آراء

وجهة نظر عربية – العنصرية في (اللا) وعي الجمعي العربي

صحيفة لبيب - 23 يونيو 2020

إلى أي حد تسود التمثلات العنصرية في ثقافتنا العربية، وكيف يمكن محاربة صورها وتعبيراتها في مفرداتنا اليومية وإبداعتنا الفنية والأدبية..

بالنسبة للكاتبة الفلسطينية رفقة العمية لا يخلو اللاوعي الجمعيّ العربيّ من العنصريّة الكامنة فيه كإيديولوجيا ثابتةٍ مبطَّنة، وهو ما تسلط عليه الضوء في مقالها المنشور بجريدة “الآداب،” المصرية، جاء فيه؛

تشهد الولاياتُ المتحدةُ الأمريكيّة مظاهراتٍ واحتجاجاتٍ تندِّد بالعنصريّة ضدّ السود، وتطالب بالمساواة العِرقيّة المُقَرَّة دستوريًّا – وهذا ما تُمْكن رؤيتُه في وصول المواطنين في أمريكا إلى مناصبَ متعدّدةِ الرُّتب ومتنوّعةِ المجالات بغضّ النظر عن أعراقهم.

غير أنّ هذه العنصريّة لا تزال قائمةً في الحياة اليوميّة. وأحدُ النماذج الساطعة عليها قتلُ المواطن الأمريكيّ من أصل أفريقيّ، جورج فلويْد، على يد شرطيّ أبيض في ولاية مِنيابولِس، إذ قام بخنقه جَثْوًا على عنقه على مرأى الكاميرات، وفي حضور ثلاثةٍ من رجال الشرطة الذين لم يحرِّكوا ساكنًا لإنقاذه.

تركّزت الاحتجاجاتُ بدايةً في ولاية مِنيابولِس، ثم امتدّت إلى العاصمة واشنطن ومدنٍ أخرى في أمريكا. وخلال هذه الاحتجاجات حطّم المتظاهرون تماثيلَ تحمل الإرثَ الأمريكيَّ المبنيَّ على العبوديّة والاستعمار؛ ومنها تمثالُ “مُكتشِف” الأمريكتيْن كرستوفر كولومبس، وتمثالُ رئيس الولايات الكونفدراليّة جفِرْسون ديفيس الذي قاتل في حربٍ أهليّةٍ أمريكيّةٍ طاحنةٍ من أجل الحفاظ على العبوديّة. بل انتشرت العدوى إلى بريطانيا، حيث حطّم المتظاهرون تمثالَ تاجر العبيد إدوارد كولستون في مدينة بريستول في بريطانيا.

ولم تقتصر الاحتجاجاتُ على أمريكا وبريطانيا، بل انتقلتْ إلى بلدانٍ عديدةٍ أخرى، أبرزُها ألمانيا وفرنسا والبرازيل. وتفاعل الكثيرون في العالم عبر وسائل التواصل الاجتماعيّ، معبِّرين عن تضامنهم مع مظاهرات السود في أمريكا.

***

وبالتركيز على التفاعل العربيّ، فإنّنا نلاحظ ما كنّا نأملُ حدوثَه، وهو ما يمكن أن نسمّيَه “صدمةً” في اللاوعي الجمعيّ العربيّ بالعنصريّة الكامنة فيه كإيديولوجيا ثابتةٍ مبطَّنة. وظهر ذلك في ردود الفعل على ظاهرة “صبغ الوجه بالأسود” تعبيرًا عن التضامن.

فقد نشرت الفنّانةُ اللبنانيّة تانيا صالح صورةً لها ببشرةٍ سوداءَ وشعرٍ مجعّد، وأرفقت الصورةَ بتعليقٍ يقول: “كلّ عمري كنت أحلم كون سودا.” وبقيتْ صالح مصرّةً على أنّ الأمر متروكٌ للنوايا، ولا يمسُّ العنصريّةَ إطلاقًا. بل هي ردّت على الانتقادات التي وصفتْ فعلَها بالعنصريّ قائلةً: “لم أقصد السخريةَ من السود لأنّ نجومَ الفنّ والرقص والرياضة الذين أقدِّرُهم [هم] من السود، وأوّل مؤذِّنٍ في الإسلام كان أسودَ البشرة. أحبُّ ثقافتَهم، وأحترمُ فنَّهم، وأعْلمُ أنّي مختلفة، وكنتُ أتمنّى أن أكونَ واحدةً منهم.”

أمّا الفنّانة المغربيّة المقيمة في الخليج العربيّ، مريم حسين، فكانت قد نشرتْ صورةً لها صبغتْ فيها وجهَها وجسدَها باللون الأسود، وأرفقتْها بتعليقٍ يقول: “لا فضلَ لعربيٍّ على عجميّ، ولا لعجميٍّ على عربيّ، ولا لأبيضَ على أسْود، ولا لأسْودَ على أبيض، إلّا بالتقوى. الناسُ من آدم، وآدمُ من تراب.” لكنّها تلقّت تعليقاتٍ حملتْها على حذف صورتها، وعلى الاعتذارِ عن جهلها بخلفيّة الأمر. ذلك أنّ ظاهرةَ “صبغ الوجه بالأسود” أمرٌ اعتُبِر ترسيخًا لظاهرة “بلاك فيْس” العنصريّة التي تعود إلى منتصف القرن التاسع عشر في أمريكا. فقد شهدتْ تلك الفترةُ إقدامَ الكثير من المسرحيّين البِيض على صبغ وجههم باللون الأسود، وعلى تقمُّصِ دور شخصيّةٍ سوداءَ دائمًا ما كانت غبيّةً ومضحِكةً، بغرض “تسلية” الجمهور وإضحاكِه؛ ما عزّز صورةً نمطيّةً مغلوطةً عن السود الذين لم يكن يُسمح لهم بالمشاركة في التمثيل والأعمال الفنّيّة – – وفي ذلك سلبٌ لأصواتهم وثقافتِهم وإنسانيّتِهم وتاريخِ معاناتهم.

***

شكّلتْ مجرياتُ الأحداث صحوةً للكثيرين من أجل رؤية صورةٍ بلا غشاوةٍ لأفعالٍ كانوا يروْنها “طبيعيّة” وغيرَ مسيئة.

فالثقافة السائدة في عالمنا العربيّ تُنْكر وجودَ العنصريّة بيننا، مع أنّها ماثلةٌ في ألفاظٍ كثيرةٍ، مثل لفظ “عبد” لوصف شخصٍ أسودَ البشرة، أو في عباراتٍ مثل: “أسْود لكنْ قلبُه طيّب” و”سودا بسّ ملامحها ناعمة.”

وهناك ما يمكن أن نسمّيَه “التعاطفَ العنصريّ.” ونستطيع أن نمثّلَ عليه بحادثتيْن: الأولى حين قالت المذيعةُ المصريّة مفيدة شيحة، أثناء “دفاعها” عن السود: “عندنا مهندس الصوت بتاعنا قمر، أقرع وأسمر ويجنّن وبنحبّه!” والثانية حين نشرت الفنّانة حلا شيحة صورةً تجمعُها بمدبِّرة المنزل الكينيّة بمناسبة عيد ميلادها، وأرفقتْها بمعايدةٍ أضافت في نهايتها: “لا يهمّ إنْ كنتِ بيضاءَ أو سوداء.”

وقد انتقدت المدوِّنةُ الفلسطينيةُ ذاتُ البشرة السوداء مريم أبو خالد هذه الظاهرةَ، في فيديو على انستغرام، فتناولت التعبيراتِ التي تُقال بنيّة “التضامن” لكنّها في حقيقة الأمر عنصريّةٌ واضحة، مثل: “مزبوط إنّها سودا بس والله انّها بتجنّن!”

ويندرج في إطار العنصريّة إطلاقُ النكاتِ المسيئةِ للسود، والضحكُ منها، مثلما فعل الفنّان ماجد المصري العامَ الماضي في أحد اللقاءات التلفزيونيّة عندما ذكر حادثةً “مضحكةً” عن صديقه الذي وعده بالسهر مع فتياتٍ جميلاتٍ، ليكتشفَ عندما ركبْن سيّارتَه أنّهن أفريقيّات، فطردهنّ مذعورًا؛ ما جعل المذيعةَ بسمة وهبة تضحك بلا أيّ استهجان. ولم يلاحظْ أحدٌ من القائمين على البرنامج حجمَ الإساءة فيبادرْ إلى حذفها في المونتاج.

***

هذا كلّه يذكّرني بأمورٍ شخصيّةٍ حصلتْ معي. فمثلًا كنتُ أبحثُ لطفلتي عن دُمْيةٍ سوداء (وجدتُها بصعوبةٍ فيما بعد) كي نضمَّها إلى الدمى الشقراوات التي تلقّتها هدايا. كنتُ أسعى إلى تحييد مفهوم “الجمال” في عقل طفلةٍ صغيرة؛ عقلٍ هو بمثابة “صفحةٍ بيضاءَ” من حيث المبدأ. لكنّ الطفلةَ تعيش في بيئةٍ تخلق الاستعدادَ الإيديولوجيَّ لالتهام ثنائيّاتٍ تُوهِمُ بالتضادّ، ومن ثمّ هضمِها بلا أيّ مراجعةٍ نقديّة. والخوف من أن تَكْبر هذه الطفلةُ لتغدوَ امرأةً تحمل معاييرَ لـ”الجمال” تُشْبه شكلَ المستعمِر الأجنبيّ في اللاوعي الجمعيّ: أبيض، أشقر، عينان ملوّنتان،…

وهذا يذكّرنا بحاجتنا الماسّة، أهلًا ومربّين، إلى محتوًى عربيّ يساعدُنا في تنشئة عقولٍ حرّةٍ ومنفتحةٍ ونقديّة. ونَذْكر في هذا الخصوص قصّةً قصيرةً للدكتور سماح إدريس، المتخصِّص في أدب الاطفال، بعنوان البنت الشقراء. تتحدّث القصّة عن طفلٍ تخبره أمُّه بأنّه “سيَأخذ” عندما يَكْبر بنتًا شقراءَ بعينيْن زرقاويْن. ثم يزور مع أمّه محلًّا للألعاب، فيُصرّ على أن “يأخذ” (يشتري) بدلًا من اللعبة طفلةً حقيقيّةً شقراءَ وجدها هناك مع أمّها! ويدور حوارٌ بين الصغير وأمِّه، يراجعان فيه معًا مبدأَ “الأخذ” مقابلَ الزواج، ومفهومَ “الجمال” ومعاييرَه النمطيّةَ المنمذجة.

 نحتاج إلى محتوًى عربيّ يساعدُنا في تنشئة عقولٍ حرّة  ونقديّة؛ “البنت الشقراء” لسماح إدريس مثلًا 

 وفي السياق نفسه، رأينا مبادرةً شبابيّةً من الضفّة الفلسطينيّة المحتلّة تسعى، في ردِّ فعلٍ على الأحداث في الولايات المتّحدة، إلى تغيير اسم “راس العبد،” وهو حلوى مطليّةٌ بالشوكولاتة الداكنة. وتتفرّد هذه المبادرةُ بفكرتها من باب العدالة التقاطعيّة، أيْ من باب تقاطُع مطلب العدالة في كلّ قضايا الاضطهادِ والتمييزِ في العالم. وإنّها لمن المفارقات فعلًا: فتعبير “راس العبد” يشير إلى نزعةٍ عنصريّة، أواعيةً كانت أمْ غيرَ واعية، لدى شعبنا الفلسطينيّ/العربيّ الذي يعاني أسوأَ الممارساتِ العنصريّة التي يرتكبُها آخرُ أنظمة الأبارثهيد والاستعمار الاستيطانيّ على سطح الكرة الأرضيّة، ألا وهو النظامُ الصهيونيّ.

***

إذن، وأخذًا لسياق الاستعمار في الاعتبار، ومع تفهّم التاريخ الطويل من العبوديّة ومعاناةِ السود في مختلف أنحاء العالم، نَلْحظ في الأقوال والأفعالِ السائدة ما يَعْكس صورةً نمطيةً مرسَّخةً تفيد بأنّ اللونَ الداكن مرتبطٌ بالدونيّة والفقر والجوع والبشاعة والجريمة. وهذه الصورة تعكسُ جزءًا من الواقع فحسب؛ إذ إنّ السود في غالبيّتهم هم من الفقراء فعلًا، وإنْ وُجدتْ في التاريخ طبقةٌ بورجوازيّةٌ سوداءُ كانت دائمًا حليفةً للبِيض. لكنْ يجب ألّا ننزعَ هذه الصورةَ من خلفيّتها التاريخيّة، المرتبطةِ بمسؤوليّةِ الاستعمار عن العبوديّة. فما يعيشه السودُ من أوضاعٍ قاسيةٍ هو نتاجُ السياسات العنصريّة الاستعلائيّة والكولونياليّة البيضاء، وما رافقها من تمييزٍ وقهرٍ واضطهادٍ وإقصاءٍ واستعبادٍ وحرمانٍ من الفرص، وليس نتاجَ لون بشرتهم أو “سِماتهم البيولوجيّة.”

ولعلّ ما يحدث الآن في الولايات المتحدة وغيرِها يشكّل فرصةً حقيقيّةً لنا جميعًا للمراجعة، ولتحرير مداركنا من الإرث السلبيّ للاستعمار، على ما يدعو فانون في كتابه الشهير معذَّبو الأرض، وصولًا إلى ثقافةٍ مجتمعيّةٍ لا تتسامح على الإطلاق مع أيّ نزعةٍ عنصريّة.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق