آراء

وكالة المغرب العربي للأنباء.. صرحٌ إعلامي مَدِينٌ لبُناتِه ورُوَّادِه

محمد رضوان.. تحل في هذه الأيام ذكرى تأسيس وكالة المغرب العربي للأنباء في زمن جميل ووطنية صادقة.. لم يكن من الصُّدفِ تزامنُ تأسيسها مع الذكرى الثالثة لعيد الاستقلال في 18نونبر من العام 1959، وكأنَّ المؤسسين أرادوا للوكالة أن تكون عنوانا إعلاميا لوطن حر ومستقل، وهو ما سعى إلى إرساء قواعده روادٌ كبار، منهم من قضى نحبه، ومنهم من تقاعد، وكثرتهم نالها اليوم نصيب من التهميش بعد أداء خدمة جليلة في مصالح وأقسام هذه المؤسسة .

كانت وكالة المغرب العربي للأنباء أكثر من مجرد مشروع إعلامي كبير راود في يوم من الأيام خواطر ثلثة من الوطنيين المتنورين وفي مقدمتهم المرحوم المهدي بنونة، وسرعان ما تحول الحلم إلى واقع شهد ميلاد واحدة من المؤسسات المحورية بالبلاد؛ ساهمت في استقرارها الداخلي، وإشعاعها الخارجي، ولعبت دورا حاسما في تطوير الممارسة الصحافية المغربية؛ فغدت مصدرا لا محيد عنه في استيفاء الأخبار، بل ومثالا في مهنيتها وصدقيتها وبلاغة ودقة تحريرها.

كان من حظ المغرب أن قيض الله له حينذاك طائفة من الشباب الـمُفعَم بالحماس وصدق الإحساس الوطني، كان كل من موقعه يتبارى في ترسيخ دعائم هذه المؤسسة والرفع بها إلى أعلى مرتبة، حتى نالت بفضل حماسهم وهمتهم وتضحياتهم مكانة قلَّما حظيت بها مؤسسة إعلامية أخرى.

في تاريخ الوكالة أربعة أجيال؛ الآباء المؤسسون إلى نهاية الستينيات الماضية، والرواد الذين أرسوا قواعد العمل بها خلال السبعينيات والثمانينيات، والجيل الوافد في التسعينيات الذين يشارفون اليوم على التقاعد، ثم الجيل الفتي الحالي بمن فيهم المتعاقدون.

كان جيل الرواد يتكون من يافعين وفدوا إلى الوكالة من  معهد الصحافة الأوحد وبعض الجامعات، لم يضنوا عن الوكالة، في “حفرة اليمامة” أو في مقرها الجديد بعد ذلك، بأوقاتهم الجميلة، كانوا في قوة شبابهم و”غواياتهم”، فكانوا يشركون الليل بالنهار في قاعة تحريرها، أو داخل البرلمان، أو في جهة نائية من المغرب، وحتى في أماكن قصية من إفريقيا.

كانت قصاصات أخبار الوكالة، مادة صحافية متكاملة يليق تدريسها بمعاهد الصحافة، وكان بعضها تحفة أدبية تصلح تخليدها مع غيرها في كتاب، وإذا شِئْتَ،كانت هناك روح خلاَّقة جماعية تخيم على تلك المجموعة من الشباب الصحافيين، وظلت سارية إلى حين.

في دجنبر من العام 2015، غادرتُ الوكالة كما دخلتُها أول مرة طوعياً بعد أن اخترتها لمهنة الصحافة بديلا عن جريدة “الشرق الأوسط” بشارع أبو فارس المريني بالرباط، والتي كانت هي الأخرى بحق مدرسة للصحافة الأجنبية بالبلاد.

أثناء عملي بالوكالة زهاء 25 عاما تعلمت من قامات صحافية بالوكالة الشيء الكثير، لا زلت أكن لمن لا زال منهم حيا كل الثناء، وأدعو بالرحمة لمن غادرنا إلى دار البقاء.

كان ممن لا يزال من هؤلاء الأحياء يقوم بعمل صحافي له من الآثار ما يفوق أداء كبار المسؤولين الحكوميين أو الدبلوماسيين، كان الوزراء بمن فيهم الراحل ادريس البصري لا يتحرك إلا بوجود صحافي من الوكالة، لم تكن حينها صورة أو فيديو وإنما قُصاصة، كان المسؤول لا يرى مهمته قد انتهت إلا بعد أن يراها محبوكة في  قُصاصة يحتفظ بها عزيزة في أرشيفه الخاص.

أتذكر في العام 1988، وكنت قد دُعيتُ حينها من المعهد العالي للصحافة وأنا طالب إلى جانب زميلين آخرين، للمشاركة في تغطية منافسات بطولة كأس الأمم الإفريقية لكرة القدم بالدار البيضاء، أتذكرُ كيف انبهرت بأسلوب عمل الصحافي مصطفى الخوضي رحمه الله؛ كان حقا يجسد في نظري بهيئته، وطريقة تحريره ونقره المتناغم على آلة الكتابة، نموذج الصحافي الحاذق الذي كانت تروجه أفلام السينما ومدارس الصحافة العالمية، وكان ذلك مما حفزني على الانضمام إلى فريق الصحافيين من أمثاله بالوكالة بعد ذلك بعامين .

اليوم، وبعد ستين عاما من تأسيس الوكالة، تبدو هذه الأخيرة جزءً من ذاكرة المغرب في زمن جميل مضى، بل إنها أرشيف وطني مهم لتاريخ المغرب السياسي والثقافي الحديث؛ أرشيف يوثق الأحداث بالأيام، بل بالساعات واللحظات، أحداث جرت في المغرب وعن المغرب، في الأندية والملتقيات والكواليس..

كانت الوكالة ركيزة إعلامية وطنية بامتياز، تسعى إلى المساهمة عن طريق الصحافة والإعلام في كسب رهانات المغرب وطنيا وإقليميا ودوليا، وليس منشأة اقتصادية هاجسها تراكم المداخيل بتسخير مواردها الـمُمَولة أصلا من دافعي الضرائب.

تحية تقدير لكل من ساهم في بناء هذا الصرح الإعلامي الكبير، لاسيما ممن شملهم الإهمال والنسيان والتهميش في ذكرى الوكالة الستين..

حضوركم سيظل في مجدها وتاريخها، وأسماؤكم ستظل لامعة في ذكرى ألَقِها وتوهجها.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق