
بقلم: د. محمد السنوسي (*)..
هذا امتحانٌ تاريخيٌّ للناس كافة، مجتمعًا ودولةً ونخبةً؛ وقيمته الحقيقية أن نُحسن الإصغاء إليه…، لأن السؤال اليوم ليس: ما الأزمة التي يواجهها المغرب؟ بل: هل نُدرك أن المغرب يواجه تحولًا عميقًا في شروط أمنه واقتصاده ومجتمعه ومستقبله، وأن أول ما يفرضه هذا الامتحان هو امتلاك القدرة على إنتاج القراءة الجديدة التي يقتضيها هذا التحول؟
وهنا تكمن الإشكالية.
ماذا يحدث عندما يتغير العالم أسرع من قدرتنا على إعادة تعريف أدواتنا لفهمه؟
وماذا يحدث عندما تتراكم التحولات الخارجية مع اختلالات داخلية، من دون أن نمتلك بالضرورة النخبة القادرة على تركيبها في صورة استراتيجية واحدة؟
فالعالم لا يعيد توزيع القوة فقط، بل يعيد تعريفها. التكنولوجيا أصبحت مصدرًا للسيادة، والذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل الاقتصاد والعمل والمعرفة والقرار، والحرب لم تعد محصورة في الجبهات العسكرية، بل امتدت إلى الفضاءات الرقمية والمعلوماتية والاقتصادية، فيما تحولت إفريقيا إلى أحد أهم ميادين التنافس الدولي. وفي محيط المغرب، تتداخل الجغرافيا السياسية مع الطاقة والماء والهجرة والأمن وسلاسل الإمداد والأسواق والنفوذ.
لكن التحول الخارجي ليس سوى نصف المعادلة.
النصف الآخر يوجد داخل المجتمع المغربي نفسه: أسئلة متزايدة حول الثقة في المؤسسات، وفجوة بين التطلعات والفرص، وشباب يجد بعضه في الخارج أفقًا أكثر إغراءً من المستقبل الذي يستطيع تصوره داخل وطنه.
وهنا يصبح الخطر أكثر عمقًا: ماذا يحدث لدولة تواجه بيئة خارجية أكثر تنافسية بينما يتراجع، لدى جزء من مجتمعها، الإيمان بأن المستقبل يمكن أن يُبنى داخلها؟
ويزداد الأمر حساسية مع محاولات توظيف بعض التوترات الاجتماعية والهوياتية للتأثير في النسيج الوطني، بما في ذلك ما تنسبه هذه القراءة إلى أوساط إسرائيلية وبعض التيارات اليمينية في الغرب. فالمسألة لا ينبغي أن تُختزل في سجالات هوية أو حملات إعلامية متفرقة؛ إذ يمكن أن تصبح، في سياق التنافس الجيوسياسي، جزءًا من صراع أوسع على المناعة الداخلية للمغرب وقدرته على حماية تماسكه وصناعة قراره المستقل.
ومن ثم فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط: كيف يواجه المغرب هذه التحديات؟
بل إن السؤال الأسبق والأكثر إزعاجًا هو:
هل يملك المغرب اليوم نخبة بحجم التحول الذي يواجهه؟
فالمعضلة الاستراتيجية ليست في نقص المعلومات أو غياب الكفاءات، وإنما في القدرة على تركيب الوقائع المتفرقة داخل معنى واحد، وتحويل هذا المعنى إلى رؤية، والرؤية إلى قرار، والقرار إلى قدرة وطنية على الفعل والاستباق.
فالدول لا تُقاس فقط بما تعرفه، وإنما بقدرتها على فهم ما تعرفه، واستشراف ما لا تعرفه بعد، والتصرف قبل أن تتحول التحولات إلى وقائع مفروضة عليها.
وهنا يبدأ الامتحان الحقيقي: امتحان قدرة النخبة المغربية على إنتاج معنى استراتيجي بحجم المرحلة.
أولًا: المشكلة ليست تعدد الأزمات، بل أننا قد نكون أمام منظومة مخاطر جديدة
اعتدنا أن نتحدث عن البطالة، والتعليم، والماء، والهجرة، والتفاوتات، والثقة، والأمن السيبراني، والاقتصاد باعتبارها ملفات منفصلة. وهذه ربما أول قناعة ينبغي كسرها.
المشكلة ليست في كل ملف على حدة، وإنما في العلاقة التي تنشأ بينها.
فالماء ليس قضية بيئية فقط، بل قضية أمن وغذاء واقتصاد. والطاقة ليست قطاعًا اقتصاديًا فحسب، بل قضية سيادة. والتعليم ليس خدمة عمومية فقط، بل هو المصنع الذي ينتج القوة البشرية للدولة. والهجرة ليست مجرد حركة سكانية، بل مؤشر على جاذبية الوطن ومستقبل شبابه.
والتكنولوجيا لم تعد قطاعًا اقتصاديًا يمكن أن يتقدم أو يتأخر، بل أصبحت جزءًا من تعريف القوة ذاتها. ومن يملك البيانات والحوسبة والمعرفة والمواهب يملك جزءًا من القدرة على إنتاج المستقبل.
حتى الأمن لم يعد يعني حماية الحدود الجغرافية فقط. فالدولة يمكن أن تُضغط دون حرب، وأن تُخترق دون دبابة، وأن يتأثر مجتمعها دون احتلال أرضه. يمكن أن يحدث ذلك عبر الاقتصاد، أو المعلومات، أو الفضاء الرقمي، أو التكنولوجيا، أو شبكات التأثير، أو التلاعب بالهويات والانقسامات.
وهنا يصبح السؤال عن السيادة أكثر تعقيدًا:
من يملك القدرة على التأثير في المجتمع؟ ومن يملك القدرة على تشكيل المعلومات التي يتلقى منها المواطن فهمه للعالم؟ ومن يملك التكنولوجيا التي يعتمد عليها الاقتصاد؟ ومن يستطيع التأثير في شروط القرار نفسه؟
لقد أصبحت الحدود متعددة: حدود جغرافية، واقتصادية، ورقمية، ومعلوماتية، ومعرفية، ومجتمعية.
ولهذا فإن أخطر خطأ يمكن أن ترتكبه دولة في مرحلة كهذه هو أن تتعامل مع كل خطر بعد ظهوره، بدل أن تفهم المنظومة التي تنتجه قبل ظهوره.
فالاستراتيجية لا تبدأ من سؤال: ماذا حدث؟
بل من سؤال أكثر قسوة:
ماذا يتشكل الآن تحت سطح الأحداث؟
ثانيًا: أخطر ما يواجه المغرب قد لا يكون فقدان الموارد، بل فقدان الأفق
يمكن للدولة أن تعوض طريقًا لم يُبنَ، ومشروعًا تعثر، واستثمارًا لم يتحقق. لكن هناك خسائر أكثر عمقًا لا تظهر في الحسابات: خسارة الثقة، وخسارة المواهب، وخسارة الرغبة في المستقبل.
وهنا يصبح الشباب هو الاختبار الحقيقي.
ليست المشكلة في أن شابًا يريد الهجرة؛ فالهجرة قد تكون اختيارًا طبيعيًا وطموحًا مشروعًا. المشكلة تبدأ عندما تتحول إلى تصور جماعي بأن المستقبل الحقيقي يوجد في مكان آخر.
عندما يصبح السؤال لدى الشاب: «كيف أخرج؟» قبل أن يكون: «كيف أبني؟»، فالمسألة لم تعد مسألة تشغيل فقط. إنها مسألة تتعلق بعلاقة الجيل الجديد بوطنه.
الشاب لا يبحث عن وظيفة فحسب. إنه يبحث عن فرصة، واعتراف، وعدالة، وكرامة، وقدرة على تحويل موهبته إلى حياة ذات معنى.
وإذا شعر بأن المعرفة وحدها لا تكفي، وأن العلاقات أهم من الكفاءة، وأن الأبواب الكبرى تُفتح لمن يملك الوصول لا لمن يملك القدرة، فإن المجتمع لا يخسر فرصة اقتصادية فقط؛ بل يبدأ في إعادة تشكيل سلوكه على أساس فقدان الثقة في الاستحقاق.
وهنا تكمن المفارقة: قد تنجح الدولة في بناء الطرق والموانئ والمشاريع، لكنها إذا لم تستطع بناء أفق مقنع للإنسان المغربي فإن جزءًا من قوتها المادية سيظل منفصلًا عن قوتها الاجتماعية.
والأخطر أن فقدان الأفق قد يتحول إلى فقدان للرأس المال البشري. أفضل الموهوبين يبحثون عن بيئات تمنحهم مجالًا أوسع للتجربة والمبادرة، والمجتمع الذي يفقد هذه الفئة لا يخسر أشخاصًا فقط، بل يخسر الشركات التي لم تُنشأ، والأفكار التي لم تُختبر، والاختراعات التي لم تظهر.
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: كم وظيفة نخلق؟
بل:
هل يستطيع الشاب المغربي أن يرى في وطنه مكانًا يمكن أن يصبح فيه ما يريد أن يكونه؟
وهنا تتقاطع الثقة مع التنمية، والتنمية مع الاستقرار، والاستقرار مع الأمن الوطني.
ومن هذه الزاوية أيضًا ينبغي فهم محاولات اختراق النسيج المجتمعي وإثارة النزعات الإثنية والهوياتية. فالمجتمع المنقسم أسهل تأثيرًا من المجتمع المتماسك، والمجتمع فاقد الثقة أكثر قابلية للتشكيك في مؤسساته، والشباب فاقد الأفق أكثر قابلية للبحث عن معنى خارج المشروع الوطني.
المناعة الوطنية تبدأ إذن قبل الحدود؛ تبدأ داخل وعي المجتمع نفسه.
ثالثًا: الامتحان الحقيقي ليس امتلاك النخب، بل امتلاك عقل استراتيجي بحجم التحول
هنا نصل إلى السؤال الذي قد يكون أكثر إزعاجًا من كل الأسئلة السابقة:
هل المشكلة أن المغرب يفتقر إلى الكفاءات، أم أنه لا يمتلك بالقدر الكافي الآليات التي تحول الكفاءات إلى رؤية وقرار؟
المغرب لا يخلو من العلماء والمهندسين والاقتصاديين والدبلوماسيين والباحثين ورجال الأعمال والمفكرين والخبرات الأمنية والاستراتيجية. كما يمتلك ملايين الكفاءات المغربية في الخارج.
لكن وجود الكفاءات لا يعني بالضرورة وجود نخبة استراتيجية.
فالنخبة التي تحتاجها المرحلة ليست طبقة اجتماعية، ولا مجموعة من الأشخاص الأقرب إلى مراكز القرار، ولا مجموعة من المتخصصين كل في مجاله.
النخبة، بالمعنى الاستراتيجي، هي:
القدرة الجماعية على إنتاج الرؤية والمعرفة والقرار.
وهذه القدرة تتطلب شيئًا مختلفًا: أن نستطيع الجمع بين ما نفصله عادة.
أن نفكر في الاقتصاد والجغرافيا السياسية معًا.
في الذكاء الاصطناعي والسيادة معًا.
في الماء والأمن معًا.
في التعليم ومستقبل العمل معًا.
في الهجرة ورأس المال البشري معًا.
في الشباب والمناعة الوطنية معًا.
وفي الداخل والخارج باعتبارهما مسرحًا واحدًا لصناعة القوة.
المشكلة أن المؤسسات قد تنجح في إدارة الملفات، لكنها لا تستطيع دائمًا أن ترى الصورة المركبة التي تنتجها الملفات مجتمعة.
وهنا يكمن الفرق بين الإدارة والاستراتيجية.
الإدارة تسأل: كيف نعالج المشكلة؟
أما التفكير الاستراتيجي فيسأل:
لماذا ظهرت هذه المشكلة؟ وما المشكلات التي ستنتج عنها؟ ومن المستفيد من استمرارها؟ وما الذي سيحدث إذا لم نتدخل؟ وما الفرص التي يمكن أن نخلقها من داخلها؟
إن الدولة التي تنتظر ظهور الخطر لكي تتحرك ستظل دائمًا متأخرة خطوة.
أما الدولة الاستراتيجية فهي التي تحاول أن ترى الخطر وهو لا يزال احتمالًا، وأن ترى الفرصة قبل أن تتحول إلى سباق دولي.
ولهذا لا يحتاج المغرب فقط إلى نخبة جديدة، بل إلى طريقة جديدة لإنتاج النخبة.
نظام تعليمي يكافئ التفكير لا الحفظ.
مؤسسات تكتشف الموهبة قبل أن تهاجر.
فضاء عام يسمح بالنقاش الجاد.
مراكز تفكير تربط المعرفة بالقرار.
آليات تستفيد من الكفاءات المغربية في الداخل والخارج.
وثقافة سياسية تعتبر السؤال الصعب خدمة للوطن، لا تهديدًا له.
لأن أخطر شيء يمكن أن يحدث لأي دولة هو أن تصبح الأسئلة الاستراتيجية أقل جرأة من التحولات التي تواجهها.
الخلاصة: من يدير حاضر المغرب؟ ومن يصنع مستقبله؟
قد يكون الخطأ الأكبر أن نقيس قوة المغرب بعدد مؤسساته، أو حجم مشاريعه، أو معدلات نموه، أو قدرته على تجاوز الأزمات الآنية.
القوة الحقيقية تظهر عندما يتغير العالم.
هل تستطيع الدولة أن تتغير قبل أن تُجبر على التغير؟
وهنا يصبح الامتحان التاريخي للمغرب امتحان نخبة قبل أن يكون امتحان مؤسسات.
فالمغرب يحتاج إلى نخبة لا تكتفي بقراءة ما حدث، بل تستشرف ما يمكن أن يحدث؛ لا تدير الأزمات فقط، بل تمنع بعضها من أن يصبح أزمات؛ لا ترى الشباب باعتباره مشكلة تشغيل، بل باعتباره القوة التي سيصنع بها الوطن مستقبله؛ ولا ترى السيادة باعتبارها حماية للحدود فقط، بل حماية لقدرة المجتمع على إنتاج قراره ومعرفته وثروته.
إن أخطر تهديد ليس أن نخسر معركة محددة.
الأخطر أن ندخل المستقبل بعقل ما زال يعيش في الماضي.
وعندها قد لا تكون المشكلة أن الآخرين أقوى منا، بل أننا لم نكتشف قوتنا قبل أن يكتشف الآخرون نقاط ضعفنا.
لهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يواجه المغرب اليوم ليس:
هل لدينا نخبة؟
بل:
هل لدينا نخبة تستطيع أن ترى ما لا يظهر بعد، وأن تفهم ما يجري قبل أن يكتمل، وأن تحول المعرفة إلى قرار، والقرار إلى قدرة، والقدرة إلى مستقبل؟
فإذا كانت الإجابة نعم، فإن التحولات الكبرى التي تخيفنا اليوم يمكن أن تصبح مصادر قوة.
أما إذا كانت الإجابة لا، فإن الخطر الحقيقي لن يكون أن نفقد بعض الفرص.
الخطر أن يتشكل مستقبل المغرب من حوله، بينما يظل هو مشغولًا بإدارة حاضره.
وهذه ليست مشكلة نخبة فقط.
إنها مسألة بقاء استراتيجي في عالم لا ينتظر أحدًا.
(*) أستاذ الدراسات المستقبلية والشؤون الدولية ورئيس مركز مكين للذكاء الاستراتيجي – الرباط
