
بقلم: د. محمد السنوسي..
ليست القيمة الحقيقية للمسودة التي وُقِّعت أمس بين الولايات المتحدة وإيران في كونها مجرد وثيقة تقنية تُنظّم الملف النووي أو ترتيبات الملاحة في مضيق هرمز، بل في كونها لحظة مفصلية تُعلن بداية إعادة تشكيل “المعنى الاستراتيجي” نفسه في الشرق الأوسط.
وقد رغبت من خلال هذه القراءة الأولية في تفكيك ما جرى أمس لا بوصفه حدثاً دبلوماسياً عادياً، بل بوصفه تحوّلاً في قواعد التفكير الاستراتيجي: لحظة يُعاد فيها تعريف الحرب لا كفعل، بل كمنظومة، ويُعاد فيها صياغة مفاهيم المنتصر والردع وحدود السلام والصراع.
فالمسألة هنا لا تتعلق فقط بوقف حرب، بل بسؤال أعمق وأكثر حدة: من يُعيد تعريف الحرب نفسها؟ ومن يملك سلطة تحديد أين يبدأ السلام وأين ينتهي الصراع؟
ومن ثمّ، فإن الإشكالية التي يفرضها هذا التطور ليست تقنية أو إجرائية، بل إشكالية وجودية-استراتيجية بامتياز: هل نحن أمام نهاية منطق الحرب كما عرفناه، أم أمام انتقاله إلى شكل جديد أكثر مرونة وخفاءً، يُدار عبر الاقتصاد والقانون والوقت بدل السلاح المباشر؟
أولاً: من الحرب كفعل إلى الحرب كنظام معنى
ما تكشفه هذه المسودة ليس تسوية بين خصمين فحسب، بل تحولاً أعمق: انتقال الحرب من كونها فعلاً عسكرياً مباشراً إلى كونها بنية لإدارة العالم عبر النصوص.
في هذا التحول، لم تعد الحرب تُحسم في الميدان، بل تُعاد صياغتها داخل:
- بنود قانونية
- جداول زمنية
- التزامات متبادلة
- وآليات تنفيذ مؤجلة
إننا أمام انتقال من “الحرب كتصادم” إلى “الحرب كإدارة اختلاف”.
في هذا السياق، يصبح مفهوم “الانتصار” نفسه مفهوماً لغوياً قبل أن يكون مادياً. فكل طرف لا يقاتل فقط على الأرض، بل على القدرة على فرض تعريفه الخاص للواقع داخل نص الاتفاق.
إيران، في هذا الإطار، لا تسعى فقط إلى تخفيف العقوبات، بل إلى تثبيت سردية استراتيجية أعمق: أنها خرجت من حرب كان هدفها المعلن إسقاط النظام، لكنها لم تُسقط، بل تحولت إلى طرف معترف به في معادلة التفاوض.
أما الولايات المتحدة، فهي تحاول إعادة تحويل تعقيد الصراع إلى “نجاح قابل للتسويق”: منع التسلح النووي، إعادة فتح الممرات، وضبط الإقليم دون الانخراط في حرب مفتوحة.
هكذا يتحول الاتفاق إلى ساحة صراع على المعنى لا على الجغرافيا.
ثانياً: الزمن كأداة ضغط – وهم الـ60 يوماً
أحد أكثر عناصر المسودة دلالة هو اختزال المسار التفاوضي في 60 يوماً.
في التحليل الاستراتيجي، الزمن ليس إطاراً محايداً، بل عنصر قوة بحد ذاته. لكن في هذا الاتفاق، يتحول الزمن إلى ما يمكن تسميته: “هندسة الوهم الزمني للحسم”.
فهل يمكن فعلاً تفكيك صراع امتد لعقود في مهلة إجرائية قصيرة؟
أم أن هذا الاختزال لا يعكس قدرة على الحل، بل رغبة في إدارة الأزمة بسرعة قبل أن تتفاقم؟
الاحتمال الأقرب أن الزمن هنا لا يُستخدم للحل، بل لإعادة توزيع الضغط:
تسريع التفاوض، مع إبقاء جذور الصراع معلقة.
وبذلك، يصبح الزمن ليس طريقاً نحو السلام، بل وسيلة لتأجيل الانفجار ضمن إطار منظم.
ثالثاً: مضيق هرمز – من ممر مائي إلى جهاز تحكم استراتيجي
في ظاهر الأمر، يتعلق مضيق هرمز بفتح الملاحة. لكن في عمقه، يمثل المضيق نقطة ارتكاز في هندسة النظام العالمي للطاقة.
فالمسودة لا تتعامل مع المضيق كجغرافيا، بل كـأداة سيادية لإنتاج النفوذ.
فتح أو إغلاق المضيق لا يعني فقط تدفق النفط، بل يعني التحكم في:
- إيقاع الاقتصاد العالمي
- أسعار الطاقة
- هشاشة الأسواق الدولية
بهذا المعنى، يصبح المضيق ليس مجرد ممر، بل “رافعة قوة استراتيجية”.
والمفارقة أن الاتفاق لا ينزع هذه الرافعة من يد إيران، بل يعيد تنظيم شروط استخدامها. أي أنه لا يُلغي القدرة على التعطيل، بل يُقننها ويؤجلها.
وهنا يتحول الجغرافيا إلى لغة تفاوض دائمة، لا إلى فضاء محايد.
رابعاً: الاقتصاد كإعادة هندسة للصراع
البعد الاقتصادي في المسودة – رفع العقوبات، تحرير الأصول، وتمويل إعادة الإعمار – لا يمكن قراءته كتسويات مالية فقط، بل كتغيير في فلسفة الحرب نفسها.
فبدلاً من منطق:
“إخضاع الخصم بالقوة”
ننتقل إلى منطق:
“إعادة إدماج الخصم داخل النظام الاقتصادي العالمي”
لكن هذا التحول لا يخلو من مفارقة استراتيجية عميقة:
هل الاقتصاد هنا أداة سلام فعلاً، أم شكل أكثر تطوراً من الاحتواء غير العسكري؟
بمعنى آخر:
هل نحن أمام نهاية العقوبات؟ أم أمام تحويل الاقتصاد إلى ساحة ضبط ناعمة للصراع؟
في هذا السياق، يصبح المال ليس مكافأة، بل وسيلة لإعادة تشكيل السلوك السياسي.
خامساً: الملف النووي – إدارة الغموض بدل إنتاج الحسم
الملف النووي، الذي يفترض أنه جوهر الصراع، لم يُحسم بل أُعيد تفكيكه إلى مساحات تأجيل.
القضايا الأساسية:
- التخصيب
- المخزون
- التفتيش
- آليات الرقابة
لم تُغلق، بل رُحّلت إلى “الاتفاق النهائي”.
هذا يعني شيئاً بالغ الأهمية في منطق الاستراتيجية:
لم يعد الهدف حل المشكلة، بل إعادة توزيعها عبر الزمن والمؤسسات التقنية.
وبذلك يتحول الصراع النووي من أزمة سياسية إلى مسار تفاوضي دائم، يُدار بالتدرج لا بالحسم.
سادساً: غياب الملفات الثقيلة – تفكيك مركز الصراع
غياب ملفي الصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي لا يمكن قراءته كفراغ في بنية الاتفاق، بل كاختيار استراتيجي مقصود يعكس طريقة جديدة في إدارة الصراعات المعقدة. فبدلاً من مقاربة شاملة تحاول تفكيك كل عناصر التوتر دفعة واحدة، يتم الانتقال إلى منطق أكثر براغماتية يقوم على إعادة هندسة الصراع نفسه عبر تقسيمه إلى ملفات منفصلة.
في هذا التصور، لا يعود الصراع كتلة واحدة مترابطة، بل يتحول إلى مجموعة وحدات مستقلة نسبياً: الملف النووي، الملاحة، العقوبات، الترتيبات الاقتصادية، وغيرها. هذا التفكيك يمنح العملية التفاوضية قدرة أكبر على الحركة، لأنه يسمح بعزل القضايا الأكثر تفجراً عن بعضها البعض، وتجنب انهيار شامل قد ينتج عن ربط كل الملفات ببعضها.
لكن الأهم أن هذا النوع من التفكيك لا يعني حلّ جذور الصراع، بل يعني إعادة تنظيمه داخل قنوات يمكن التحكم فيها. فبدلاً من معالجة أسباب التوتر العميقة، يتم توزيعها على مسارات تفاوضية متعددة، بحيث يصبح كل ملف قابلاً للتجميد، أو التمديد، أو التعديل دون المساس بالبنية العامة للتفاهم.
وهنا تظهر المفارقة الاستراتيجية الجوهرية: فكلما نجح هذا النموذج في تفكيك الصراع إلى وحدات أصغر وأكثر تخصصاً، كلما ابتعد عن فكرة “الحسم النهائي” الذي يُنهي الأزمة جذرياً، واقترب أكثر من منطق “الإدارة المستمرة” الذي يُبقيها تحت السيطرة دون إنهائها.
سابعاً: من الردع إلى إدارة التعايش القسري
إذا جمعنا عناصر الاتفاق، فإننا لا نصل إلى سلامٍ كلاسيكي مكتمل، ولا إلى حربٍ مفتوحة تتجه نحو الحسم، بل إلى صيغة ثالثة أكثر تعقيداً وتداخلاً: نظام إدارة التعايش القسري منخفض التصعيد.
يمكن فهم هذا النموذج باعتباره انتقالاً عميقاً من منطق الحرب والسلام التقليديين إلى مساحة وسطية جديدة، لا تنتمي بالكامل لأيٍّ منهما. فهو ليس سلاماً مستقراً يُنهي جذور الصراع، ولا حرباً مفتوحة تُحسم فيها المواجهة، بل حالة وسيطة تُدار فيها التناقضات بدل أن تُزال. إنه وضع تُبقي فيه الأطراف على الخلاف قائماً، ولكن ضمن حدود مضبوطة تمنع انفلاته إلى مواجهة شاملة
هذا المفهوم، في جوهره، يعني أن الصراع لم يُحلّ فعلياً، لكنه أيضاً لم يعد قابلاً للانفجار الشامل. إنه شكل من الاستقرار المشروط، يُبنى على ضرورة التعايش لا على القبول به. فالأطراف، مثل الولايات المتحدة وإيران، لا تتحرك بدافع التوافق، بل بدافع إدراك أن كلفة المواجهة الشاملة أصبحت أعلى من القدرة على تحملها. لذلك يُفرض التعايش كواقع لا كخيار.
أما وصف “منخفض التصعيد” فلا يعني غياب التوتر، بل يعني ضبطه داخل حدود محسوبة تمنع انفلاته إلى حرب مفتوحة. فالتصعيد هنا لا يختفي، بل يُدار ويُقنن ويُبقي الصراع في مستوى يمكن التحكم به. وكأن النظام كله يعمل على خفض حرارة التوتر دون إطفائه بالكامل، بحيث يبقى الصراع موجوداً ولكن دون أن يصل إلى نقطة الانفجار.
ومن هذا المنظور، يتضح أن هذا النموذج يقوم على معادلة دقيقة: لا حرب شاملة، لأن كلفتها أصبحت باهظة على الجميع، ولا سلام نهائي، لأن جذور الخلاف لم تُعالج بعد. فالقضايا الجوهرية، سواء كانت نووية أو إقليمية أو مرتبطة بموازين النفوذ، ما زالت قائمة، لكنها مؤجلة أو مُدارة بدل أن تُحسم.
هكذا يتحول الصراع إلى حالة “مقيدة” وليس “محسومة”. أي أنه لا يُترك ليبلغ نهايته الطبيعية، ولا يُغلق جذرياً، بل يُجزأ ويُضبط ويُعاد توزيع توتره داخل قنوات محددة. في المقابل، يصبح التوتر نفسه جزءاً من النظام، لا خللاً فيه. فهو لا يُزال بالكامل، بل يُدار بحيث لا يخرج عن السيطرة.
وهنا يحدث التحول الأعمق: الانتقال من منطق “الحسم” إلى منطق “الإدارة”. فبدلاً من السعي لإنهاء الصراع، يصبح الهدف هو التحكم في إيقاعه، وتحديد حدوده، ومنع انفلاته. لم يعد النجاح يقاس بمن ربح أو خسر، بل بقدرة النظام على البقاء مستقراً رغم استمرار التناقضات داخله.
في هذا السياق، يصبح معيار النجاح نفسه مختلفاً. فاستمرار الصراع دون انهيار قد يُعتبر إنجازاً، وإبقاء التوتر تحت السيطرة قد يُعتبر استقراراً، حتى لو لم تُحل جذور الأزمة. أي أن السياسة تتحول من فن إنهاء الأزمات إلى فن إدارتها.
وهكذا، لا نكون أمام نظام سلام حقيقي، ولا أمام حرب مفتوحة، بل أمام حالة وسطية معقدة: صراع مستمر لكنه مضبوط، توتر دائم لكنه غير منفلت، واقع لا يُحسم بل يُدار. وهو ما يجعل هذا النموذج أقرب إلى نظام طويل الأمد لإدارة عدم اليقين، حيث تصبح القدرة على التحكم في الصراع أهم من القدرة على إنهائه.
ثامناً: إسرائيل – حسابات الزجاجة الضيقة ومناورة البقاء داخل اختناق استراتيجي
في خلفية هذا التحول البنيوي بين الولايات المتحدة وإيران، تبرز إسرائيل كفاعل يجد نفسه اليوم داخل مساحة استراتيجية أشبه بـ“الزجاجة الضيقة”، حيث تتقلص هوامش الحركة وتتسع التهديدات في الاتجاهات كافة في آن واحد.
حسابات إسرائيل في هذا السياق لم تعد تقوم على منطق المبادرة الحرة أو القدرة على فرض الإيقاع الإقليمي، بل على منطق إدارة الاختناق الاستراتيجي: كيف يمكن منع تشكّل تفاهمات كبرى تُعيد تعريف ميزان القوة دون إشراكها، وفي الوقت نفسه تجنب الانخراط في مواجهة مفتوحة متعددة الجبهات قد تفوق كلفتها قدرة التحمل.
فكلما اتجهت الأطراف الكبرى إلى تثبيت مسارات تفاوضية مباشرة أو غير مباشرة، تزداد خشية إسرائيل من أن تتحول من “فاعل مركزي في هندسة الإقليم” إلى “متغير مُدار داخل معادلة تُصاغ في مكان آخر”. وهذا ما يفسر حالة المناورة المستمرة التي تعتمدها: مزيج من الضغط السياسي، والتحرك الأمني المحدود، ومحاولة التأثير على مسارات القرار داخل واشنطن، بهدف منع ترسخ أي بنية اتفاق تُقصيها أو تُقلص وزنها النسبي.
لكن المعضلة الأعمق أن إسرائيل تجد نفسها أمام بيئة استراتيجية لم تعد تُدار بمنطق الجبهات الثنائية، بل بمنطق الشبكات المتداخلة والتفاهمات الجزئية. وهذا ما يجعل قدرتها على “الحسم الوقائي” أكثر صعوبة، ويحول أدواتها التقليدية من أدوات تشكيل للواقع إلى أدوات رد فعل على واقع يُصاغ تدريجياً خارجها.
وهنا تكمن المفارقة: فكلما توسعت هندسة التفاهمات بين الولايات المتحدة وإيران، كلما ضاقت مساحة المناورة الإسرائيلية، لتتحول من فاعل يريد إعادة تشكيل البيئة الإقليمية إلى فاعل يسعى إلى عدم الانزلاق داخل بيئة تُعاد صياغتها من دون قدرته على التحكم الكامل بها.
وبهذا المعنى، تصبح إسرائيل في هذا المشهد ليست خارج المعادلة، بل داخلها، ولكن في موقع “الضغط المستمر”: ليست خارج الصراع ولا قادرة على حسمه، بل عالقة في قلب توازن دقيق يتشكل دون أن تملك وحدها القدرة على تعريف اتجاهه النهائي.
خاتمة: من ينتصر عندما لا تنتهي الحرب؟
السؤال الجوهري لم يعد: من ربح الصفقة؟
بل: من نجح في تثبيت تعريفه للواقع داخلها؟
في هذا المستوى العميق، يتحول الاتفاق إلى إعادة صياغة كاملة لمفاهيم القوة:
- الحرب ليست نهاية، بل شكل إدارة
- الردع ليس منعاً، بل تنظيم مخاطر
- والانتصار ليس إسقاط الخصم، بل البقاء داخل اللعبة أطول فترة ممكنة
وهكذا، فإن الإشكالية الكبرى لا تكمن في توقيع الاتفاق ذاته، بل في التحول البنيوي الذي يشير إليه:
عالم تُدار فيه الصراعات دون أن تُحسم، وتُبنى فيه التوازنات دون أن تُغلق جذورها.
إنه ليس سلاماً كاملاً ولا حرباً كاملة…
بل منطقة رمادية تتحول من استثناء إلى نظام عالمي جديد للشرق الأوسط: نظام إدارة المعنى بدل إدارة الحسم.
(*) أستاذ الدراسات المستقبلية والشؤون الدولية ورئيس مركز مكين للذكاء الاستراتيجي – الرباط
