حين يهاجر الأمل… ويصمت المعنى

مشاهد الهجرة الجماعية تعكس انهيار المعنى لدى فئات واسعة من المجتمع

بقلم: د. محمد السنوسي (*)..

لم تعد مشاهد الهجرة الجماعية التي اجتاحت الفضاء الرقمي في الأيام الأخيرة مجرد وقائع صادمة تُستقبل بالحزن وتُطوى بالنسيان. نحن أمام لحظة كاشفة، لحظة تتعرّى فيها الأسئلة الكبرى التي ظلّت مؤجلة طويلًا. فحين تختار عائلات بأكملها، لا أفرادًا فقط، أن تركب البحر بكل ما يحمله من مخاطر، فإن الأمر لا يتعلق برغبة في تحسين شروط العيش فحسب، بل يعكس حقيقة أكثر قسوة: أن الإيمان بإمكانية الحياة هنا قد تآكل إلى حدّ الانهيار.

هذا ليس حدثًا عابرًا… بل علامة على أن شيئًا عميقًا قد انكسر في علاقة الإنسان بوطنه.

  1.  حين يفقد الواقع معناه… يصبح الهروب خيارًا عقلانيًا

في المجتمعات التي تحتفظ بحد أدنى من المعنى، يظل الأمل— حتى وإن كان هشًا —كافيًا لإبقاء الناس في أماكنهم. أما حين يتآكل هذا المعنى، فإن كل شيء يعاد ترتيبه في وعي الأفراد: تصبح المخاطر مقبولة، والمجهول أقل رعبًا من الواقع، ويتحوّل الهروب من استثناء إلى خيار عقلاني.

ما نشهده اليوم ليس انفجار رغبة في الهجرة، بل انطفاء الرغبة في البقاء.

حين يقبل شاب أن يضع حياته على حافة الغرق، فذلك لا يعني أنه لا يخاف الموت، بل يعني أنه لم يعد يرى في الحياة التي يعيشها ما يستحق الخوف عليه.
وحين ترافقه أسرته، فذلك إعلان جماعي بأن الأزمة لم تعد فردية، بل تحولت إلى شعور مشترك بانسداد الأفق.

المشكلة إذن ليست في البحر… بل في اليابسة.
ليست في الطريق… بل في الوجهة التي فقدت جاذبيتها.

وهنا نصل إلى جوهر القضية:
لسنا أمام أزمة اقتصادية فقط، ولا أمام خلل اجتماعي ظرفي، بل أمام أزمة معنى شاملة، حيث لم تعد السياسات العمومية قادرة على إقناع الناس بأن لهم مكانًا في المستقبل الذي يُبنى.

  •  مسؤولون بلا معنى…… حين تتحول السلطة إلى ظلٍّ للمصالح

إذا كانت مشاهد الهجرة الجماعية تعكس انهيار المعنى لدى فئات واسعة من المجتمع، فإن ما يكشفه ردّ الفعل الرسمي—أو بالأحرى غيابه—أشد خطورة: فقدان المعنى في قلب السلطة نفسها. لم يعد الأمر يتعلق فقط بعجز عن التدبير، بل بتحول عميق في طبيعة المسؤولية، حيث لم تعد تُمارس كواجب، بل كامتياز انتقائي يُفعل حين يخدم المصالح ويُعطل حين يستدعي التضحية.

في اللحظات التي يُفترض أن ترتفع فيها وتيرة اليقظة السياسية، وأن تُفتح قنوات الإنصات، وأن تُتخذ قرارات بحجم الألم الجماعي، يسود صمت بارد، صمت لا يشبه الحياد بقدر ما يشبه الانسحاب من الواقع. وكأن ما يحدث لا يقع داخل نفس الجغرافيا، ولا يعني نفس الدولة، ولا يمس نفس المجتمع.

هذا الصمت ليس عارضًا… بل نتيجة مباشرة لنمط حكم لم يعد يرى في الإنسان أولوية، بل تفصيلاً خارج حسابات التموقع.

نحن أمام معادلة مقلوبة:

  • حضور مكثف حين يتعلق الأمر بإدارة النفوذ وتقاسم المواقع،
  • وغياب شبه تام حين يتعلق الأمر بمواجهة الأزمات الإنسانية.

مسؤولون يتحركون بدقة داخل دوائرهم الضيقة،
يرتبون تحالفاتهم،
يعيدون رسم مواقعهم استعدادًا للاستحقاقات المقبلة،
ويستثمرون الزمن السياسي كأنه ملكية خاصة…

لكنهم، في المقابل، يتوارون حين يهتز المجتمع،
ويصمتون حين يُطلب منهم تفسير ما لا يمكن تبريره.

هذا التناقض لم يعد خفيًا، بل أصبح بنيويًا.
فالحكومة التي يُفترض أن تكون في قلب الحدث، تحولت إلى فاعل انتقائي:
حاضر حين تكون الكلفة منخفضة والمكاسب مضمونة،
وغائب حين ترتفع الكلفة ويصبح القرار مسؤولية تاريخية.

  • حين تفشل الحكومة… لا تبقى النتائج في التقارير بل في المآسي

لم يعد بالإمكان فصل ما يحدث عن حصيلة سياسات فشلت في إنتاج الأمل.
فالهجرة الجماعية ليست حادثًا عرضيًا، بل أحد أبرز مخرجات هذا الفشل.

حين تغيب العدالة في توزيع الفرص،
وحين تتسع الفجوة بين الخطاب والواقع،
وحين يشعر المواطن أن وجوده لا يدخل في معادلة القرار…

فإن النتيجة لا تبقى حبيسة الأرقام أو التقارير،
بل تتحول إلى سلوك جماعي:
انسحاب، يأس، ثم هروب.

بهذا المعنى، ما نشهده اليوم ليس فقط أزمة هجرة،
بل ترجمة ميدانية لفشل سياسي متراكم.

فالحكومة التي لا تنتج أملًا،
تنتج بديله:
الإحباط،
ثم القطيعة،
ثم المغادرة.

  • أزمة مسؤولية… أم انهيار في تعريفها؟

هنا يتجاوز النقاش حدود الأداء إلى جوهر المفهوم.
نحن لم نعد أمام خلل في السياسات فقط، بل أمام أزمة في تعريف المسؤولية نفسها.

حين تتحول المسؤولية إلى موقع يُحمى بدل أن تكون عبئًا يُحمل،
وحين تصبح السياسة إدارة علاقات لا قيادة مصير،
وحين يُختزل الزمن العمومي في حسابات انتخابية ضيقة…

فإن النتيجة الطبيعية هي ما نراه اليوم:

  • فراغ في القرار،
  • فراغ في الرؤية،
  • وفراغ أخطر… في المعنى.

وهذا الفراغ لا يبقى محايدًا،
بل يُملأ تلقائيًا باليأس،
ويُترجم اجتماعيًا في أشكال انسحاب قاسية،
أقساها أن يختار الناس مغادرة كل شيء.

ما يحدث اليوم ليس مفاجأة،
بل نتيجة منطقية لمسار طويل من إدارة بلا روح،
وسياسة بلا أفق،
ومسؤولية بلا معنى.

وحين تصل الأمور إلى هذا الحد،
لا يصبح السؤال: لماذا يهاجر الناس؟
بل: لماذا يبقى من تبقى؟

  • من فراغ داخلي إلى ارتدادات خارجية… حين تُصدَّر الأزمة

الفراغ لا يبقى ساكنًا… بل يتمدّد.
وما يبدأ كأزمة داخلية، سرعان ما يتحول إلى إشكال يتجاوز الحدود.

الهجرة الجماعية لم تعد شأنًا محليًا يمكن احتواؤه بخطاب داخلي، بل أصبحت:

  • مصدر توتر مع دول الجوار،
  • مادة لصعود خطاب عدائي تجاه المهاجرين،
  • وعامل ضغط على صورة البلاد وموقعها الدولي.

وهكذا، يتحول الإخفاق في إنتاج معنى داخلي إلى عبء خارجي،
وتصبح الدولة مطالبة بالدفاع عن وضع لم تستطع معالجته في الأصل.

لكن الأخطر من كل ذلك هو أن استمرار هذا المسار يعمّق الفجوة:
فكل موجة هجرة جديدة لا تُضعف فقط الثقة، بل تُعيد إنتاج اليأس،
وتؤكد لمن بقي أن القرار الذي اتخذه الآخرون لم يكن استثناءً.

خاتمة: حين يهاجر الأمل… من يملأ هذا الفراغ؟

الأوطان لا تُقاس فقط بما تُنجزه من مشاريع، ولا بما تحققه من مؤشرات،
بل بما تمنحه لمواطنيها من إحساس بالجدوى، والانتماء، وإمكانية المستقبل.

وما نراه اليوم هو تآكل هذا الإحساس بشكل مقلق.

حين يهاجر الأمل،
ويصمت المسؤول،
ويتحول الوطن إلى فضاء بلا أفق…

فإن السؤال لم يعد عن الهجرة،
بل عن المعنى الذي يجعل البقاء ممكنًا.

ذلك هو التحدي الحقيقي.
وذلك هو الفراغ الذي لا يمكن ملؤه بالشعارات،
بل فقط بسياسات تعيد للإنسان مكانته… وللمسؤولية معناها.

(*) أستاذ الدراسات المستقبلية والشؤون الدولية ورئيس مركز مكين للذكاء الاستراتيجي – الرباط

زر الذهاب إلى الأعلى