آراء

وجهة نظر عربية.. الحدود الجزائرية المنسية

ما فتئت المناطق الشرقية من الجزائر مهمّشة منذ فترة طويلة، هذه هي خلاصة مقالة مصورة للكاتبة الجزائرية دالية غانم الذي نشره مركز كارنيجي للشرق الأوسط، وجاء فيه؛

انخرطت السلطات منذ العام 2000 بما سمّوه “خطـــة التنميـــة الوطنيـــة” للتخفيف من أوجه التفاوت الجهوي وإيجاد توازن أكبر بين المناطق الحضرية والريفية. وعلى الرغم من هذه الجهود، وتلك المبذولة منذ استقلال العام 1962، يمكننا بسهولة رؤية اختلالات حادة. فما من خطة تمكّنت إلى الارتقاء إلى مستوى التوقعات أو حالت دون الإحساس بالاستبعاد في المناطق الحدودية. وعلى طول الطريق الممتّد من الجزائر العاصمة إلى مداوروش، اشتكى الكثيرون ممن تحدثت إليهم في العديد من المدن من التباينات الحادة بين المدن الكبيرة المزدهرة في شمال الجزائر وباقي مدن البلاد.

تقع مداوروش، وهي بلدية تعكس بشكل فاقع حقيقة الأوضاع في المناطق الشرقية القريبة من الحدود مع تونس، على بعد 580 كيلومتراً من العاصمة الجزائرية وعلى مسافة أقل من 100 كيلومتر من الحدود. تبلغ مساحتها حوالى 168 كيلومتراً مربعاً، ويسكنها 60 ألف شخص تقريباً. وعلى الرغم من وجود نشاط زراعي، إلا أن الزراعة محدودة بسبب طبيعة التربة والظروف المناخية. أما بالنسبة إلى الآثار الرومانية والبيزنطية في المنطقة، فهي مُهملة ولا يجري استثمارها بسبب القطاع السياحي الراكد في الجزائر.

يُعدّ التقسيم الجغرافي في الجزائر غير إعتيادي. فالبلاد تنقسم بين الشمال الساحلي و الهضاب جنوباً الممتدّة حتى الصحراء. تتألف البلاد من 48 ولاية، معظمها يقع شمالاً، وتضمّ أكثر من 70 في المائة من سكان البلاد. كما تتركّز الأنشطة الاقتصادية بشكل أساسي هناك، لذا تكون أوجه التفاوت الإقليمية شديدة الوضوح.

تتمكن من ملاحظتها بشكل فاقع على وجه الخصوص على الطريق من العاصمة إلى مداوروش، وهي رحلة تستغرق حوالى ثمان ساعات. فكلما ابتعدنا عن العاصمة، تدنّت جودة البنى التحتية، كالطرقات السريعة والطرق والمراحيض العامة والفنادق، وبانت بشكل أكبر التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي يواجهها السكان.

حتى داخل المناطق الشرقية بحدّ ذاتها، يمكن أن تكون أوجه التفاوت صارخة. فالمراكز الحضرية مثل سوق أهراس أو عنابة أكثر تطوراً، بينما تفتقر المناطق الريفية مثل مداوروش غالباً إلى الخدمات الأساسية كالمياه. وعمدت السلطات إلى بناء مشاريع سكنية، ومنحت السكان خيار الانتقال إلى هذه المشاريع أو الحصول على مساعدات مالية لبناء منازلهم الخاصة.

من الصعب العثور على عمل في المنطقة، مع العلم بأن الآثار الرومانية والبيزنطية الموجودة كان من الممكن أن تكون ركيزة لقطاع السياحة المحلية، واستحداث فرص عمل جديدة. لكن على العكس، هي متروكة اليوم عرضة للإهمال والنهب، في ظل لامبالاة السلطات المحلية. وفي حين يعبر عدد قليل من السياح التونسيين الحدود لزيارة المعالم الأثرية، ما من مرافق لاستضافتهم. وقد انعكس هذا التقاعس في الاستفادة من المنافع التي يمكن جنيها من السياحة في إيرادات القطاع في البلاد، التي تُعدّ ضئيلةً بالمقارنة مع إيرادات القطاع نفسه في تونس. وفي العام 2017، بلغت إيرادات القطاع السياحي في الجزائر 172 مليون دولار، مقابل 1.1 مليار دولار في تونس، وفق أحدث البيانات المتاحة.

باستثناء وجود يافطة متداعية، ما من شيء يدلّ على أن مداوروش هي مركز مدينة قديمة عريقة، حيث درس القديس أغسطينوس من هيبو لمدة خمسة عشر عاماً وحيث ولد الفيلسوف أبوليوس مادورينيس، الذي كتب، خلال القرن الثاني الميلادي، أول رواية واقعية في التاريخ، بعنوان  (الحمار الذهبي).

اشتريت تذكرة دخول للموقع الأثري، وتجولت والتقطت صوراً، على الرغم من عدم وجود خارطة للموقع معي أو دليل سياحي لإرشادي. كان الحارس، الذي فهم من لهجتي أنني آتية من العاصمة، متحفّظاً ولم يُفصح سوى بالقليل من المعلومات. مع ذلك، أصرّ على أن التدابير الأمنية مشدّدة، ولم يعد هناك أي عمليات نهب، من دون الخوض في أي تفاصيل إضافية حول التدابير الأمنية الجديدة.

أخبرني بعض الأشخاص عن بعض الشبان الذين يبيعون خلسةً بعض القطع الأثرية والنقود القديمة إلى حفنةٍ من السياح الذين يزورون المنطقة. فسكان المنطقة غير مهتمّين بالآثار ويجهلون بمعظمهم تاريخ أبوليوس. كذلك، لا تُنظَّم أي رحلات مدرسية إلى هذا الموقع الذي ضمّ قديماً ثاني جامعة في شمال أفريقيا بعد جامعة قرطاج، كما أن المناهج المدرسية لا تأتي على ذكر شيء عن تاريخ المدينة القديمة.

حدا غياب فرص العمل بالكثير من سكان مداوروش إلى الانخراط في أنشطة التهريب عبر الحدود الجزائرية-التونسية. فعلى سبيل المثال، في مدينة الونزة الواقعة على بعد 50 كيلومتراً شرق مداوروش، ينخرط معظم الشباب في عمليات التهريب. كذلك، من المعروف أن التهريب ينشط في تبسة وبئر العاتر وصفصاف الوسرة وأم علي.

تشتهر الونزة بمنجمها الحديدي، الذي يغذي مصنع الصلب الكبير الواقع في عنابة. لكن المصنع بالكاد يوظّف أشخاصاً من المنطقة، وعندما تتوفّر فرص العمل، ومع ذلك، فإن المصنع لا يكاد يوظف أي شخص من المنطقة ، وعندما تتوفّر فرص العمل، غالباً ما تكون لعمل تعاقدي يتقاضى بموجبه الأجير حوالى 175 دولاراً في الشهر ، ما يدفع السكان إلى العمل في القطاعات الموازية. وغالباً ما يكون هؤلاء الأشخاص شباباً يبحثون عن طريقة لتأمين سُبل العيش وإعالة أسرهم. وأحياناً يكونون موظّفين، ومن ضمنهم موظّفو الخدمة العامة، الذين يبحثون عن عمل يؤمّن لهم المال اللازم لدعم أجورهم المنخفضة.

حين وصلتُ إلى النقطة الأقرب إلى مداوروش على الحدود مع تونس، أخبرني ضابط الجمارك هناك قصة مختلفة للغاية. فعلى الرغم من تذمّره من ظروف العمل والساعات الطويلة التي يقضيها في الخدمة، شدّد على أن الحدود مضبوطة بإحكام وتتمتع بحماية أكبر مما كانت عليه الحال إبان الربيع العربي في العام 2011، كما أصرّ على أن التهريب بات من الماضي.

أكّد معظم المهرّبين والمواطنين القاطنين في المنطقة الحدودية الذين تحدّثت معهم عكس ذلك. فاستراتيجيات المهرّبين أكثر تعقيداً اليوم مما كانت عليه في السابق، وهي تجري في الجبال وتحت جنح الظلام. وينظر الكثير من سكان مداوروش والمناطق المجاورة إلى الحكومة المركزية على أنها تقيّد حركتهم وممارساتهم اليومية، ويَرَوْن أنه من الضروري مخالفة القوانين، أو الالتفاف عليها، باعتبارها تقوّض مصالحهم السياسية ونمط حياتهم. وهذه الحياة لاتزال صعبة للغاية في المناطق الطَّرْفية الجزائرية.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق