المغرب على حافة الاختبار: هل نُنتج نخبة… أم نُعيد هندسة الفراغ؟

حين تغيب الرؤية المؤطرة للفعل السياسي، تتحول الانتخابات تدريجيًا من كونها أداة محتملة للتغيير، إلى مجرد تقنية لإعادة إنتاج نفس البنية القائمة، وإن بوجوه مختلفة.

بقلم: د. محمد السنوسي (*)..

في سياق الإعداد للاستحقاقات التشريعية المقبلة، وتكملةً لما تم تناوله في مقال سابق حول “الكتلة الصامتة” في المغرب، يتأسس سؤال هذا المقال على فرضية مركزية مفادها أن السؤال التقليدي الذي يهيمن على النقاش اليوم لم يعد كافيًا لفهم عمق اللحظة السياسية.

فلم يعد السؤال المطروح في المغرب هو: من سيفوز في الانتخابات؟
هذا السؤال، رغم حضوره القوي في الإعلام والخطاب السياسي، بات قاصرًا عن استيعاب حقيقة ما يجري، لأنه يختزل العملية السياسية في لحظة النتائج النهائية، ويُغفل ما هو أعمق وأكثر أهمية: كيف تُصنع هذه النتائج أصلًا؟ وعلى أي أرضية فكرية ومجتمعية وسياسية يتم إنتاجها؟

السؤال الحقيقي، الذي ينبغي أن يتصدر النقاش العمومي، هو:
أيّ عقل نُدخله إلى مؤسسات القرار؟
وأيّ تصور للسياسة نسمح له بأن يتحكم في مصير الدولة والمجتمع؟

بمعنى آخر: نحن لا نناقش فقط الأشخاص الذين سيتولون المسؤولية، بل نناقش طبيعة “المنطق” الذي سيحكم القرار العمومي، ونوعية “المعنى” الذي سيؤطر الفعل السياسي خلال السنوات المقبلة.

نحن، في العمق، لا نعيش أزمة انتخابية بالمعنى التقني أو الإجرائي،
بل نعيش أزمة أكثر جذرية: أزمة في بنية الوعي السياسي ذاته.
وهي أزمة تتجلى في مستويين متداخلين: أزمة معنى، وأزمة نخبة.

أزمة المعنى، لأن السياسة لم تعد تُفهم باعتبارها مشروعًا جماعيًا لبناء المستقبل، بل كفضاء تنافسي محدود تُدار فيه المصالح، وتُعاد فيه صياغة التوازنات بشكل متكرر دون أفق واضح.
وأزمة النخبة، لأن جزءًا مهمًا من الفاعلين الذين يتصدرون المشهد لا يعكسون بالضرورة إنتاجًا فكريًا أو سياسيًا متماسكًا، بقدر ما يعكسون ديناميات ظرفية تُنتج تمثيلية لا توازي دائمًا حجم التحديات المطروحة.

ومن هنا، فإن الاستحقاقات القادمة لا يمكن النظر إليها كموعد انتخابي عادي داخل دورة سياسية روتينية، بل كلحظة كاشفة بامتياز: لحظة تُظهر بوضوح حدود النموذج السياسي الحالي، وتطرح سؤالًا حاسمًا حول قدرته على الاستمرار بنفس الأدوات والمنطق.

فإما أن ننجح في إعادة الاعتبار للسياسة كفعل نبيل، يقوم على المعنى والرؤية والاستشراف والمسؤولية التاريخية،
وإما أن نستمر في تكريسها كآلية باردة لإعادة توزيع الغنائم، حيث تُختزل الدولة في تدبير المصالح، ويُختزل التمثيل في إدارة توازنات ظرفية لا تُنتج أثرًا عميقًا في حياة المجتمع.

إن خطورة اللحظة الراهنة لا تتجلى فقط فيما ستسفر عنه نتائج الانتخابات المقبلة، بل في نوعية الأسئلة التي نملك الجرأة على طرحها قبل الوصول إلى تلك اللحظة.

هل ما زلنا قادرين على إنتاج سياسة تفكر في المستقبل، وتنصت بجدية لتطلعات المجتمع في مجالات التعليم العمومي والصحة والعدالة الاجتماعية والمناخية، وتستجيب لطموحه في سيادة وطنية ومواطَنة مكتملة المعنى؟
أم أننا سنكتفي، في المقابل، بسياسة تُدبّر الحاضر بأدوات متهالكة، وتكتفي بإدارة الأزمات بدل تجاوزها؟

إنها لحظة مفصلية، لأن ما يُحسم فيها ليس فقط من سيحكم، بل كيف سنفهم الحكم نفسه، وما إذا كنا سنظل نعيد إنتاج نفس الدائرة، أم سنبدأ في كسر منطقها من الجذور.

حين تتحول الانتخابات إلى تقنية لإعادة الإنتاج

لقد اعتدنا، عبر كل محطة انتخابية، أن نُخطئ في صياغة السؤال الجوهري.

نسأل بإصرار: من سيفوز؟
بينما نتجاهل السؤال الأعمق والأكثر حسمًا: ماذا سنُنتج من هذه العملية برمّتها؟

والفارق بين السؤالين ليس تفصيلاً لغويًا، بل هو فارق في مستوى الوعي السياسي نفسه:
فإما أننا أمام مجتمع يُدبّر واقعه بوعي ومسؤولية،
أو أمام مجتمع تُعاد برمجته من داخل آليات لا يتحكم في منطقها.

حين تغيب الرؤية المؤطرة للفعل السياسي،
تتحول الانتخابات تدريجيًا من كونها أداة محتملة للتغيير،
إلى مجرد تقنية لإعادة إنتاج نفس البنية القائمة، وإن بوجوه مختلفة.

فتتكرر النتائج في صيغ باتت مألوفة ومكرورة:
مشاركة محدودة لا تعكس الحجم الحقيقي للمجتمع،
وتمثيل ناقص لا يلتقط تعدديته الاجتماعية والسياسية،
وغياب فعّال للكتلة الصامتة التي تمتلك، من حيث الإمكان، أدوات التأثير والفعل السياسي الواعي،
ونخب تصل إلى مواقع القرار دون أثر ملموس يرقى إلى مستوى الانتظارات المتراكمة لدى المجتمع.

في مثل هذا السياق، لا تكون الأزمة في النتائج النهائية وحدها،
بل في القواعد العميقة التي تُنتج تلك النتائج وتعيد تشكيلها في كل مرة.

المعنى: الشرط الأول لتحرير السياسة من العبث

لا يمكن لأي فعل سياسي أن يُحدث تحولًا حقيقيًا أو يترك أثرًا تاريخيًا قابلًا للاستمرار، ما لم يُؤسَّس أولًا على قاعدة صلبة من “المعنى”. فالمعنى هنا ليس ترفًا فكريًا، ولا خطابًا أخلاقيًا يُستدعى لتزيين المواقف، بل هو البنية العميقة التي تُحدد وظيفة السياسة نفسها: لماذا نمارس السياسة؟ ولأي غاية نُنتج الفعل العمومي أصلًا؟

بدون هذا السؤال المؤسس، يفقد الفعل السياسي اتجاهه، ويتحوّل تدريجيًا إلى حركة بلا بوصلة، وإلى ممارسة شكلية تُدار بمنطق العادة أكثر مما تُدار بمنطق الرؤية. وفي هذه الحالة، لا تعود النخبة فاعلًا تاريخيًا يحمل مشروعًا، بل تتحول إلى مجرد “موقع” داخل منظومة فارغة من المعنى، يؤدي وظائف ظرفية دون قدرة على التأسيس أو التغيير.

وهنا يبدأ الانزلاق الهادئ والخطير في آن واحد:
من السياسة كمسؤولية تاريخية تُحمِّل الفاعل عبء المستقبل،
إلى السياسة كفرصة ظرفية تُستثمر داخل لحظة سياسية محدودة.

وحين يحدث هذا التحول، لا يتغير فقط سلوك الفاعلين، بل يتغير جوهر السياسة نفسها، حيث تفقد بعدها القيمي والتوجيهي، وتتحول إلى مجال لتدبير المصالح، بدل أن تكون أفقًا لبناء المعنى العام.

الاستشراف: الخروج من أسر الحاضر

غير أن تأسيس السياسة على المعنى، رغم ضرورته، يظل غير كافٍ ما لم يُدعَّم ببعد ثانٍ لا يقل أهمية: القدرة على الاستشراف. فالمعنى يحدد “لماذا نفعل”، لكن الاستشراف يحدد “إلى أين نتجه”.

إن أخطر ما يمكن أن تقع فيه السياسة هو أن تُختزل في إدارة اللحظة الراهنة، فيصبح الفعل السياسي أسير ردود الأفعال اليومية، محكومًا بمنطق التكيّف بدل منطق التوجيه. وفي هذه الحالة، تتحول الدولة من فاعل يُنتج المستقبل إلى جهاز يُلاحق الحاضر دون أن يمسك بخيوطه العميقة.

المغرب اليوم، في هذا السياق، لا يحتاج فقط إلى من يُدبّر الشأن اليومي أو يُحسن إدارة التوازنات الآنية، بل إلى من يمتلك القدرة على قراءة التحولات القادمة:
تحولات اقتصادية تعيد رسم موقع الدول في سلاسل القيمة العالمية،
وضغوط اجتماعية ناتجة عن ديناميات ديمغرافية وتطلعات شبابية متسارعة،
وسياق دولي مضطرب يعيد توزيع موازين القوة ويُربك اليقينيات التقليدية.

في ظل هذه التحولات، تصبح الانتخابات التي لا تستند إلى رؤية استشرافية مجرد إدارة مؤقتة للأزمة، لا محاولة حقيقية لتجاوزها. فهي لا تُنتج مستقبلًا، بل تؤجل مواجهته.

الذكاء الاستراتيجي: تحويل الوعي إلى قدرة

لكن حتى المعنى والاستشراف، رغم أهميتهما، لا يكفيان ما لم يُترجما إلى قدرة عملية على الفعل. وهنا يتجلى ما يمكن تسميته بـ”الذكاء الاستراتيجي”، أي ذلك المستوى من الوعي الذي لا يكتفي بالفهم، بل يُحوّل الفهم إلى قدرة على التأثير.

الفارق هنا حاسم بين مستويين:
بين من يفهم الواقع كما هو،
ومن يمتلك القدرة على إعادة تشكيله.

كم من خطابات سياسية حملت شعارات كبرى عن الإصلاح والتغيير، لكنها انهارت عند أول احتكاك جدي مع تعقيدات الواقع؟
ليس لأن النوايا كانت غائبة، بل لأن أدوات التحويل كانت مفقودة.

فالذكاء الاستراتيجي ليس مجرد تقنية تخطيط أو إدارة، بل هو قدرة مركبة على فهم توازنات القوة داخل المجتمع، واستيعاب منطق الفاعلين، وبناء التحالفات القابلة للحياة، ثم تحويل الإمكانات المتفرقة إلى فعل منظم وذي أثر.

بدون هذا المستوى، يبقى المعنى مجرد فكرة معلقة، وتبقى الرؤية مشروعًا مؤجلًا، ويظل الفعل السياسي يدور داخل دائرة مغلقة لا تخرج عن إعادة إنتاج نفسها، حتى وإن تغيّرت العناوين.

الكتلة الصامتة: السلطة التي لا تُدرك ذاتها

في قلب هذه البنية السياسية المعقدة، تبرز ما يُسمّى بـ“الكتلة الصامتة”، وهي ليست فئة اجتماعية متجانسة بقدر ما هي تقاطع لعدة مكونات داخل المجتمع، يمكن رصدها في:

  • النخب الفكرية والأكاديمية والإعلامية، التي تنتج خطابًا نقديًا متقدمًا حول السياسة، لكنها غالبًا ما تظل في موقع المراقبة بدل الانخراط الفعلي في الفعل السياسي.
  • الشباب المتعلم داخل الجامعات وسوق الشغل، الذين يمتلكون وعيًا سياسيًا رقميًا ونقديًا، لكنهم يفتقدون الثقة في قنوات التمثيل التقليدية.
  • النساء الفاعلات اجتماعيًا ومهنيًا، اللواتي راكمْن حضورًا مهمًا في مجالات التعليم والعمل والمجتمع المدني، دون أن ينعكس ذلك بشكل متكافئ داخل دوائر التمثيل السياسي.
  • الطبقة الوسطى الحضرية، والفاعلون الاقتصاديون الصغار والمتوسطون، الذين يتأرجحون بين وعي واضح بمصالحهم المباشرة وبين تراجع الثقة في جدوى التأثير السياسي.

غير أن هذه الكتلة، بمختلف مكوناتها، لا يمكن اختزالها في كونها هامشًا اجتماعيًا خارج دائرة التأثير، بل هي في الواقع مركز ثقل داخل المعادلة السياسية، لكنه غير مُفعَّل. فهي ليست غيابًا عن السياسة، بل حضورًا قائمًا لم يجد بعد ترجمته إلى فعل مؤثر داخل المجال العام.

فالكتلة الصامتة لا توجد خارج اللعبة السياسية، بل هي—في كثير من الأحيان—العنصر الذي يحسم نتائجها دون أن يشارك فعليًا في صناعتها. فصمتها ليس فراغًا محايدًا، بل بنية تأثير سلبية تُعيد توزيع موازين القوة بطريقة غير مباشرة. ومن هذا المنظور، يصبح الامتناع عن الفعل السياسي شكلًا من أشكال الفعل نفسه، حتى وإن لم يُدرَك كذلك.

إن انسحاب هذه الكتلة من الفعل الانتخابي لا يمكن قراءته كحياد بسيط أو موقف احتجاجي صامت، بل هو، من زاوية تحليل القوة، قرار استراتيجي ضمني—غير واعٍ في الغالب—يمنح أفضلية حاسمة للفاعلين الأكثر تنظيمًا وقدرة على ملء الفراغ. وهنا تتجلى المفارقة الكبرى: كلما اتسعت دائرة الصمت، تعززت قدرة الفعل المنظم على التحكم في النتائج.

ومع ذلك، فإن ما يجعل هذه الكتلة عنصرًا مركزيًا في أي معادلة تغيير، هو أنها تمتلك فعليًا كل مقومات القوة الكامنة:
وعي نقدي متزايد، مستوى تعليمي معتبر، امتداد اجتماعي واسع، وحضور ديمغرافي حاسم. لكنها، رغم ذلك، تبقى قوة غير مُفعّلة، لأن ما ينقصها ليس الإمكان، بل الانتقال من حالة الإدراك إلى حالة الفعل السياسي المنظم.

إعادة تشكيل ميزان القوة: لحظة التحول الحاسمة

إذا استمرت الكتلة الصامتة في وضعها الحالي، فإن المشهد السياسي سيظل يدور داخل الدائرة نفسها، حتى لو تغيّرت الوجوه وتبدلت الخطابات. لأن جوهر الاستمرارية لا يكمن في الأشخاص، بل في بنية المشاركة نفسها.

أما إذا تحولت هذه الكتلة من حالة السكون إلى حالة الفعل، فإن التحول لن يطال النتائج فقط، بل سيطال قواعد اللعبة السياسية برمتها. عندها فقط، ستفقد عناصر القوة التقليدية جزءًا كبيرًا من فعاليتها:

لن يكون المال الانتخابي كافيًا وحده لصناعة الفارق،
ولن تكون الشبكات الزبونية قادرة على التحكم في الاتجاه العام،
ولن يكون التلاعب بالتمثيل سهلًا كما كان.

لأن فاعلًا جديدًا سيدخل إلى قلب المعادلة السياسية:
فاعل لا يشارك بوصفه رقمًا، بل بوصفه وعيًا.
لا يصوت فقط، بل يصوت بمعنى.
لا يتحرك بدافع اللحظة، بل وفق إدراك لموازين القوة وحدود التأثير.

وحينها فقط، تنتقل السياسة من مجال يُدار في غياب الأغلبية، إلى فضاء تُعاد فيه صياغة التوازنات على أساس حضور واعٍ وفاعل، لا على أساس فراغ يتم استثماره.

نحو نخبة جديدة: من الشرعية الشكلية إلى الشرعية العميقة

المغرب اليوم لا يحتاج فقط إلى انتخابات تُدار وفق قواعدها الإجرائية، ولا إلى نقاش يُختزل في مدى احترام المساطر أو سلامة العمليات التقنية. هذا المستوى، رغم ضرورته، لم يعد كافيًا لفهم ما يجري أو لتغيير ما يجب تغييره. ما يحتاجه المغرب أعمق من ذلك بكثير: إعادة التفكير في طبيعة النخبة التي تُنتج القرار العمومي، وفي الأساس الذي تستمد منه هذه النخبة مشروعيتها.

فالرهان الحقيقي لم يعد يتعلق بشرعية شكلية تُقاس بصحة الإجراءات وحياد القواعد فحسب، بل بشرعية أعمق، تُقاس بمدى قدرة الفاعلين على تمثيل المجتمع فعليًا، وعلى تحويل التمثيل إلى أثر، والموقع إلى فعل، والحضور المؤسساتي إلى قيمة مضافة في حياة الناس.

إن الشرعية، في معناها العميق، ليست مجرد نتيجة قانونية لعملية انتخابية سليمة، بل هي إحساس جماعي بأن من يتولى القرار يفهم المجتمع، ويعكس تعقيداته، ويشتغل بمنطق المسؤولية التاريخية لا بمنطق التدبير الظرفي. وحين تنفصل الشرعية عن هذا العمق، تتحول إلى شكل فارغ، صحيح من حيث الإجراء، ضعيف من حيث الأثر.

ومن هنا، فإن الحديث عن نخبة جديدة لا يمكن أن يُختزل في تغيير الأشخاص أو تداول المواقع، بل في إعادة بناء شروط إنتاج النخبة نفسها. فالنخبة ليست صدفة سياسية، بل نتيجة بنية فكرية ومجتمعية تؤطرها، وتحدد وظائفها وحدودها.

وهذه النخبة المنشودة لا يمكن أن تتشكل خارج ثلاثية تأسيسية مترابطة:
معنى يُوجّه الفعل السياسي ويمنحه غايته،
رؤية تستشرف التحولات وتُحرر القرار من أسر اللحظة،
وعقل استراتيجي قادر على تحويل الرؤية إلى قدرة، والمعنى إلى سياسات قابلة للتنفيذ.

بدون هذه الثلاثية، يصبح الحديث عن نخبة جديدة مجرد إعادة إنتاج لنفس المنطق القديم، حيث تُدار السياسة كإدارة يومية للوقائع، لا كمشروع لتشكيل المستقبل. وفي هذه الحالة، لا يتغير شيء جوهري، حتى لو تبدلت الأسماء وتناوبت الوجوه.

الخلاصة: المعركة قبل يوم الاقتراع

إن الانتخابات القادمة في المغرب لن تُحدث تحولًا تلقائيًا في بنية الدولة أو المجتمع. فهي، في حد ذاتها، ليست لحظة سحرية قادرة على إنتاج التغيير بمجرد حدوثها، بل هي مرآة لما سبقها من تحولات في الوعي والمشاركة والبنية السياسية.

إما أن تكون هذه الانتخابات لحظة تأسيس فعلية لمرحلة جديدة،
أو مجرد حلقة إضافية في سلسلة طويلة من التكرار السياسي.

لذلك، فإن المعركة الحقيقية لا تبدأ يوم التصويت، بل قبله بكثير:
في مستوى الوعي الذي يحمله الناخب،
في قرار المشاركة من عدمها،
وفي قدرة المجتمع على الانتقال من موقع المتفرج إلى موقع الفاعل داخل معادلة القرار.

في نهاية المطاف، لا يقف المغرب أمام اختيار انتخابي بسيط، بل أمام اختيار تاريخي أكثر عمقًا:
إما أن يستمر في إعادة إنتاج الفراغ بأشكال جديدة،
أو أن ينجح في إنتاج نخبة قادرة على حمل المعنى، وتوجيه الفعل، وصناعة المستقبل.

والفارق بين الخيارين ليس في الخطاب السياسي،
بل في الفعل الذي يُعيد تعريف معنى السياسة نفسها.

(*) أستاذ الدراسات المستقبلية والشؤون الدولية ورئيس مركز مكين للذكاء الاستراتيجي – الرباط

زر الذهاب إلى الأعلى