آراء

من وحي الحدث.. اشتدي أزمة تنفرجي

محمد رضوان

في تراثنا العربي آثار ونصوص في غاية الرقّة والجمال وهي تُعبر عن أحوال الشدّة والمحنة مثل التي نمرُّ بها اليوم في زمن كورونا.

فصول من الانتكاسات والأزمات والفواجع يحفل بها التاريخ العربي والإسلامي، كلها مرت بعد أن تركت نُدوبَها على الحجر والبشر، لكنها خلفت نصوصا وقصائد وتجارب إنسانية خالدة لا زالت الألسن تلهج بها إلى الآن.

كان من ذلك جوائح وفتن كثيرة حدثت في الأمة طوال المائة عام الأولى من عصور الإسلام، حتى كاد الناس في فترات معينة يتخوفون من أن الإسلام قد لا تقوم له قائمة بعدها.. فُتن الناس في أمرائهم وخلفائهم الذين مات أغلبهم غيلة، وانتشرت حركة الردة في بعض القبائل، وقتل طاعون عِمواس بالشام خلقا كثيرا من الصحابة، ولاقى الناس شدة لا طاقة لهم بها عام الرمادة في خلافة عمر بن الخطاب؛ فانحبس المطر، وهلكت الماشية، وعمت المجاعة طوال تسعة أشهر حتى صارت الأرض سوداء وشُبهت بالرمادة .. وكان عمر بن الخطاب لا يأكل إلا الزيت ويحرم على نفسه السمن الذي كان متوافرا لديه تضامنا مع المسلمين في هذه المحنة، وكان ينقر بطنه بأصبعه ويقول قولته الشهيرة؛ “تقرقري تقرقرك، إنه ليس عندنا غيره حتى يحيا الناس”.

كان أبو بكر بن العربي من كبار أئمة المالكية، وأحد شيوخ القاضي عياض السبتي صاحب “الشفا” في التعريف بحقوق المصطفى، وكان من شيوخ ابن رشد العالم الفقيه والد أبي الوليد الفيلسوف، وله كتاب “العواصم من القواسم”، وهو من لوامع مؤلفاته ضمَّنهُ أحداثا مروعة وفتنا قاسية عاشها المسلمون بعد وفاة النبي، ويظهر أن كل حدث وفتنة من تلك الفتن كانت “قاصمة الظهر” و”مصيبة العمر” بالنسبة للمسلمين الذين اضطرب حالهم حتى صار بعضهم يُنكر بعضا.. لكن الله تدارك الناس برجال عبروا بهم تلك الفترات الحرجة والأزمات الخانقة إلى بر الأمان وشاطئ الحياة والسكينة من جديد.

وفي تاريخ الغرب الإسلامي، وتحديدا في إسبانيا المسلمة أو الأندلس، انقلبت أحوال الدنيا على الناس في آخر عهد الإسلام بهذه الديار، لم يتبق من “الفردوس المفقود” سوى آثار ومدونات وقصائد في غاية من الأسى والحسرة، وأيضا من الرقة والجمال والإبداع وهي تُعبر عن تلك الحال المتبدلة بكل قساوتها على نفس الإنسان.

كم هي بليغة وحكيمة وجميلة قصيدة أبي البقاء الرندي، ومن أبياتها؛

لِكُلِّ شَيْءٍ إِذَا مَا تَمَّ نُقْصَانُ  *  فَلَا يُغَرَّ بِطِيبِ العَيْشِ إِنْسَانُ

هِيَ الأُمُورُ كَمَا شَاهَدْتَهَا دُوَلٌ  * مَنْ سَرَّهُ زَمَنٌ سَاءَتْهُ أَزْمَانُ

أَتَى عَلَى الكُلِّ أَمْرٌ لَا مَرَدَّ لَهُ  *  حَتَّى قَضَوْا فَكَأَنَّ القَوْمَ مَا كَانُوا

يَا غَافِلًا وَلَهُ فِي الدَّهْرِ مَوْعِظَةٌ  *  إِنْ كُنْتَ فِي سِنَةٍ فَالدَّهْرُ يَقْظَانُ

تِلْكَ المُصِيبَةُ أَنْسَتْ مَا تَقَدَّمَهَا  *  وَمَا لَهَا مِنْ طِوَالِ الدَّهْرِ نِسْيَانُ

وفي تاريخنا المغاربي، اعتاد الناس في زمن المحن والفتن ترديد قصيدة ذائعة الصيت لرقتها وجمالها لأبي الفضل المعروف بابن النحوي، الذي يُنسب إلى الأندلس بينما عاش جل حياته متنقلا بين حواضر المغرب الكبير كسجلماسة وقلعة بني حماد وفاس التي نظم فيها قصيدة جميلة مطلعها:

يا فاسُ منكِ جميعُ الحُسن مسترقٌ *** وساكنوك أهنيهم بما رزقوا

هذا نسيمك أم روح لراحتنا *** وماؤك السلسل الصافي أم الورق

أرض تخللها الأنهار داخلها *** حتى المجالس والأسواق والطرق

غير أن هذا العالم والفقيه والشاعر ابن النحوي لاقى من أهل سجلماسة وفاس عناء ومحنة بسبب مواقفه الفكرية المؤيدة لأبي حامد الغزالي صاحب كتاب “الإحياء”، وضاقت نفسه وأحس بمحنة شديدة الوطأة عليه، فجادت قريحته بقصيدته الصوفية الرقيقة المعروفة ب “المنفرجة” التي لا زالت تتردد إلى اليوم بعد انقضاء نحو تسعمائة عام على نظْمِها.

ومن أروع من تغنى بهذه القصيدة في عصرنا مطربان مغاربيان متألقان، وهما؛ المرحوم حسن عريبي بليبيا، والفنان المغربي الكبير عبد الهادي بلخياط، ومما جاء في هذه القصيدة الجميلة الواقعة في أربعين بيتا لابن النحوي؛

إِشتدّي أزمةُ تنفرجي *** قد آذَنَ لَيلُكِ بالبَلَجِ
و ظلام الليل له سُرُجٌ *** حتى يغشاه أبو السُّرُج
و سحاب الخير له مطرٌ *** فإذا جاء الإبَّانُ تَجِي

و فوائد مولانا جُمَلٌ *** لسُروج الأنفسِ و المُهَجِ
و لها أَرَجٌ مُحْيٍ أبدا *** فَاقْصِد مَحْيَا ذَاكَ الأرَجِ
فَلَرُبَّتَمَا فَاضَ المَحْيَا *** بِبُحورِ المَوْجِ من اللُّجَجِ
والخلق جميعا في يده *** فَذَوُ سَعَةٍ و ذَوُ حَرَجِ
و نُزولُهُمُ و طُلوعُهُمُ *** فإلى دَرَكٍ و على دَرَجٍ
و معايِشُهُم و عَواقِبُهُم *** ليست في المَشْيِ على عِوَجِ
حِكَمٌ نُسِجَتْ بِيَدٍ حَكَمَتْ *** ثم انتسجَت بالمُنْتَسِجِ
فإذا اقْتَصَدَت ثم انْعَرَجَت *** فبمُقْتَصِدٍ و بمُنْعَرِجِ
شَهِدَت بعجائِبها حُجَجٌ *** قامت بالأمر على الحُجَجِ
و رِضًا بقضاء الله حِجَا *** فعلى مَرْكوزَتِها فَعُجِ

يا رَبِّ بهِم و بآلِهِم *** عجِّل بالنَّصْرِ و بالفَرَجِ
و ارحَم يا أكْرَمَ مَنْ رحِمَا *** عَبْدًا عن بابِكَ لَمْ يَعُجِ
و اخْتِمْ عمَلِي بخَواتِمِها *** لِأكون غدًا في الحَشْرِ نَجِي
لَكِنِّي بجُودِكَ مُعْتَرِفٌ *** فاقْبَلْ بمَعَاذِرِي حِجَجِي
و إذَا بك ضَاقَ الأمْرُ فَقُلْ *** إشْتَدِّي أزْمَةُ تَنْفَرِجِي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى