المغرب الذي لم يولد بعد.. لماذا أصبح علينا أن نعيد بناء الإنسان قبل أن نعيد بناء المستقبل؟

بقلم: د. محمد السنوسي (*)..

هناك أسئلة تبدو في ظاهرها بديهية إلى درجة أننا لا نعود نفكر في شروطها. ومن أكثرها حضورًا في النقاش المغربي: أي مغرب نريد أن نبني؟

نجيب عادة عن السؤال بلغة الاقتصاد والتنمية والتعليم والصحة والاستثمار والإدارة والبنية التحتية والرقمنة والإصلاح السياسي. وكلها ضرورية. لكننا نادرًا ما نتوقف عند السؤال الذي يسبقها جميعًا: من هو الإنسان الذي سيبني هذا المغرب؟ وبأي معنى سيفعل ذلك؟

هنا تبدأ الإشكالية الحقيقية.

فالمستقبل لا يبدأ عندما نشيد مصنعًا أو طريقًا أو جامعة، ولا عندما ندخل الذكاء الاصطناعي إلى الإدارة والمدرسة والمقاولة. المستقبل يبدأ قبل ذلك، في المعنى الذي يحدد ما نعتبره جديرًا بأن نبنيه، وفي الإنسان القادر على تحويل هذا المعنى إلى معرفة، وهذه المعرفة إلى قرار، وهذا القرار إلى واقع، وهذا الواقع الى أثر.  

ومن هذا المنظور، لا يكفي أن نسأل عما يملكه المغرب اليوم، بل علينا أن نسأل عن إمكاناته التي لم تتحقق بعد. فما لا نراه في الحاضر قد يكون هو الذي سيحدد موقعنا في المستقبل.

وهنا تبرز مفارقة كبرى: قد يكون المغرب قد قطع مسافات مهمة في بناء الأشياء، بينما لا يزال السؤال مفتوحًا حول سرعة بناء الإنسان القادر على إعطاء هذه الأشياء معناها وتحويلها إلى قوة تاريخية.

لذلك فإن السؤال الذي أقترحه في هذا المقال ليس:

أي مغرب نريد أن نبني؟

بل:

أي إنسان ينبغي أن نعيد بناءه حتى يصبح قادرًا على إنتاج المغرب الذي لم يولد بعد؟

أولًا: مغربان يتعايشان في المكان نفسه

هناك مغرب نراه كل يوم، ومغرب آخر لم يولد بعد.

الأول مغرب تحقق بالفعل: طرق وموانئ ومطارات، مدن ومناطق صناعية، جامعات ومؤسسات، استثمارات ومشاريع كبرى، وتحولات رقمية أعادت تشكيل أجزاء واسعة من البلاد. وهذا التحول حقيقي ويستحق الاعتراف؛ فلا يمكن بناء المستقبل بإنكار ما أُنجز.

لكن الحداثة لا تُقاس بما نبنيه فقط، بل بما يتغير في الإنسان الذي يستخدمه. فأن نبني مدينة ذكية لا يعني أننا بنينا سلوكًا ذكيًا، وأن نرقمن الإدارة لا يعني أننا تخلصنا من عقلية التحايل والوساطة والرشوة، وأن نستورد أحدث التقنيات لا يعني أننا غادرنا بالضرورة عادات الماضي.

ما تزال سلوكيات بسيطة في ظاهرها تكشف فجوة أعمق: رمي النفايات رغم وجود الحاويات، احتلال الأرصفة، تجاوز قواعد السير، إزعاج الآخرين في الفضاءات المشتركة، الاعتداء على الموظف والعامل، تخريب الممتلكات العامة، تجاوز الطوابير، والتحايل على القانون كلما أمكن. هذه ليست مجرد مخالفات يومية؛ إنها مؤشرات على علاقة الفرد بالمجال العام، وبالآخر، وبالقانون، وبفكرة المسؤولية نفسها.

والأمر يصبح أكثر حساسية حين يتعلق بممارسات تُقدَّم باسم الموروث أو التدين أو العلاج أو البركة، بينما تنزلق في بعض الحالات إلى استغلال الاعتقاد، وتكريس الخرافة، وإهانة الإنسان، والاتجار بخوفه ومرضه وحاجته إلى الأمل. وليس المقصود هنا مهاجمة الدين أو التصوف أو الموروث الروحي والثقافي للمغرب، بل التمييز بوضوح بين ما يحفظ الكرامة الإنسانية وما يستغلها. فلا يمكن لدولة حديثة أن ترفع شعار كرامة المواطن، ثم تتسامح مع ممارسات تجعل الإنسان أسير الخوف والوهم والتبعية.

لهذا فالتناقض ليس أخلاقيًا فقط، بل تنموي وسياسي وعلمي أيضًا. فالتنمية لا تعني زيادة الدخل وتحسين الطرق وتحديث المدن فحسب؛ إنها تعني قبل ذلك نقل الإنسان من الخضوع والتبعية إلى الوعي والفاعلية والاستقلال والقدرة على الاختيار.

فالطريقة التي نتعامل بها مع الرصيف تكشف علاقتنا بالمجال المشترك، واحترام الطابور يكشف علاقتنا بالمساواة، واحترام القانون في غياب الرقابة يكشف علاقتنا بالدولة، وطريقة تعاملنا مع العامل والموظف والفقير والمختلف تكشف تصورنا للكرامة. وحتى ما نقبله باسم الخوف أو الخرافة يكشف مستوى استقلال الإنسان داخل المجتمع.

لهذا لا يكفي أن نسأل: هل يتقدم المغرب؟
السؤال الأهم هو: أي إنسان ينتج هذا التقدم؟

فالجامعة لا تصبح حديثة بمختبراتها وحدها، والإدارة لا تصبح حديثة برقمنتها، والمدينة لا تصبح حديثة بشاشاتها، والدولة لا تصبح حديثة بحجم مشاريعها؛ كما لا تصبح الديمقراطية حديثة بمجرد وجود صناديق الاقتراع، إذا ظل المواطن يُستدرج إلى منح صوته لمن يجعل من الترشح سلّمًا لمصالحه الخاصة أو طريقًا إلى دوائر النفوذ. الحداثة تبدأ حين تتغير قواعد السلوك، وعلاقة الفرد بالقانون، وبالمجال العام، وبالمعرفة، وبالآخر، وبالسلطة، وبكرامته هو نفسه.

وهنا يبدأ المغرب الذي لم يولد بعد: ليس مغربًا افتراضيًا، بل مجموع الإمكانات التي نملكها ولم نحسن بعد تحويلها إلى قيمة. فخلف الأرقام والاستثمارات والمشاريع توجد أفكار لم تُختبر، ومواهب لم تُكتشف، وأبحاث لم تصل إلى المختبر، ومشاريع ماتت قبل أن تبدأ، وكفاءات غادرت قبل أن تجد شروطًا تجعلها تختار البقاء. وهذه هي «الثروة الصامتة» التي لا تظهر في الإحصاءات؛ فنحن نقيس ما تحقق، لكننا نكاد لا نقيس ما فشلنا في جعله يولد. لذلك ينبغي أن تنتقل التنمية من قياس المنجز فقط إلى قياس الفجوة بين الإمكان والواقع: ليس كم وظيفة خلقنا، بل كم موهبة مكّناها من خلق وظائف؛ وليس كم استثمار استقطبنا، بل كم فكرة مغربية حوّلناها إلى استثمار؛ وليس كم كفاءة احتفظنا بها، بل كم بيئة بنيناها تجعل الكفاءة ترى مستقبلها هنا. فالدولة التي تدير الموجود تحسن إدارة الحاضر؛ أما الدولة التي تستثمر في الإمكان فتبني المستقبل.

وهناك يبدأ المغرب الأول بالتحول إلى مغرب آخر: المغرب الذي لم يولد بعد.

فخلف المغرب المرئي توجد ثروة أقل ظهورًا وأكثر أهمية: إمكانات بشرية وفكرية وعلمية واقتصادية لم تتحول بعد إلى قيمة. شاب كان يمكن أن يصبح عالمًا، وباحثة كان يمكن أن تؤسس شركة عالمية، وموهبة لم تصل إلى المختبر أو المسرح، ومشروع لم يجد التمويل، ومقاول لم يجد من يثق بمخاطرته، وفكرة ماتت قبل أن تجد من يختبرها.

المشكلة، إذن، ليست فقط فيما ينقص المغرب، بل فيما يخسره قبل أن يولد.

هناك نوع من الخسائر لا يظهر في الحسابات لأنه لم يتحول أصلًا إلى أرقام: فكرة لم تجد بيئة لتُختبر، موهبة لم تجد من يكتشفها، مشروع لم يجد من يموله، وباحث لم يجد مختبرًا، وشاب غادر قبل أن يعرف هو نفسه إلى أي مدى كان قادرًا على الذهاب. نحن نجيد قياس ما تحقق، لكننا لا نقيس ما حُرم من التحقق؛ ولذلك فإن جزءًا من الثروة الوطنية يظل خارج الرؤية، لا لأنه غير موجود، بل لأنه لم يُمنح شروط الوجود.

من هنا يصبح «المغرب الذي لم يولد بعد» مفهومًا استراتيجيًا: إنه المسافة بين الإمكان والواقع، وبين ما يملكه المغرب فعلًا وما يستطيع أن يصبحه إذا نجح في تحرير طاقاته الكامنة. والتنمية، بهذا المعنى، لا تُقاس فقط بزيادة الناتج والاستثمار والوظائف، بل بقدرة الدولة على تقليص هذه المسافة: أن تحول الفكرة إلى مشروع، والموهبة إلى كفاءة، والبحث إلى ابتكار، والمبادرة إلى قيمة، والكفاءة المهاجرة إلى فرصة للبقاء والعطاء.

لذلك ينبغي أن يتغير السؤال الوطني من «ماذا حققنا؟» إلى سؤال أكثر عمقًا: «ماذا كان يمكن أن نحقق ولم نحققه بعد؟» كم فكرة لم تُختبر؟ كم موهبة لم تُكتشف؟ كم مشروعًا لم يبدأ؟ كم قيمة ضاعت قبل أن تولد؟ وكم من المستقبل ما يزال خامًا داخل مدارسنا وجامعاتنا ومختبراتنا ومقاولاتنا وأحيائنا؟

هنا يتغير معنى دور الدولة: ليست مهمتها فقط إدارة ما وُجد، بل صناعة الشروط التي تسمح لما لم يوجد بعد بأن يوجد. فالدولة التي تقيس الحاضر تدير ما لديها؛ أما الدولة التي تقيس الإمكان فتبني ما سيأتي. ولهذا فإن الطموح الحقيقي ليس أن نبني فقط ما يحتاجه المغرب اليوم، بل أن نخلق البيئة التي تجعل ما يبدو مستحيلًا اليوم ممكنًا غدًا.

ذلك هو المغرب الذي لم يولد بعد: ليس ما نفتقده، بل ما نملكه كإمكان ولم نحوله بعد إلى واقع.

ثانيًا: المشكلة ليست في المغربي وحده… بل في البيئة التي تصنع المغربي

نميل كثيرًا إلى طرح السؤال بطريقة مريحة: لماذا لا يبدع المغربي؟ لماذا لا يبادر؟ لماذا لا يخاطر؟ لماذا لا ينتج المعرفة؟ وكأن المشكلة مستقرة داخل الفرد، وكأن المغربي يدخل إلى الحياة وهو يحمل في داخله عجزًا ما يحتاج فقط إلى أن يتغلب عليه.

لكن ماذا لو كان السؤال نفسه بحاجة إلى قلب؟

ماذا لو كان علينا أن نسأل أولًا: أي بيئة نصنع للمغربي، ثم نطالبه بأن يكون أي إنسان؟

لا يمكن أن نطلب من شاب أن يكون مبدعًا، ثم نربيه سنوات طويلة على الخوف من الخطأ. ولا يمكن أن نطالبه بالمبادرة، ثم نعاقبه اجتماعيًا ومؤسسيًا كلما خرج عن الطريق المألوف. ولا يمكن أن نطالبه بالتفكير النقدي، ثم نكافئه كلما حفظ الإجابة التي نريد سماعها.

نحن، في كثير من الأحيان، نعلّم أبناءنا كيف يصلون إلى الإجابة الصحيحة قبل أن نعلمهم كيف يكتشفون السؤال الصحيح.

نعلمهم كيف ينجحون في الامتحان، أكثر مما نعلمهم كيف يشككون في السؤال الذي يتبارون حوله.

نعلمهم أن الخطأ ينبغي تجنبه، ثم نطلب منهم أن يبتكروا.

نحتفي بالامتثال، ثم نشتكي من غياب المبادرة.

نخاف من المختلف، ثم نطالب بإنتاج أفكار مختلفة.

ونطلب من الشاب أن «يفكر خارج الصندوق»، بعد أن أمضى سنوات يتعلم كيف لا يخرج منه.

لكن السؤال الذي ينبغي أن يزعجنا هو:

من بنى الصندوق؟ ومن أقنعنا بأن البقاء داخله هو الطريق الطبيعي للنجاح؟

هنا لا تعود المسألة مشكلة مدرسة وحدها، ولا جامعة وحدها، ولا إدارة وحدها. إنها بنية كاملة تشارك في إنتاج الإنسان: الأسرة، المدرسة، الجامعة، المؤسسة، سوق العمل، الثقافة العامة، الإعلام، وحتى نظرة المجتمع إلى الفشل والاختلاف والمخاطرة.

فالإنسان لا يولد فقط بقدراته؛ البيئة إما أن تفتح هذه القدرات على إمكاناتها، أو تدفعها إلى الانكماش.

قد يكون لدينا شاب شديد الذكاء، لكن ماذا يحدث إذا تعلم أن السؤال المزعج قد يكلفه مكانته؟ أو أن المبادرة قد تعرضه للسخرية؟ أو أن الفشل سيظل يطارده اجتماعيًا؟ أو أن الوصول إلى الفرصة لا يتحدد دائمًا بالكفاءة وحدها؟

في هذه الحالة، لا ينبغي أن نتساءل فقط لماذا لم يصبح هذا الشاب ما كان يمكن أن يكونه.

ينبغي أن نسأل:

ماذا خسر المغرب عندما لم يتحول هذا الإمكان إلى واقع؟

وهنا تنتقل القضية من التربية إلى الاستراتيجية.

لأن المغرب لا يخسر فقط عندما يفشل مشروع قائم؛ قد يخسر أيضًا عندما لا يولد المشروع أصلًا.

وقد لا يخسر فقط عندما يغادر عالم أو باحث أو مهندس البلاد؛ بل يخسر قبل ذلك عندما لا يجد هذا الإنسان البيئة التي تجعله يكتشف أنه قادر على أن يصبح شيئًا أكبر.

ولهذا فإن بناء الإنسان ليس ترفًا أخلاقيًا، ولا مجرد شعار تربوي. إنه جزء من الأمن الاستراتيجي للمجتمع وقدرته على إنتاج مستقبله.

فالذكاء الاستراتيجي لا يعني أن نعرف أكثر من الآخرين فقط، ولا أن نجمع معلومات أكثر، وإنما أن نمتلك القدرة على رؤية ما لا يظهر بعد، واكتشاف التحولات قبل أن تتحول إلى وقائع، وفتح إمكانات جديدة للفعل قبل أن تصبح ضرورات مفروضة علينا.

لكن حتى هذا الذكاء يحتاج إلى ما هو أسبق منه.

يحتاج إلى معنى.

فالمعنى، في التصور الذي ننطلق منه، ليس نتيجة تأتي بعد المعرفة، بل هو ما يسبقها ويؤسس إمكانها ويوجهها. ومن دونه يمكن أن نمتلك معرفة هائلة، وتكنولوجيا متقدمة، وذكاءً اصطناعيًا بالغ القدرة، من دون أن نعرف بالضرورة ما الذي ينبغي أن نفعله بهذه القدرة، ولماذا، ولأي إنسان، ولأي مستقبل.

وهنا تكمن إحدى أخطر مشكلات المرحلة المقبلة.

قد يصبح المغربي أكثر معرفة، وأكثر اتصالًا بالعالم، وأكثر امتلاكًا للأدوات، من دون أن يصبح بالضرورة أكثر قدرة على تحديد الغاية التي ينبغي أن تتجه إليها هذه المعرفة والأدوات.

لذلك فإن إعادة بناء الإنسان لا تعني أن نضيف إليه مزيدًا من المهارات فقط.

إنها تعني أن نعيد بناء علاقته بالسؤال، وبالمعرفة، وبالاختلاف، وبالمخاطرة، وبالمبادرة، وبالمسؤولية، وبالمستقبل.

نريد إنسانًا لا يسأل فقط: كيف أفعل؟

بل يستطيع أن يسأل قبل ذلك:

لماذا أفعل؟

ثم السؤال الأصعب:

هل ينبغي أن أفعل؟

ثم السؤال الذي يفتح المستقبل:

ماذا يمكن أن يصبح ممكنًا إذا فعلت؟

هنا بالضبط يبدأ الانتقال من إنسان يتكيف مع الواقع إلى إنسان يستطيع أن يشارك في صناعة واقع جديد.

وهذا، في النهاية، هو الإنسان الذي يحتاجه المغرب الذي لم يولد بعد.

ثالثًا: لا يمكن بناء مغرب المستقبل بعقل الماضي

العالم الذي ندخله لا ينتظرنا، بل يعيد تشكيل قواعده بسرعة تتجاوز قدرة المؤسسات التقليدية على التكيف. الذكاء الاصطناعي يعيد تعريف العمل والمعرفة والمهارة والقرار، والاقتصاد ينتقل من مركزية الموارد إلى مركزية المعرفة والبيانات والحوسبة والابتكار، فيما تتحول القوة الدولية تدريجيًا من امتلاك الثروات إلى القدرة على إنتاج المعرفة والتحكم في التكنولوجيا وصناعة القرار.

في هذا التحول، لم يعد الإنسان مجرد مورد من موارد الدولة؛ أصبح بنيتها التحتية الأهم. فقد نبني الموانئ والقطارات والمدن الذكية، ونستقطب الاستثمارات ونرقمن الإدارة، لكن كل ذلك يظل محدود الأثر إذا كان الإنسان الذي يقوده أسير الخوف من الخطأ، وانتظار التعليمات، وحفظ الإجابات بدل صناعة الأسئلة. عندها نكون قد بنينا أدوات المستقبل بعقل الماضي.

وهنا ينبغي أن يصبح بناء الإنسان أولوية وطنية صريحة، لا ملحقًا اجتماعيًا لمشروع اقتصادي. فالمطلوب ليس فقط تعليم الإنسان كيف يستخدم التكنولوجيا، بل إعادة بناء قدرته على التفكير، والاختيار، والمبادرة، والنقد، وتحمل المسؤولية، وصناعة المعنى. لأن الذكاء الاصطناعي سيجعل المعرفة متاحة والإجابة سريعة والتنفيذ آليًا؛ وما سيزداد ندرة ليس الوصول إلى المعلومة، بل القدرة على فهم معناها، وصياغة السؤال الصحيح، وتمييز الصحيح من الزائف، والمهم من الهامشي، والممكن من الجدير بأن يُفعل.

كلما أصبحت الآلة أقدر على أن تقول لنا «كيف؟»، ازدادت حاجة الإنسان إلى أن يجيب عن «لماذا؟» وكلما توسعت قدرة التكنولوجيا على تنفيذ ما نطلب، ازدادت مسؤوليتنا في تحديد ما ينبغي أن نطلبه أصلًا. لذلك فإن قيمة الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي لن تُقاس بكمية ما يحفظ، ولا بسرعة ما ينتج، بل بقدرته على الحكم، وربط المعرفة بالغاية، والموازنة بين المنفعة والكلفة، واتخاذ القرار حين لا تكون هناك إجابة جاهزة.

ومن هنا فإن المعركة الحقيقية ليست مع الذكاء الاصطناعي، بل مع إنسان غير مستعد لعصر الذكاء الاصطناعي. إنسان يخاف المبادرة سيجعل التكنولوجيا أداة للاتباع، وإنسان يفتقر إلى التفكير النقدي قد يتحول إلى مستهلك لما تنتجه الخوارزميات، وإنسان لا يمتلك استقلالية القرار قد يسلّم للآلة تدريجيًا حق تحديد ما يراه ويقرأه ويصدقه ويريده.

لذلك لا يكفي أن نُخرج مهندسين أكثر، أو نشتري تقنيات أحدث، أو نبني منصات رقمية أكثر. المطلوب بناء إنسان يستطيع أن يستخدم التكنولوجيا دون أن يخضع لها، وأن يستفيد من الذكاء الاصطناعي دون أن يتنازل له عن ذكائه، وأن يظل قادرًا على السؤال والاختيار والرفض وتحمل مسؤولية القرار.

وهذا هو جوهر السيادة في القرن الحادي والعشرين: أن نمتلك التكنولوجيا، نعم، لكن الأهم أن نمتلك الإنسان القادر على توجيهها. فالدولة التي تملك أحدث الأدوات دون أن تملك الإنسان القادر على تحديد غاياتها تظل مستهلكة للتكنولوجيا، مهما بدا مظهرها متقدمًا. أما الدولة التي تبني إنسانًا مستقل التفكير، قوي المعرفة، قادرًا على الابتكار، متصالحًا مع المخاطرة، ومتمسكًا بالمعنى والمسؤولية، فهي التي تستطيع أن تدخل المستقبل لا بوصفها سوقًا له، بل بوصفها طرفًا في صناعته.

لهذا لا يمكن بناء مغرب المستقبل بعقل الماضي: لأن المستقبل لن يكافئ من يملك الأدوات فقط، بل من يملك الإنسان القادر على استخدامها لصناعة ما لم يوجد بعد.

خاتمة: المغرب الذي لم يولد بعد يحتاج إلى إنسان لم يولد بعد

ربما حان الوقت لأن نغير جذريًا طريقة حديثنا عن التغيير في المغرب.

بدل أن نسأل فقط: ما الذي ينقصنا؟

علينا أن نطرح سؤالًا أكثر عمقًا:

ما الذي يمنع ما نملكه بالفعل من أن يتحول إلى ما نستطيع أن نكونه؟

فقد لا تكون المشكلة دائمًا في غياب الموارد، بل في عجزنا عن تحويلها إلى قيمة. وقد لا تكون المشكلة في غياب المواهب، بل في ضعف قدرتنا على اكتشافها وتمكينها. وقد لا يكون النقص في الأفكار، بل في البيئة التي تسمح للفكرة بأن تخاطر، وتفشل، وتتعلم، ثم تعود أقوى.

لهذا لا ينبغي أن نقيس نجاح المغرب فقط بما أنجزه، بل أيضًا بما تمكن من إنجازه من الإمكانات الكامنة داخله.

كم فكرة لم تصل إلى السوق؟

كم موهبة لم تصل إلى المختبر؟

كم مشروعًا مات قبل أن يبدأ؟

كم اختراعًا لم يجد من يموله؟

كم مبادرة أُجهضت لأنها اصطدمت بالخوف أو البيروقراطية أو غياب الثقة؟

وكم إنسانًا كان يمكن أن يكون شيئًا آخر، لو وجد في الوقت المناسب مؤسسة تؤمن به، ومدرسة تكتشفه، وبيئة تمنحه حق المحاولة؟

هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا. إنها، في جوهرها، أسئلة عن الثروة المهدرة والمستقبل المؤجل.

فالدولة التي لا ترى إلا ما هو موجود، ستظل تدير الموجود.

أما الدولة التي ترى الإمكان، فتبدأ في بناء الشروط التي تسمح لما لم يوجد بعد بأن يظهر.

ومن هنا تصبح إعادة بناء الإنسان ليست سياسة اجتماعية أو إصلاحًا تربويًا فحسب، بل مشروعًا استراتيجيًا وسياديًا.

لأن كل اختراع يبدأ بإنسان.

وكل مشروع يبدأ بإنسان.

وكل فكرة تغيّر اقتصادًا أو مجتمعًا أو دولة تبدأ بإمكان صغير داخل عقل إنسان.

وكل تحول تاريخي يبدأ عادة بشيء لا وجود له بعد، لكنه يصبح ممكنًا لأن أحدًا امتلك الشجاعة ليتخيله، والحرية ليجربه، والمؤسسة التي تمنحه فرصة تحويله إلى واقع.

لهذا، قد لا يكون السؤال المصيري للمغرب:

أي مغرب سنترك لأبنائنا؟

فهذا السؤال يفترض أن المستقبل مجرد إرث سنسلمه لمن يأتي بعدنا.

السؤال الأكثر قسوة، والأكثر مسؤولية، هو:

أي إنسان سنبني اليوم ليكون قادرًا على بناء المغرب الذي لم يولد بعد؟

فالمغرب الذي نراه اليوم هو نتيجة الإنسان الذي صنعناه بالأمس.

أما المغرب الذي لم يولد بعد، فلن تحدده فقط المشاريع التي نبنيها، ولا الأموال التي نستثمرها، ولا التكنولوجيا التي نستوردها.

سيحدده الإنسان الذي نقرر، ابتداءً من اليوم، أن نضعه في قلب مشروعنا الوطني.

وربما تكون هذه هي المعركة الحقيقية كلها:

أن ننتقل من بناء بلدٍ أفضل للإنسان، إلى بناء إنسان قادر على بناء بلدٍ أفضل.

عندها فقط لن يكون «المغرب الذي لم يولد بعد» مجرد عنوان للمستقبل، بل مشروعًا يمكن أن يبدأ الآن.

(*) أستاذ الدراسات المستقبلية والشؤون الدولية ورئيس مركز مكين للذكاء الاستراتيجي – الرباط.

زر الذهاب إلى الأعلى