في المدينة لا تتطابق، في رأيه، مع بعض الأرقام المتداولة.
وسائل الإعلام الهولندية اهتمت كثيراً بهذه النقطة. فقد قدمت قناة PowNed تقريره بعنوان لافت: “Dutch Travel Maniac لا يصدق عينيه في سبتة: 15 ألف مغربي!”، بينما وصف هو نفسه المشهد بأنه فاجأه بشدة.
لكن الأهم بالنسبة إلى المغرب لم يكن الجدل حول الأرقام بقدر ما كان الحوار المباشر بينه وبين الشباب المغاربة.
ماذا رأى في الشباب المغربي؟
في حديثه عن الأشخاص الذين التقاهم في سبتة، قدم توم صورة أكثر تعقيداً مما قد يوحي به عنوان بعض المقاطع المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي.
فهو يقول صراحة إنه أجرى أحاديث ودية مع الغالبية الساحقة ممن قابلهم، وأن المواجهة الكلامية الشهيرة مع بعض الشباب لم تكن سوى حالة استثنائية. وفي حديثه إلى الصحافي الهولندي Ton Verlind، قال إن نحو 99 في المائة من لقاءاته كانت جيدة وودية، وإنه تعمد عدم نشر المواجهة على حساباته في إنستغرام لأنها، في رأيه، كانت ستسيء إلى صورة أولئك الشباب.
وهذه الملاحظة تستحق التوقف عندها، لأنها تختلف عن الصورة التي قد تتركها المقاطع القصيرة المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي.
فالشاب المغربي الذي ظهر في تلك المقاطع ليس، وفق رواية توم نفسه، نموذجاً للشباب المغربي عموماً، وإنما جزء من مشهد شديد الخصوصية؛ شباب موجودون في منطقة حدودية، في خضم أزمة هجرة، وتحت ضغط الرغبة في الوصول إلى أوروبا.
لو كنت أكسب 200 يورو.. لفعلت الشيء نفسه
ربما تكون أكثر ملاحظات توم دلالة هي أنه لم يتعامل مع المهاجرين المغاربة باعتبارهم مجرد “مشكلة أمنية”.
بل قال في مقابلته إنه يتفهم دوافعهم الاقتصادية، موضحاً أنه لو كان شخصاً يكسب نحو 200 يورو شهرياً، ثم سمع أن أوروبا توفر دخلاً أفضل بعدة مرات، فمن الممكن أن يفكر هو نفسه في محاولة الوصول إليها.
هذه النظرة تكشف مفارقة مهمة في موقف اليوتوبر؛ فهو ينتقد الهجرة غير النظامية بشدة عندما ينظر إليها من زاوية أمنية وأوروبية، لكنه في الوقت نفسه يقول إنه يفهم الدافع الاقتصادي للمهاجر المغربي.
وبذلك، فإن صورته عن الشباب المغربي لم تكن ببساطة صورة “شباب يريدون أوروبا”، وإنما شباب يبحثون عن فرصة اقتصادية وحياة أفضل، حتى لو اختار بعضهم طريقاً غير قانوني لتحقيق ذلك.
المفارقة
المشهد الأكثر إثارة للجدل كان الحوار مع عدد من الشباب المغاربة الذين أطلقوا عبارات عدائية تجاه أوروبا أمام كاميرته.
وانتشر مقطع من الحوار بشكل واسع على مواقع التواصل الاجتماعي، وظهر فيه بعض الشباب وهم يرددون عبارة مسيئة لأوروبا، الأمر الذي دفع بعض المعلقين إلى اتهام توم بأنه كان يبحث عن مشاهد صادمة أو حتى أنه دفع الشباب إلى قول تلك العبارات.
لكن توم نفى ذلك بشدة، وقال إن تلك المواجهة كانت الاستثناء وليس القاعدة، وإنه لم يدفع أولئك الشباب إلى قول ما قالوه. كما أشار إلى أنه أنهى اللقاء مع غالبية الشباب الذين قابلهم بطريقة ودية.
وهنا تظهر مفارقة اجتماعية لافتة؛ كيف يمكن لشاب أن يرفض أوروبا لفظياً، وفي الوقت نفسه يسعى إلى الوصول إليها؟
بالنسبة إلى توم، لا يوجد بالضرورة تناقض كامل. فالهجرة قد تكون بالنسبة إلى بعض الشباب وسيلة للخروج من ظروف اقتصادية صعبة، بينما يمكن أن تتعايش هذه الرغبة مع مشاعر غضب أو رفض تجاه بعض السياسات الأوروبية.
أوروبا في عيون الشباب.. والحلم الذي لا يموت
من خلال لقاءاته، بدا واضحاً أن أوروبا لا تزال تحتفظ بجاذبية كبيرة لدى شريحة من الشباب الذين يعيشون بالقرب من الحدود.
لكن هذه الجاذبية لا تعني بالضرورة أنهم يرون أوروبا بصورة مثالية أو أنهم يتخلون عن انتمائهم المغربي.
فالهجرة بالنسبة إلى بعض هؤلاء الشباب تبدو مرتبطة أساساً بـلعمل والدخل والمستقبل.
وهنا تبرز قضية أعمق من أزمة سبتة نفسها؛ ماذا يحدث عندما تصبح الفوارق الاقتصادية بين ضفتي المتوسط مرئية يومياً عبر الهاتف وشبكات التواصل الاجتماعي؟
الشاب المغربي اليوم لا يحتاج إلى السفر إلى أوروبا حتى يرى نمط الحياة الأوروبي. فهو يشاهده يومياً على تيك توك ويوتوب ويرى السيارات، والمساكن، والأجور، والسفر، وفرص العمل، ويقارنها بما يعيشه في محيطه.
وهكذا يصبح البحر المتوسط، بالنسبة إلى بعض الشباب، ليس مجرد حدود جغرافية، بل فارقاً في تصور المستقبل.
المفاجأة التي جعلته يريد دخول المغرب
واللافت أن زيارة سبتة لم تكن نهاية رحلة توم، بل دفعته، وفق تصريحاته، إلى التفكير في الذهاب إلى المغرب نفسه.
ففي المقابلة المنشورة يوم 21 أغسطس، قال الصحافيالهولندي فيرلاند إن توم كان يستعد في نهاية الأسبوع التالي للذهاب إلى المغرب، بهدف رؤية الجانب الآخر من القصة بنفسه ومعرفة ما إذا كانت الأوضاع في المغرب سيئة إلى الدرجة التي تبرر محاولة الفرار إلى أوروبا.
وهذا التطور مهم للغاية.
فبعد أن أمضى أياماً في سبتة يتحدث إلى مهاجرين مغاربة، أصبح السؤال الذي يريد الإجابة عنه هو؛
هل المغرب فعلاً بلد لا يوفر لشبابه أي مستقبل، أم أن صورة المغرب التي تصل إلى بعض الأوروبيين عبر أخبار الهجرة مبالغ فيها؟
ومن هنا يمكن فهم اهتمامه بالمغرب باعتباره محاولة للانتقال من مشاهدة المهاجر المغربي في أوروبا إلى البحث عن حياته قبل الهجرة.
هل غيّر الشباب المغاربة نظرته إلى المغرب؟
من السابق لأوانه القول إن توم غيّر موقفه جذرياً من المغرب، خصوصاً أن زيارته الأخيرة كانت قصيرة ومرتبطة أساساً بأزمة الهجرة.
لكن تصريحاته تقدم نقطة مهمة؛ فهو لم يخرج من لقاءاته مع المغاربة بانطباع أن جميع الشباب غاضبون أو عدائيون.
بل العكس؛ فقد أكد أن معظم اللقاءات كانت ودية.
وهذا يجعل صورة الشباب المغربي في تجربته أكثر تنوعاً من الصورة التي قد توحي بها بعض المقاطع الفيروسية.
من «بلد المهاجرين» إلى بلد يريد أن يراه بنفسه
تكمن أهمية تجربة “المسافر الهولدني المهووس” في أنها تطرح سؤالاً يتجاوز شخص اليوتوبر نفسه.
فالمغرب في الإعلام الأوروبي غالباً ما يظهر في ثلاثة سياقات؛ السياحة، والأمن، والهجرة.
أما توم فقد بدأ من الهجرة، لكنه وجد نفسه أمام سؤال اجتماعي أكبر؛ من هم هؤلاء الشباب الذين يخاطرون بالوصول إلى أوروبا؟ وما الذي يدفعهم إلى ذلك؟
ومن هنا تأتي رغبته في زيارة المغرب.
فالانتقال من سبتة إلى المغرب يعني الانتقال من مشهد الهجرة إلى جذورها الاجتماعية والاقتصادية.
هل تريدون حقاً مغادرة المغرب، أم أنكم تريدون فقط مستقبلاً أفضل؟
زيارة توم هيوفل إلى سبتة كشفت، قبل كل شيء، عن صورة متناقضة ومعقدة للشباب المغربي.
شباب يريدون العمل والعيش بشكل أفضل، بعضهم يحلم بأوروبا، وبعضهم غاضب منها، وبعضهم مستعد للمخاطرة من أجل الوصول إليها، بينما يبدو أن الغالبية التي التقاها توم كانت مستعدة للحوار والتواصل.
في النهاية يظل السؤال في ما حدث عالقا؛ إذا كان بعض الشباب المغاربة يحلمون بالوصول إلى أوروبا، فهل المشكلة فيهم وحدهم، أم في الفوارق الاقتصادية والاجتماعية التي تجعل الضفة الشمالية للمتوسط تبدو لهم أقرب إلى المستقبل من بلدهم؟
