صحيفة لبيب

هشاشة الحياة

افتتاحية العدد 7- 1 / 15 نونبر 2020

مـحــمـد رضــوان

بدا الأمر ضربا من الخيال، لم يكن يجولُ بخاطرِ أحد أن الحياة ستصبح بهذه الدرجة المُروِعة من الهشاشة..

كل الآمال التي عُقدت على الثورة العلمية والطبية والتكنولوجية غدت شبيهة بأوهام كانت تُصدّقُ بوثوقية مطلقة؛ كبارُ السن كانوا إلى الأمس القريب يغبطون شباب اليوم على ما ينعمون به من ثمرات حضارة الاتصال والرقمنة المعاصرة، وفي لحظة انقلبت المعادلة وصار الخوف عنوان الحاضر وهاجس المستقبل.

المتقاعدون والمسنون كانوا موضع شفقة الكثيرين، والآن أصبح الأطفال محل رأفة الجميع.. الوحدة واللامبالاة والإحساس بالفراغ والكآبة لم تعد معضلة كبار السن، وتداعيات كوفيد 19 الخانقة أدهى وأكبر في وسط الشباب؛ فقد تفاقمت الحاجة إلى الطب النفسي لإنقاذ الآلاف مِمّن في عمر الزهور لتخليصهم من المشاعر السلبية والإحساس بالخوف والتوجس من عدم اليقين والأفق المجهول.

جيل المتقاعدين وكبار السن خبروا محنا كثيرة وتجارب صعبة في السنوات الخمسين أو الستين الماضية، كان وقتُهم زمنَ الندرة في كل شيء، عرفوا ترقيع الثياب قبل التخلص منها بعد أن تصبح فعلا غير صالحة للاستعمال، وكم من حاجة قضوها بتركها دون أن يترك ذلك غضاضة في نفوسهم، عديدون منهم قطع الأودية والفجاج للوصول إلى فصل الدراسة تحت وابل المطر أو شدة القيظ..

لم تكن احتياجاتهم تُقضى بكبسة أصبع أو رسالة صوتية خاطفة، لكن ذلك لم يَحُل دون تحقيق نجاحات باهرة حتى وإن كانت صغيرة.. كان ذلك يُعطي طعما جميلا للحياة ويشدُّ من عضُدِ وصبرِ ذلك الجيل الذهبي.

اليوم، الرقمنة صنعت جيلا ذكيا ومُرفّها من الأطفال والشباب، جيل لم يعد في حاجة لقطع المسافات الطويلة أو استعارة قصص “كيوي” و”طارزان” المصوَّرة للتسلية والتعلم، ولا يرضى إلا بلباس العلامات الشهيرة، لكنه محروم من حِنكة الحياة وفاقدٌ للقدرة على الصمود ومقاومة تصاريف الزمن.

لا يكفي جيلَ اليوم الذكاءُ الذي اكتسبوه من حضارة الرقمنة، أكيدٌ أنهم في حاجة إلى “عبقرية” لا تتحصّلُ إلا بالتجارب والمحن ودروس الحياة والنجاحات الصغيرة في بناء الذات والوطن، وفي ذلك حكايةٌ لا يجيدُها إلا جيل آبائهم وأجدادهم من المتقاعدين وكبار السن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى