أزمة المعنى في زمن التحولات: أي دور للنخب العربية في إعادة صياغة المستقبل؟

ربما أخطر مظاهر الأزمة يتمثل في تراجع درجة الالتزام بقضايا المرحلة والأمة والمجتمع

بقلم: د. محمد السنوسي (*)..

لم يعد العالم يتغير فقط في موازين القوة، بل بات يتغير بصورة أعمق في موازين المعنى ذاته. فبينما تتسارع التحولات الجيوسياسية، وتتعمق الثورة الرقمية، وتتوالى الابتكارات التكنولوجية بوتيرة غير مسبوقة، وتتبدل البنى الثقافية على نحو جذري، يجد الإنسان نفسه أمام مفارقة لافتة: فيض هائل من المعلومات يقابله شحّ متزايد في المعنى. لم يعد السؤال المركزي هو: ماذا نعرف؟ بل أصبح: كيف نفهم ما نعرف؟ وعلى أي أساس نمنحه دلالة واتجاهًا؟

في هذا السياق، تفرض إشكالية أكثر عمقًا نفسها بإلحاح: هل عجزت النخب الفكرية العربية عن إنتاج معنى يواكب هذا العالم المتحول، أم أنها ما تزال تتحرك داخل أدوات تفسير تقليدية لم تعد قادرة على استيعاب واقع يتغير بسرعة تفوق قدرتها على الإدراك والتأويل؟

تحولات النظام الدولي كتحولات في المعنى

لم يعد الصراع في النظام الدولي محصورًا في الموارد أو النفوذ أو القوة العسكرية، بل أصبح—بشكل متزايد—صراعًا على السرديات والمعاني، وعلى من يمتلك القدرة على تحديد المفاهيم التي تحكم فهم العالم، مثل: “الشرعية”، “الدفاع عن النفس”، “الإرهاب”، و”الإنسانية” وغيرها من المفاهيم المركزية. وما يشهده العالم من انتهاكات وأزمات متكررة في مناطق مختلفة يقدم مثالًا واضحًا على هذا التحول العميق.

ففي ظل الاعتداءات المتواصلة التي تشهدها عدة مناطق في العالم، لا سيما في الشرق الأوسط، لا تتجلى المواجهة في بعدها العسكري فقط، بل أيضًا—وبشكل لا يقل أهمية—في طريقة رواية ما يجري وتأطيره إعلاميًا وسياسيًا. إذ تُقدَّم العمليات العسكرية في خطاب معين باعتبارها “حقًا في الدفاع عن النفس”، بينما يتم تجاهل أو تهميش معاناة الشعوب المتضررة، وتُختزل مآسيها في أرقام مجردة من سياقها الإنساني. في المقابل، تُصوَّر قوى المقاومة أو حركات التحرر ضمن قوالب جاهزة، تُفرغها من تعقيدها التاريخي والسياسي، وتُعاد صياغتها بما يخدم سرديات مسبقة.

وهنا لا يتعلق الأمر فقط بازدواجية في المعايير، بل بما هو أعمق: صراع على تعريف الواقع نفسه. فمن هو الضحية؟ ومن هو المعتدي؟ وما معنى الأمن؟ وأين تبدأ حدود العدالة وتنتهي؟ هذه الأسئلة لم تعد تُحسم بالوقائع وحدها، بل بكيفية تأطير هذه الوقائع وتقديمها للعالم.

في هذا السياق، يتحول النظام الدولي إلى ساحة تنافس لا تقتصر على فرض السياسات، بل تمتد إلى فرض طريقة فهم الأحداث وتفسيرها. فالسردية لم تعد مجرد انعكاس للواقع، بل أصبحت أداة لإنتاجه وإعادة تشكيله. ومن ينجح في فرض روايته ينجح، في الوقت ذاته، في تطبيع أفعاله، وتحويل ما قد يُعد انتهاكًا في سياق آخر إلى فعل “مشروع” أو حتى “ضروري”.

إن ما يجري في الشرق الأوسط اليوم يكشف بوضوح أن القوة لم تعد مادية فقط، بل أصبحت أيضًا رمزية ومعنوية. فإدارة المعنى باتت جزءًا أصيلًا من إدارة الصراع، ومن يمتلك القدرة على صياغة الرواية يمتلك، في كثير من الأحيان، تأثيرًا حاسمًا في توجيه الرأي العام الدولي، وفي رسم حدود الممكن سياسيًا.

بهذا المعنى، فإن التحولات الجارية في النظام الدولي لا تمثل مجرد إعادة توزيع لموازين القوة، بل تعكس في العمق إعادة تعريف للمعايير نفسها التي تُقاس بها هذه القوة. إنها لحظة تاريخية تكشف أن جوهر الصراع لم يعد يدور فقط حول الأرض، بل حول المعنى الذي يُعطى لما يحدث فوقها.

غير أن هذا التحول العميق يفتح سؤالًا أكثر إلحاحًا في السياق العربي: من الذي يتولى إنتاج هذا المعنى وصياغته وتأطيره؟ ولماذا يبدو الصوت العربي ضعيفًا أو هامشيًا في معركة السرديات العالمية؟ وأين هي النخب الفكرية التي يُفترض أن يكون من صميم أدوارها التاريخية قراءة التحولات، واستيعاب تعقيداتها، وصياغة رؤى استراتيجية لمجتمعاتها؟ هنا تتجلى ملامح أزمة أعمق، تتجاوز حدود السياسة لتصل إلى مستوى الوعي ذاته وبنية إنتاج المعنى.

وإذا كان هذا السؤال يكشف عن فراغ على مستوى الفعل الرمزي في الفضاء الدولي، فإنه يقودنا مباشرة إلى جوهر الإشكال داخل البنية الفكرية العربية نفسها، حيث لا يمكن فهم غياب المعنى دون تفكيك موقع من يُفترض أنهم صانعوه وموجهوه. ومن هنا، يبرز العنوان التالي بوصفه مدخلًا لهذا التفكيك:

أزمة النخب: حين يتحول العجز إلى فراغ في المعنى

غير أن ما تكشفه هذه اللحظة التاريخية ليس فقط اختلالًا في موازين القوة، بل عطبًا عميقًا في بنية النخب الفكرية العربية نفسها. فالأزمة لم تعد مجرد تأخر في الفهم أو بطء في التفاعل، بل تحولت إلى حالة مركبة من الاستلاب، والانفصال، وتآكل الالتزام.

فمن جهة أولى، تعاني قطاعات واسعة من النخب من استلاب معرفي يجعلها أسيرة نماذج تفسير جاهزة، تستورد مفاهيمها من سياقات أخرى دون مساءلة نقدية حقيقية. لا تُنتج هذه النخب أدواتها الخاصة لفهم واقعها، بل تكتفي بإعادة ترجمة مفاهيم لا تنتمي بالضرورة إلى شروطها التاريخية والاجتماعية. وهكذا يتحول الفكر إلى مجرد صدى بعيد، بدل أن يكون صوتًا أصيلًا يعبر عن تعقيد اللحظة.

ومن جهة ثانية، يظهر انفصال واضح عن الواقع الحي، حيث يتراجع التماس المباشر مع تحولات المجتمعات وهمومها، لصالح خطاب نظري معلق، لا يلامس التجربة اليومية ولا يستوعب دينامياتها. في لحظة تتفجر فيها أحداث كبرى في فلسطين ولبنان والمنطقة، يبدو هذا الخطاب عاجزًا عن التقاط المعنى العميق لما يجري، أو عن تحويله إلى وعي جمعي موجّه.

أما الوجه الثالث للأزمة، فيكمن في عدم التوافق مع إيقاع المتغيرات. فالعالم يتغير بسرعة غير مسبوقة، بينما لا تزال أدوات التحليل لدى كثير من النخب بطيئة، تقليدية، وغير قادرة على استيعاب تعقيد التحولات المتداخلة بين السياسي والرقمي والثقافي. النتيجة هي فجوة زمنية بين الحدث وتأويله، تجعل النخبة دائمًا في موقع المتأخر، لا المبادر.

لكن ربما أخطر مظاهر الأزمة يتمثل في تراجع درجة الالتزام بقضايا المرحلة والأمة والمجتمع. فبدل أن تكون النخبة في قلب معارك المعنى—مدافعة عن قضايا العدالة والكرامة، ومنخرطة في هموم مجتمعاتها—نجد جزءًا منها وقد انكفأ إلى موقع المراقب، أو انشغل بصراعات هامشية، أو انساق وراء حسابات فردية ومصلحية. هنا لا يغيب التحليل فقط، بل يغيب الموقف.

في ظل هذه الأوضاع، لم تعد النخبة تنتج معنى بقدر ما تعيد تدوير خطاب جاهز، ولم تعد مصدرًا للرؤية بقدر ما أصبحت في كثير من الأحيان وسيطًا لنقل رؤى الآخرين. وهنا تتجاوز الأزمة حدود ضعف التأثير، لتصبح أزمة في القدرة على تأطير الواقع رمزيًا ومعنويًا—أي في القدرة على منح المجتمع تفسيرًا متماسكًا لما يحدث، وأفقًا ممكنًا لما ينبغي أن يكون.

إنها، في جوهرها، أزمة فقدان للدور: حين تتخلى النخبة عن وظيفتها كمنتج للمعنى، يفسح المجال لفراغ سرعان ما تملؤه قوى أخرى، قد لا تملك العمق، لكنها تملك القدرة على التأثير.

غير أن هذا الفراغ لا يبقى حياديًا أو بلا تبعات، بل يتحول سريعًا إلى بيئة خصبة لإعادة تشكيل الوعي على نحو مضطرب، بما يقود إلى نتائج تتجاوز المجال الفكري لتطال بنية المجتمع ذاته. وهنا تتضح ملامح ما يمكن تسميته بـ:

حين يغيب المعنى، لا يظل الفراغ مجرد حالة سلبية، بل يتحول إلى قوة فاعلة تُعيد تشكيل الوعي على نحو غير متحكم فيه. فالفراغ لا يُترك فارغًا؛ بل تملؤه بسرعة سرديات بديلة، غالبًا ما تُبنى على التبسيط المخل، أو على الاستثارة العاطفية، أو على منطق الصدام.

لكن الأخطر من ذلك أن هذا الفراغ لا يُنتج فقط خطابًا سطحيًا، بل يُنتج أيضًا تشوهًا في إدراك الواقع نفسه. إذ تتفكك المعايير، وتختلط المفاهيم، ويصبح من الصعب التمييز بين:

  • الحقيقة والدعاية،
  • الموقف والانفعال،
  • الفهم ورد الفعل.

وفي هذا السياق، لا يعود صعود الشعبوية أو انتشار النزعات العدمية مجرد ظواهر عابرة، بل يصبحان تعبيرًا عن بحث مضطرب عن معنى مفقود. كما يتجلى ذلك في حالة اغتراب متزايدة لدى الأجيال الجديدة، التي تجد نفسها محاطة بخطابات متناقضة، دون أن تمتلك أدوات لترتيبها أو فهمها.

والأعمق من ذلك أن فراغ المعنى يؤدي إلى أحد مسارين متناقضين ظاهريًا، متشابهين في الجوهر:

  • إما الانخراط المفرط في مواقف حادة تمنح شعورًا زائفًا باليقين،
  • أو الانسحاب الكامل من الفعل بدعوى فقدان الجدوى.

وفي الحالتين، يُفقد التوازن الضروري لبناء وعي ناضج قادر على الفهم والتأثير.

إن الإنسان، بطبيعته، لا يستطيع العيش بلا معنى. فإذا لم يُقدَّم له معنى متماسك ومقنع، فإنه سيصنعه بنفسه، أو يتبنى أقرب سردية متاحة، حتى وإن كانت هشة أو مدمرة. وهنا تكمن خطورة اللحظة: ليس في غياب المعنى فقط، بل في تعدد المعاني الزائفة التي تتنازع على ملء الفراغ.

وعندما يتسع هذا الفراغ على مستوى المجتمعات، يصبح السؤال موجّهًا بالضرورة نحو من يُفترض أنهم الأكثر قدرة على إنتاج البدائل المعنوية وصياغة الأفق الجمعي، أي النخب الفكرية ذاتها، مما يفرض إعادة النظر في طبيعة دورها ووظيفتها التاريخية. ومن هنا، ننتقل إلى:

من نخبة معرفة إلى نخبة معنى

أمام هذا الوضع، لا يكفي الاكتفاء بإصلاح الخطاب أو تجويد أدوات التحليل، لأن الإشكال أعمق من مستوى الشكل والتقنية. المطلوب هو تحول نوعي في وظيفة النخبة ذاتها: الانتقال من كونها نخبة تُنتج المعرفة إلى نخبة تُنتج المعنى.

ففي زمن تتدفق فيه المعلومات بلا حدود، لم يعد امتلاك المعرفة في حد ذاته قيمة حاسمة، لأن المعرفة أصبحت متاحة ومكثفة وسريعة التداول. الإشكال الحقيقي لم يعد في “معرفة الواقع”، بل في كيفية تنظيم هذه المعرفة داخل رؤية متماسكة تمنحها دلالة واتجاهًا. فالمجتمع لا يحتاج فقط إلى من يشرح له ما يحدث، بل إلى من يساعده على فهم لماذا يحدث، وإلى أين يمكن أن يقود.

ومن ثم، تصبح النخبة مطالبة اليوم بإعادة ترتيب العالم ذهنيًا، أي بناء إطار تفسيري شامل يمكّن المجتمع من إدراك التعقيد بدل الاكتفاء بتلقيه، ومن تحويل الأحداث المتفرقة إلى صورة كلية ذات معنى.

هذا التحول يفرض على النخبة القيام بأدوار جديدة ومركبة، من أبرزها:

  • إنتاج تصورات ورؤى استراتيجية للمستقبل، قادرة على ربط الحاضر بإمكاناته المقبلة بدل الاكتفاء بوصفه.
  • بناء سرديات تفسيرية متماسكة تُعيد إدراج الأحداث ضمن سياقاتها التاريخية والسياسية، بدل التعامل معها كوقائع معزولة.
  • إعادة تعريف المفاهيم الكبرى مثل الحرية، العدالة، القوة، والشرعية، بما ينسجم مع الواقع المتغير، لا مع قوالب جامدة أو مستوردة.
  • تحويل القيم إلى أطر عملية للفعل، بحيث لا تبقى مجرد شعارات أخلاقية، بل تتحول إلى معايير موجهة للسياسات والاختيارات الواقعية.

بهذا المعنى، لم تعد النخبة مجرد محلل للأحداث، بل أصبحت مسؤولة عن إنتاج الإطار الذي تُفهم داخله هذه الأحداث. إنها لم تعد تقف خارج الواقع لتفسيره، بل تنخرط في تشكيله عبر ما تقدمه من معانٍ واتجاهات.

إنها، في جوهرها، وظيفة “صناعة الأفق”: أي القدرة على وصل الحاضر بالمستقبل، عبر رؤية تمنح الفعل معناه، وتمنح المجتمع ثقة في إمكان التغيير. فحين تنجح النخبة في ذلك، لا تكتفي بتفسير العالم، بل تساهم في إعادة بنائه.

غير أن السؤال الحاسم لا يكمن فقط في تشخيص أزمة النخب، بل في قدرتها على الخروج منها وإعادة تأسيس ذاتها. فالنخب لا تتجاوز أزماتها بتجميل خطابها أو إعادة ترتيب مفاهيمها، بل عبر تحول جذري في موقعها ووظيفتها. وأول شروط هذا التحول هو التحرر من حالة الاستلاب المعرفي، أي الانتقال من استهلاك النماذج الجاهزة إلى إنتاج أدوات فهم نابعة من السياق العربي ذاته، قادرة على تفسير تعقيداته دون الارتهان لمقولات مستوردة.

لكن الاستقلال الفكري يظل ناقصًا ما لم يُترجم إلى ارتباط حي بالواقع، حيث تستعيد النخبة صلتها بالمجتمع، لا بوصفه موضوعًا للتحليل، بل شريكًا في الفهم والتغيير. فالفكر الذي لا يلامس تحولات الناس اليومية، ولا ينصت لأسئلتهم العميقة، يفقد قدرته على التأثير مهما بلغ من العمق النظري.

ومن هنا، يصبح الانتقال من منطق التفسير إلى التأثير ضرورة لا خيارًا. فالنخبة مطالبة اليوم بأن تكون فاعلًا في توجيه النقاش العمومي، ومساهمًا في صياغة البدائل، لا مجرد مراقب يصف ما يجري من مسافة آمنة. وهذا التحول يقتضي تبني منهج واعٍ، قوامه ما يمكن تسميته بـ هندسة المعنى الواقعي، حيث تُربط القيم بإمكانات الفعل، وتتحول الأفكار إلى مسارات قابلة للتحقق داخل شروط الواقع، دون السقوط في مثالية معطلة أو براغماتية مفرغة من المعنى.

غير أن هذا المسار لا يكتمل دون استعادة الالتزام الأخلاقي والرسالي للنخبة، بحيث تنحاز بوضوح لقضايا مجتمعها، وتتحمل مسؤولية الموقف في اللحظات الحاسمة، بدل الاحتماء بالحياد الذي يخفي عجزًا أكثر مما يعبر عن توازن. كما أن تجديد النخبة لذاتها يمر حتمًا عبر الانفتاح على الأجيال الجديدة، لا باعتبارها موضوعًا للتأطير، بل شريكًا في إنتاج المعنى وصياغة المستقبل.

بهذا المعنى، لا يكون الخروج من المأزق عودة إلى دور قديم، بل تأسيسًا لدور جديد: نخبة لا تكتفي بفهم العالم، بل تساهم في إعادة تشكيله؛ لا تنقل المعنى، بل تصنعه؛ ولا تلاحق التاريخ، بل تدخل في صناعته.

غير أن تحقيق هذا الدور لا يمكن أن يتم بعفوية أو بخطاب عام، بل يتطلب تأسيس منهج واعٍ يضبط العلاقة بين الفهم والفعل، بين القيم والواقع، ويحول المعنى من فكرة مجردة إلى قوة موجهة. ومن هنا تبرز الحاجة إلى ما يمكن تسميته بـ:

هندسة المعنى الواقعي: نحو منهج جديد

غير أن إنتاج المعنى في زمن الاضطراب لا يمكن أن يستمر بوصفه تمرينًا ذهنيًا معزولًا، ولا أن ينحدر إلى مجرد حسابات نفعية تُدار بمنطق البقاء. نحن أمام حاجة إلى نقلة نوعية: من التفكير في المعنى إلى تصميمه، ومن استهلاكه إلى هندسته.

“هندسة المعنى الواقعي” ليست مجرد مزج بين القيم والواقع، بل هي إعادة ابتكار العلاقة بينهما. إنها منهج يتعامل مع المعنى بوصفه بنية قابلة للبناء، والتفكيك، وإعادة التركيب—كما تُبنى المدن، لا كما تُروى القصص فقط. فالمعنى هنا لا يُستخرج من الماضي وحده، ولا يُستورد من الخارج، بل يُصاغ في تفاعل حي بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون.

بهذا المعنى، لا تبدأ هذه الهندسة من الإجابات، بل من إعادة صياغة الأسئلة:

  • كيف نحول القيود إلى إمكانيات كامنة؟
  • كيف نعيد تعريف “الواقعية” بحيث لا تعني الاستسلام، بل الذكاء في الفعل؟
  • وكيف نجعل من القيم قوة دافعة، لا عبئًا أخلاقيًا معطلًا؟

إنها منهجية تتحرك في ثلاث دوائر متداخلة:

  • تفكيك الواقع لا كما يظهر، بل كما يُبنى: كشف موازين القوة الخفية، وأنماط التأثير، وحدود الممكن الحقيقي.
  • إعادة شحن القيم بالفعالية: أي تحريرها من التجريد، وربطها بحاجات الناس اليومية، حتى تستعيد قدرتها على التوجيه.
  • تصميم مسارات الفعل: حيث تتحول الأفكار إلى خيارات، والخيارات إلى سياسات، والسياسات إلى أثر ملموس.

لكن الإضافة الأهم في هذه المقاربة هي أنها لا ترى الواقع معطىً نهائيًا، بل مادة قابلة لإعادة التشكيل. فبدل أن تُستخدم الواقعية لتبرير العجز، تتحول إلى أداة لاكتشاف هوامش الحركة داخل القيود. وبدل أن تبقى القيم في مستوى المثال، تصبح معايير لتقييم الفعل وتصحيحه.

هكذا، تغدو “هندسة المعنى الواقعي” فعلًا إبداعيًا بامتياز: ليست مجرد قراءة للعالم، بل إعادة كتابة له بشروط ممكنة ومعنى مقصود. إنها محاولة لتحويل المعنى من خطاب يُقال، إلى قوة تُمارَس—ومن فكرة تُتداول، إلى واقع يُبنى.

غير أن أي مشروع لإعادة بناء المعنى يظل ناقصًا ما لم يجد امتداده الحيوي في وعي الأجيال الصاعدة، التي تمثل الحقل الحقيقي لاختبار هذه الرؤية وتجسيدها. ومن هنا تبرز لحظة حاسمة في هذا المسار:

الأجيال الجديدة: من استهلاك المعنى إلى صناعته

التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تحولات العالم، بل في الكيفية التي تتشكل بها ذات الأجيال الجديدة داخل هذا العالم. فهي تعيش في مفترق غير مسبوق: من جهة، فضاء رقمي مفتوح، سريع، عابر للحدود، يمنحها إمكانية الوصول إلى كل شيء؛ ومن جهة أخرى، واقع محلي متعثر، محدود الإمكانات، بطيء الاستجابة.

هذا التباين لا يُنتج مجرد إحباط، بل يُنتج انقسامًا في الوعي ذاته: وعي يرى أكثر مما يستطيع أن يعيش، ويطمح إلى ما لا يجد له مسارًا. وهنا تتشكل حالة جديدة يمكن وصفها بـ تضخم الإمكان مقابل انكماش الفعل—حيث تتسع الرؤية، لكن تضيق القدرة على التأثير.

في هذا السياق، لا يكفي الحديث عن فرص أو إصلاحات تقنية، لأن الأزمة أعمق من ذلك: إنها أزمة في معنى الحياة والعمل والانتماء. ما الذي يجعل الجهد ذا قيمة؟ ما الذي يمنح الانخراط في المجتمع معنى؟ ولماذا ينبغي للفرد أن يستثمر ذاته في واقع يبدو غير قادر على احتضانه؟

إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول الأجيال الجديدة إلى مجرد مستهلك للمعنى: تستقبل سرديات جاهزة، وتتبنى هويات معلبة، وتعيش داخل عوالم رقمية تمنحها إحساسًا مؤقتًا بالانتماء. في هذه الحالة، لا يغيب الفعل فقط، بل يُعاد تعريف الذات خارج سياقها الحقيقي.

لذلك، فإن الرهان الحقيقي هو الانتقال من منطق الإدماج إلى منطق الإشراك الخلّاق: أي تمكين الشباب ليس فقط من الفرص، بل من المساهمة في تعريف ما تعنيه هذه الفرص. أن يصبحوا شركاء في صياغة الأسئلة، لا مجرد متلقين للإجابات.

المطلوب إذن هو بناء جيل:

  • لا يكتفي بفهم العالم، بل يسعى إلى تأويله من موقعه الخاص
  • لا يستهلك المعنى، بل يعيد إنتاجه بما يتناسب مع تجربته
  • لا ينتظر المستقبل، بل يشارك في تشكيله.

جيل يدرك أن المعنى ليس معطىً جاهزًا، بل مشروعًا يُبنى—وأن الانتماء لا يُفرض، بل يُصاغ عبر الفعل والمشاركة.

خاتمة

في النهاية، لا تكمن الأزمة التي نواجهها في ندرة الموارد أو ضعف الإمكانيات، بل في غياب المعنى الذي يمنحها اتجاهًا. فالإمكانات، مهما بلغت، تتحول إلى طاقة مهدرة إذا لم تُوجَّه برؤية، كما أن القوة، مهما تعاظمت، تفقد قيمتها إن لم تُضبط ببوصلة.

النخب العربية تقف اليوم أمام لحظة حاسمة: إما أن تعيد تعريف دورها بوصفها منتجًا للمعنى، قادرة على وصل ما انقطع بين الواقع والمستقبل، بين الممكن والمطلوب؛ أو أن تستمر في التراجع، تاركة المجال لخطابات بديلة قد تملك القدرة على الانتشار، لكنها تفتقر إلى العمق والاتزان.

إن المعركة لم تعد فقط على الأرض، بل في الوعي الذي يفسرها. ومن ينجح في تعريف الواقع، لا يكتفي بوصفه، بل يحدد مساراته. وفي عالم يتشكل بسرعة، يصبح امتلاك المعنى ليس ترفًا فكريًا، بل شرطًا أساسيًا لصناعة المستقبل.

(*) أستاذ الدراسات المستقبلية والشؤون الدولية ورئيس مركز مكين للذكاء الاستراتيجي – الرباط

زر الذهاب إلى الأعلى