آراء

نفتقر إلى المخيلة لابتداع عالم أفضل

صحيفة لبيب - 13 شتنبر 2020

الكاتب الروائي السويسري يوناس لوشر، المقيم بألمانيا، أصيب  بفيروس كورونا إصابةً بالغة، فرَقَد سبعة أسابيع في غيبوبة. في مقابلة معه عبّر لوشر البالغ من العمر 43 عامًا عن كثير من الدلالات التي يمكن استخلاصها من هذه التجربة التي يعيشها العالم بصور مختلفة، وكان مما جاء في هذا الحوار الذي أجرته معه إحدى الصحف الألمانية وندرجه بتصرف؛

سؤال – أصبت بكورونا، كيف كان مسار المرض لديك؟

يوناس لوشر: كان مساراً صعبًا. في الخامس عشر من مارس خرجتُ فترة قصيرة للمساهمة في انتخابات ميونخ البلدية فساعدتُ مراقبة صناديق الاقتراع وفي عمليات العد والفرز. من المحتمل أنني أصبت هناك بالعدوى. في البداية كانت لديَّ الأعراض المعروفة: سعال وارتفاع في درجات الحرارة. بعد الفحص الإيجابي جرى تحويلي إلى المستشفى. هناك، شخّص الأطباء أن عندي إلتهابًا في الرئة وساءت حالتي بسرعة. وُضِعتُ في غيبوبة وأُجري لي التنفس الاصطناعي. مكثت سبعة أسابيع في الغيبوبة. في الإجمال تسعة أسابيع في العناية الفائقة وثلاثة أسابيع في إعادة التأهيل. ما زال عمل الرئة محدوداً نوعًا ما، ومازلت أعاني من الأعراض الجانبية المعتادة لغيبوبة طويلة. لكنني، وهذا من حسن الحظ  لا أعاني من أضرار على مستوى الذاكرة.

بعد هذه التجربة.. كيف تقيّم الجدل العام حول هذه الجائحة؟

يوناس لوشر: إذا كان حتى علماء جهاز المناعة ما زالوا يقولون اليوم علنًا أن كورونا لا يشكل خطراً على الأصحاء ممن هم دون الخامسة والأربعين، فإنني أجد ذلك، وبعبارة ملطفة، غريبًا جدّاً. ربما كنت سأنزعج أيضًا لو لم أُصب بالعدوى، لكنني الآن أنزعج أكثر، لأن هذه الاستهانة تنفى إصابتي بالمرض. لا أنتمي لأيٍّ من المجموعات المعرضة للخطر، وكنت معافىً وليس لديَّ أمراض سابقة وما زلت تحت سن الخامسة والأربعين. اللامبالاة واضحة في التعليل:  إذا كان الفيروس لا يصيب إلّا المرضى وكبار السن، فإنه يمكن حجزهم.لكن ذلك أولاً خطأ، كما يشير ليس مسار إصابتي فحسب، وثانيًا لأنه غير إنساني، وثالثًا لأنه لا يمكن العمل به، وذلك كما نرى في مثال السويد. ثم يأتي كل منظري المؤامرة…الآن، ببساطة، هؤلاء الناس كارثة.

هل يشير كورونا إلى شرور أكبر أم أنه مجرد مرض سيئ حيواني المنشأ بشكل محدد؟

يوناس لوشر: لعلها على الأقل تكون فرصة ضائعة، عندما لا نستخدم الأزمة، التي لا يمكن وصفها، لنطرح على أنفسنا أسئلة مبدئية. إن الجائحة تعمل كعدسة مكبّرة، تكبّر صورة الاضطرابات الاجتماعية القائمة سلفًا وتُظهر المشاكل بكل وضوح. 

من الطبيعي أنه يجب علينا سؤال أنفسنا فيما إذا كان نظامنا الإقتصادي هشًّا على هذا النحو، ذلك لأنه يعتمد على النمو الدائم والاستهلاك الذي لا يعرف الكوابح، ما زال يمكن وصفه بالمفيد في مواجهة الجائحة. ومن الطبيعي أنه يجب علينا سؤال أنفسنا فيما إذا كان ليس من اللازم مبدئيًّا أن يُعاد التفكير بعلاقتنا بالحيوانات. كما يجب أن نتحدث أيضًا عن حزم المساعدات الضخمة: من يتحمل العبء الأكبر في الواقع؛ من هو الأكثر عرضة للإصابة؛ وكيف يُمكن توزيع الأعباء بشكلٍ عادل؟ مرة أخرى يقفز السؤال عن عدالة التوزيع إلى الواجهة.

ولكن هل تُناقَش هذه الأسئلة أساسًا؟

يوناس لوشر: من المثير للدهشة، لا. إنه لواضح في الواقع أن عوائل رأسمالية مثل: “هوفمان” و “أوري” و “بريننكمَيَر” و “بلوخر”، يجب عليها أن تدفع بضعة مليارات في هذه الحالة المأساوية الاستثنائية. لكن هذا الأمر لا يُناقَش. الجميع يبدوا على أمل في أن نتمكن من العودة قريبًا إلى ما قبل كورونا. من المؤكد أنه قد يمكن لنا خلال ثلاث أو أربع سنوات أن ننظر بهدوء إلى العام 2020، وعند ذاك ستكون أيام كورونا مجرد فزع بعيد في الذاكرة، وذلك مثلما لا يكاد الكثير أن يتذكر الأزمة المالية في العام 2008. ولكن أيضًا، من الممكن جدّاً ألا نعود أبداً إلى الوضع الطبيعي القديم وأَنَّ يتعين علينا التأقلم.

تبدو إعادة توزيع الثروة بالنسبة لكَ كمطلب ملح في أزمة كورونا، لكن هذا الأمر غير واضح.

يوناس لوشر: بلى، وبكل تأكيد. أزمة كورونا أظهرت تفاوت مجتمعنا بكل وضوح. من لديه في جبل زيورخ فيلا جميلة مع حديقة وحوض سباحة، بإمكانه دون إشكال أن يرى أزمة كورونا كفرصة لإبطاء الحركة. يمارس بعض اليوغا ويحسّن لغته الفرنسية. لكن أُمًّا وحيدة مع ولدين مراهقَين في شقة صغيرة مستأجَرة تعيش الأزمة بشكلٍ مختلف. إن حياتَهم تزداد صعوبة بسبب كورونا. نعم، يجب أن نوزّع الثروات بشكلٍ أفضل.

لماذا لا يوجد وعي لهذا الأمر؟      

يوناس لوشر: لأننا تعودنا على التفكير النيوليبرالي للسنوات الثلاثين الماضية. ببساطة، نحن نفتقر إلى المخيلة في ابتداع عالمٍ أفضل. بهذا الشكل ما زال واضحًا أنه ليس بإمكاننا أن نتصور بأن ممرضةً تستحق راتبًا أكثر وظروفَ عملٍ أفضل مما هي عليه الآن. وذلك على الرغم من أن أهمية هذه الممرضة أظهرت وزنها في النظام الصحي بوضوح تام في الأشهر الأخيرة.

أنت اشتراكي ديموقراطي. أزمة كورونا، سواء من ناحية إصابتك أو من ناحية كونها أزمة اجتماعية، عززت قناعاتك؟.

يوناس لوشر: نعم. هذه الأزمة هي بالتأكيد برهان على أننا نحتاج إلى دولة قادرة على التصرف. لننظر فقط إلى الولايات المتحدة الأمريكية التي تفشل الآن تمامًا في هذه الأزمة. دولة بنظام اجتماعي ضعيف، نظام صحي بائس، بنية تحتية معتلة، وأشخاص غير أكفاء يحتلون مواقع قيادية هامة.

ليس ترامب وحده، بل بولسونارو وجونسون شخصيات سيئة أيضًا. هل ينتهي بكورونا عصر الهواة الشعبويين؟

يوناس لوشر: بالطبع هذه الأزمة كاشفة. ترامب وأقرانه، كما هو واضح، لا يتمتعون بمعرفة القواعد الأساسية للإدارة، ولديهم صفر من المعرفة في إدارة الأزمات. إن التساؤل بلا ريب ما إذا كان ذلك يهم ناخبيهم أساسًا، وما إذا كان الواقع يضر بعض الشيء بأتباعهم المتعصبين.

في حالة ترامب فإن مقابلة واحدة من مقابلاته المجنونة يُفترض أن تكون كافية في الواقع لإقناع أيٍّ كان بعدم إعادة انتخابه. أمّا أَنْ ينجو بولسونارو حقًّا بإصابة خفيفة من كورونا، فإن ذلك للأسف أقصى ما يمكن تقبله، وهو حادث تنويري. يبدو أن هذا الآن يُضفي الشرعية على وصفه لكورونا بـ “أنها مجرد نزلة برد”. بوريس جونسون أمره مختلف. كان عليه أن يعاني قليلاً.

لقد قرأت إن الإصابة التي تعرّض لها قد غيرته وجعلته أعمق تفكيراً. هذا شيءٌ يسعد طبعًا من ناحية، لكن من ناحية ثانية، فليس من الممكن أنَّ سياسيًّا لا يعي مشكلةً ما إلا بعد أن يتعرض لها شخصيًّا. هكذا شخص يبدو أنه ناقص الوجدان والإحساس بالآخرين. إذا كان يجب على رئيس وزراءٍ ما أن يُصاب بكورونا كي يتعرف على المشكلة، فإن ذلك يجرده من أهليته لتولي المنصب.

كيف تشعر وأنت مقدمٌ على الخريف والشتاء؟

يوناس لوشر: بكثير من القلق. إذا توجب علينا أن نخضع للإغلاق مرة أخرى، فسيكون علينا دون شك أن ندفع ثمنًا مرتفعًا لذلك. من البديهي أن يكون ثمنًا اقتصاديًّا، ولكن اجتماعيًّا: عوائل تعيش في شقق صغيرة جدّاً، علاقات شراكة عنيفة ومفككة، بطالة، ومن يعيشون لوحدهم سينعزلون..

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق