حوارات

في حوار مع صحيفة “صوت المتقاعد” وزيرة التضامن والتنمية الاجتماعية والمساواة والأسرة جمبلة المصلي: نحن أمام شيخوخة مجتمعية متنامية

حاورها: محمد رضوان

• بداية نود أن تعطينا صورة عن الوضعية الديمغرافية الراهنة للمسنين على المستوى الوطني؟

الوزيرة جميلة المصلي – لابد من التأكيد بداية على أن مقاربتنا لموضوع المسن لها طابع خاص، حيث ننظر إلى المسن ليس كشخص ينتظر أجله، ولا كعبء ينبغي التخلص منه، بل كإنسان له حقوق، ويمثل ثروة لا مادية يمكن أن يستفيد منها المجتمع. حتى إنه في بعض الثقافات يعتبر موت مسن بمثابة احتراق مكتبة. وذلك لما يخزنه المسن من معرفة بالبيئة التي عاش فيها، ومنهم مثقفون وذوو خبرات، ومنهم حاملو حرف منقرضة أو مهددة بالانقراض، إلى غير ذلك. ومن جهة أخرى فالمسن يعبر عن مرحلة عمرية تتسم عموما بالهشاشة، ويحتاج فيها الإنسان إلى الرعاية، وأغلب المجتمعات تشهد ظاهرة توسع قاعدة المسنين من الناحية الديموغرافية. والمغرب في هذا الإطار لا يشكل استثناء.

وبالرجوع إلى سؤالكم فالمغرب يعرف، على غرار معظم الدول، تزايدا مطردا ومتناميا في عدد الأشخاص المسنين، حيث يمثل حاليا عدد الأشخاص البالغين من العمر 60 سنة أو أكثر ما يزيد عن 9,4 في المائة من مجموع السكان حسب الإحصاء العام للسكان الذي أنجزته المندوبية السامية للتخطيط سنة 2014. ومن حيث الحجم، انتقل عددهم من 2,376 مليون نسمة سنة 2004 إلى حوالي 3,209 مليون نسمة سنة 2014، تمثل النساء 51 بالمائة. وقد تطور ذلك الحجم بزيادة نسبية قدرها 35 في المائة خلال تلك الفترة.

وحسب إسقاطات السكان والأسر للمندوبية السامية للتخطيط، سيعرف عدد الأشخاص البالغين 60 سنة فما فوق تزايدا مطردا ما بين 2014 و2050، وذلك بوتيرة تزايد تقدر بـ 3,3 في المائة كل سنة في المتوسط، بحيث ستتضاعف هذه الفئة بأكثر من ثلاث مرات لتنتقل من 3,2 مليون إلى 10,1 مليون، وستمثل 23,2 في المائة من مجموع السكان.

هذه المعطيات تبين أننا أمام ظاهرة إنسانية متنامية تتطلب سياسات عمومية استباقية، خاصة وأن تلك الفترة العمرية (60 سنة فما فوق) تعرف هشاشة خاصة في الجوانب الصحية.

فينبغي مثلا التوقف عند نسبة الأشخاص في وضعية إعاقة البالغين 60 سنة فما فوق، فهذه الفئة تمثل حاليا 33,7 في المائة من جميع المسنين. كما أن الأمراض، وخاصة المزمنة منها، تنتشر وسط فئة المسنين، فحسب نتائج البحث المتعاقب للأسر لسنة 2015 ، الذي تجريه المندوبية السامية للتخطيط، فإن المعدل العام للأمراض والحوادث والإصابات وسط الأشخاص البالغين 60 سنة فما فوق تبلغ 32.6 بالمائة، وهو جد مرتفع في المدن حيث يصل إلى 36.3 بالمائة مقابل 27.4 بالمائة في القرى. ونسبة المراضة هذه ترتفع أيضا حسب الجنس حيث تسجل نسبة 36.6 بالمائة لدى النساء مقابل 28.9 عند الرجال، وأيضا فهذه النسبة تزداد مع التقدم في السن لتصل إلى 41 بالمائة وسط البالغين 75 سنة فما فوق.

• ما أشرتم إليه السيدة الوزيرة يعجل بالسؤال التالي: ما هي التدابير الحكومية المتخذة لصالح هذه الفئة من المواطنين؟

الوزيرة جميلة المصلي – هذا ما أردت الحديث عنه، فقضايا الأشخاص المسنين تحظى باهتمام كبير من طرف الحكومة، وذلك استجابة للحاجيات الاجتماعية المتنامية لهذه الفئة. وكما تعلمون فقد نص دستور المملكة لسنة 2011، في الفصل 34 منه على «وضع وتفعيل سياسات موجهة إلى الأشخاص والفئات ذوي الاحتياجات الخاصة من بينهم المسنون «، كما أن البرنامج الحكومي 2016-2021، في محوره الرابع، أفرد مجموعة من التدابير لفائدة هذه الشريحة العمرية. منها وضع سياسة وطنية للأشخاص المسنين، واعتماد إطار تنظيمي لتدخل الدولة والمجتمع المدني لضمان كرامتهم وحقوقهم، وتفعيل المرصد الوطني للأشخاص المسنين؛ كما نص على تطوير أساليب بديلة عن التكفل المؤسساتي بالأشخاص المسنين. وتعزيز التكوين والتدريب في مهن الشيخوخة. وهي تدابير مهمة ترسم معالم خريطة طريق واعدة.

وفي ظل هذه التطورات السوسيوـ ديمغرافية الحالية والمستقبلية، التي يعرفها المغرب والتحديات التي تطرحها الشيخوخة فقد اتخذت الحكومة المغربية مجموعة من الإجراءات والتدابير منها ما هو عام ويستفيد منه المسنون أيضا، ومنها ما هو خاص بهذه الفئة للاستجابة لحاجياتها المتزايدة، بهدف النهوض بأوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

بالنسبة للإجراءات العامة التي يستفيد منها المسنون أيضا، نشير إلى التي نظمها القانون رقم 65.00 بمثابة مدونة للتغطية الصحية الأساسية، وتشمل إحداث تأمين إجباري أساسي عن المرض قائم على بمبادئ وتقنيات التأمين الاجتماعي. وإحداث نظام المساعدة الطبية القائم على مبادئ المساعدة الاجتماعية والتضامن الوطني لفائدة السكان المعوزين. وإحداث صندوق دعم التماسك الاجتماعي كآلية جديدة لدعم الأشخاص في وضعية هشة، بما فيهم المسنون. والتطورات التي عرفتها السياسة الدوائية الوطنية من خلال تأمين الولوج العادل والشامل للأدوية الأساسية ذات الجودة العالية وبأثمنة مناسبة، إذ تم تخفيض أسعارها بنسب تتراوح ما بين 20 و80 بالمائة… وهذه الإجراءات التي تهم التقاعد والجوانب الصحية مهم بالنسبة للمسنين على اعتبار خصوصيات تلك المرحلة العمرية والتي تتميز بالهشاشة الصحية بالخصوص.

وعلى المستوى التشريعي تشتغل الوزارة حاليا على إعداد النصوص التنظيمية الخاص بالقانون 65.15 المتعلق بمؤسسات الرعاية الاجتماعية، بتنسيق مع الأمانة العامة للحكومة. ومن ضمنها النص التنظيمي المتعلق بالتكفل عن بعد لفائدة الاشخاص المسنين وتقديم الخدمات بعوض. وكذلك إعداد مشاريع النصوص التطبيقية المتعلق بتنزيل القانون 65.15 المتعلق بمؤسسات الرعاية الاجتماعية. وإعداد مشروع قانون رقم 45.18 المتعلق بمهنة العاملات والعاملين الاجتماعيين، حيث تمت المصادقة عليه في المجلس الحكومي، وهو حاليا ضمن مسطرة المصادقة في البرلمان. وهو قانون مهم بالنسبة للمسنين حيث أن المهنة التي ينظمها تعنيهم بشكل أساسي مما سوف يسمح بتجويد الخدمات المقدمة إليهم وحمايتها وحماية حقوق المستفيدين منها.

وعلى المستوى المؤسساتي نجد عددا من مراكز الرعاية الاجتماعية المستقبلة للأشخاص المسنين التي ينظمها القانون 65.15 المتعلق بشروط فتح مؤسسات الرعاية الاجتماعية، وتبلغ حاليا 62 مؤسسة، يستفيد منها حاليا 5029 مسن، منها 49 مؤسسة مرخصة، وتستجيب للمعايير المعتمدة، ومنها 8 مؤسسات نهارية فقط. وفي هذا الصدد ينبغي التأكيد على أن الحديث عن مؤسسات الرعاية الاجتماعية الخاصة بالمسنين لا تعني أن مصير المسن هو ولوج هذه المؤسسات، فالمبدأ الأساسي في مقاربة موضوع المسن هو أن الأسرة هي المكان الطبيعي لعيش المسن، وأن الولوج إلى تلك المؤسسات يمليه ظروف خاصة تتعلق بوضعية المسن الاجتماعية، فقد يكون بدون معيل، أو في وضعية الشارع، أو متخلى عنه وغير ذلك من الاعتبارات.

وعلى مستوى البرامج الموجهة لتلك الفئة، ففي إطار الاختصاصات الموكلة لوزارة التضامن والتنمية الاجتماعية والمساواة والأسرة فقد عملت على إعداد وتنفيذ مجموعة من البرامج وهي كالتالي:

إعداد وتنفيذ البرنامج الوطني لتأهيل مؤسسات الرعاية الاجتماعية للأشخاص المسنين، للفترة الممتدة ما بين 2017-2021، الذي يتضمن ستة محاور أساسية، أشير إليها باقتضاب، وهي:

المحور الأول، يتعلق بالتأهيل المادي للمراكز، وذلك من خلال توفير الاحتياجات الضرورية والملحة والمتعلقة بالإصلاح والترميم أو التوسعة، للمؤسسات أو توفير بعض التجهيزات، التي فرضتها الزيادة في الطاقة الاستيعابية، أوتعويض بعض الأجهزة المتلاشية، حيث تم حصر التكلفة المالية لتأهيل 39 مؤسسة في 10 043 336,45 درهما.

المحور الثاني، يتعلق بتأهيل الموارد البشرية وتقوية قدراتها، حيث تم إنجاز دورات تكوينية لفائدة مسؤولي الجمعيات المسيرة للمراكز، والمديرين، والعاملين الاجتماعيين، في مجالات التخطيط والبرمجة، وتدبير المشاريع المندمجة في المجال الاجتماعي، والمشروع المؤسساتي والتواصل الداخلي والخارجي. كما تم تكوين الأطباء والممرضين العاملين والمتعاملين مع هذه المؤسسات في مجال طب الشيخوخة في إطار اتفاقية شراكة مع جمعية علوم الشيخوخة لتطوير مهاراتهم وخبراتهم في مجال الشيخوخة في الدار البيضاء، واستفاد من هذه الدورات جميع العاملين والمديرين ورؤساء الجمعيات في جهة الدار البيضاء والجهات الاخرى.

المحور الثالث، يتعلق بمعايرة الخدمات والنهوض بالجودة وإعداد دفاتر التحملات الخاصة بمؤسسات الرعاية الاجتماعية للأشخاص المسنين. فبغية تعزيز الدعم المؤسساتي للمراكز قامت الوزارة ببلورة دفتر التحملات الخاص بمراكز الرعاية الاجتماعية للأشخاص المسنين، وكذا إعداد خطة تنمية وتطوير كل مؤسسة للرعاية الاجتماعية «مشروع مؤسسة» في إطار تجربة نموذجية لخمس مراكز بكل من الرباط، وجدة، تطوان، الدار البيضاء وسلا، وتعمل الوزارة على تفعيل مشروع المؤسسة لهذه المراكز.

المحور الرابع، يتعلق بمواكبة المراكز غير المرخصة قصد تأهيلها لتوفير الشروط والمعايير الضرورية لحصولها على الترخيص.

المحور الخامس، يتعلق بمواكبة المراكز المحدثة وفي طور البناء حيث تم إبرام اتفاقية شراكة بين الوزارة ومؤسسة التعاون الوطني بهدف توفير التجهيزات الضرورية ل10 مراكز للاستقبال ومساعدة الأشخاص المسنين بدون عائل، بتعبئة 6 مليون درهم من ميزانية الوزارة.

المحور السادس، ويتعلق بتنويع الخدمات لفائدة المسنين والتكفل عن بعد، وذلك من خلال دعم الجمعيات لتقديم خدمات التكفل عن بعد لفائدة المسنين في مقـر إقامتـهم، وكذا المتواجدين بمراكز الرعاية الاجتماعية.

لكن الوزارة لا تستهدف المسنين وحدهم ببرامجها، بل تستهدف أيضا المجتمع وخاصة أفراد الأسرة، لأن جزءا كبيرا من مسؤولية العناية بالمسن تقع على الأسرة والمجتمع، مما يتطلب العمل على تعزيز التضامن بين الاجيال، وهو ما تستهدفه حملات التحسيس الخاصة بالمسن. ففي إطار تعزيز الجهود التي تبذلها وزارة التضامن والتنمية الاجتماعية والمساواة والأسرة لترسيخ قيم التكافل والتضامن بين الأجيال، حيث دأبت الوزارة منذ سنة 2013، على تنظيم الحملة التحسيسية الوطنية لرعاية الأشخاص المسنين، كل سنة . من جهة أخرى ولإعطاء بعد جهوي لأنشطة الحملة يتم تنظيم لقاءات جهوية ومحلية بمختلف جهات المملكة بشراكة مع مؤسسة التعاون الوطني وشركاء آخرين وجمعيات المجتمع المدني.

ولتعزيز الجانب العلمي في موضوع المسنين، وتوفير المعطيات الحيوية حولهم، تم إحداث المرصد الوطني للأشخاص المسنين كآلية وطنية لرصد الأوضاع الديمغرافية والاجتماعية والاقتصادية للأشخاص المسنين، وتطوير المؤشرات والمعطيات، والنهوض بالبحث العلمي في هذا المجال، وتوسيع مجالات التشاور والشراكة مع كافة المتدخلين.

ومن ضمن مهام المرصد الوطني للأشخاص المسنين إعداد تقارير سنوية موضوعاتية حيث تم في هذا الإطار إعداد التقرير السنوي الأول للمرصد الوطني للأشخاص المسنين، والذي يتضمن معطيات وبيانات متنوعة وشاملة تتعلق بمختلف الجوانب الديموغرافية والصحية والاجتماعية والثقافية، المرتبطة بواقع الأشخاص المسنين في المغرب. كما قدم التقرير خلال لقاء تواصلي نظم في المعرض الدولي للنشر والكتاب بالدار البيضاء في نسخته السادسة والعشرين عرف مشاركة مختلف الفعاليات وعرف تكريم مجموعة من المسنين والأشخاص المتطوعين في مجال حماية الأشخاص المسنين والتكفل بهم في مؤسسات الرعاية الاجتماعية.

• أشرتم إلى مشروع سياسة عمومية خاصة بهذه الفئة من المواطنات والمواطنين، ما دورها وأهميتها؟

الوزيرة جميلة المصلي – هذا سؤال مهم، وسوف نقارب الإجابة عنه من زاويتين، الزاوية الأولى تتعلق بالمعنى الديموغرافي والاجتماعي الذي تمثله هذه الفئة من المواطنات والمواطنين على المدى البعيد، وهنا أعيد التذكير ببعض المؤشرات الرقمية الدالة، أهمها أننا في أفق 2050، ستتضاعف حجم هذه الفئة بأزيد من ثلاث مرات لتنتقل من 3,2 مليون حاليا إلى 10,1 مليون، وكما ستبلغ نسبتها من مجموع السكان 23,2 في المائة. هذه الأرقام وحدها كافية لنعلم أننا أمام شيخوخة مجتمعية متنامية. أما إذا أضفنا إليها ما يعانيه جزء كبير من هذه الفئة من هشاشة اجتماعية وصحية، فسندرك أننا أمام تحد متنام يتطلب معالجة استباقية ناجعة. فينبغي مثلا التوقف عند نسبة الأشخاص في وضعية إعاقة البالغين 60 سنة فما فوق، فهذه الفئة تمثل حاليا 33,7 في المائة من جميع المسنين، حسب نتائج البحث الوطني الثاني حول الإعاقة الذي أجرته الوزارة سنة 2014.

وإذا أضفنا إلى هذه المعطيات المتعلقة بهؤلاء الأشخاص المسنين ما يتعلق بالتوجه نحو توسع الأسر النووية نتيجة توسع الحجم الإجمالي للأسر والذي سيصل حجمها في أفق 2030 فقط أزيد من 13.7 مليون أسرة، فسندرك أننا أمام ظاهرة مجتمعية وإنسانية مركبة ومتنامية تتطلب سياسات عمومية استباقية، تحد من مختلف الضغوطات التي سوف تنشأ عن الوضع السوسيو ديموغرافي المرتقب.

الزاوية الثانية، وانطلاقا مما سبق، تؤكد أن قضايا الأشخاص المسنين هي قضية مجتمع لها طابع عرضاني يهم أكثر من جهة، فهي ليست قضية يمكن أن يعالجها راهنا ومستقبلا قطاع حكومي واحد. ولتعزيز النهوض بدور الأسرة والهياكل المؤسساتية في التكفل بالأشخاص المسنين، وحماية حقوقهم، أعدت وزارة التضامن والتنمية الاجتماعية والمساواة والأسرة، مشروع السياسة العمومية المندمجة للنهوض بأوضاع الأشخاص المسنين، كجواب وطني آني ومستقبلي عن التحديات التي بدأت تلوح في الأفق، وكإطار لبلورة البرامج وتطويرها. ونظمت الوزارة في هذا الشأن لقاءات تشاورية مع ممثلي القطاعات الحكومية والمؤسسات الوطنية والخبراء والباحثين والجمعيات المسيرة لمراكز الرعاية الاجتماعية للأشخاص المسنين، والجمعيات العاملة في مجال حماية الأشخاص المسنين، بهدف تحديد الأولويات وصياغة التوصيات واستعراض التحديات المتعلقة بالشيخوخة في المغرب، وكذا الاطلاع على أهم المبادرات التي قام بها الفاعلون في المجال، والتعرف على الصعوبات التي تحول دون النهوض بأوضاع المسنين.

و تم إرسال مسودة وثيقة السياسة العمومية المندمجة للنهوض بأوضاع الأشخاص المسنين إلى القطاعات الحكومية المعنية لإبداء ملاحظاتها حول النسخة النهائية حيث تجاوبت القطاعات مع المشروع، وعبرت عن دعمها واستعدادها لمواكبة الوزارة في تنزيل هذا المشروع، وسيتم قريبا تقديم المشروع على أنظار مجلس الحكومة.

• وماهي أهم محاور هذا المشروع؟

الوزيرة جميلة المصلي – يتضمن مشروع السياسة العمومية المندمجة للنهوض بأوضاع الأشخاص المسنين أربع محاور رئيسية. المحور الأول يتعلق بتعميم التغطية الاجتماعية والوقاية من المخاطر المرتبطة بالشيخوخة، وهذا محور حيوي يكتسي أهميته من الخصائص السوسيو ديموغرافية والصحية التي أشرنا إليها سابقا، والتي تدور حول الأمن الصحي والأمن الاجتماعي، وهي جوانب مهمة لتحقيق إدماج المسن في بيئته في مختلف جوانبها. والمحور الثاني يتعلق بتوفير بيئة تمكينية داعمة وهذا أمر حيوي، فبدون تلك البيئة يصعب إدماج المسن في الحياة العامة، ويصعب تحفيزه للإندماج فيها، وفي هذا المحور نستهدف أيضا رزنامة من حقوق المسن، تحفظ كرامته وأمنه. والمحور الثالث يتعلق بتعزيز المشاركة السياسية والاجتماعية والثقافية للأشخاص المسنين، وهذا المحور يعكس النظرة الإيجابية للمسن كمواطن يمكنه أن يقدم الكثير للمجتمع، ويقطع مع الصورة النمطية التي تقدم المس كشخص ضعيف ينتظر الموت. وتأطير المسنين وفق المقاربة التي نعتمدها من شأنه أن يحفزه للمشاركة والعطاء. المحور الرابع يتعلق بتطوير المعرفة والنهوض بالمجال التشريعي وتعزيز التحسيس والتوعية بمجال الأشخاص المسنين، وهذا من شأنه أن يدعم علميا وتشريعيا ومجتمعيا جهود النهوض بأوضاع المسنين.

• ما ذكرتموه يحيل على سؤال يهم المجتمع المدني وموقعه في كل هذا، فكيف تقيمون دور الجمعيات في هذا المجال؟ وهل من شراكات معها ؟ وما هو حجم الدعم الذي تقدمونه لها؟

الوزيرة جميلة المصلي – تقوم جمعيات المجتمع المدني بأدوار أساسية ومحورية للنهوض بأوضاع الفئات الاجتماعية بشكل عام، وأوضاع المسنين بشكل خاص، كما تساهم في تنزيل برامج الوزارة وسياستها الموجهة لهذه الفئات من خلال اتفاقيات الشراكة معها، والتي توفر لها الدعم.

في موضوع الأشخاص المسنين جعلت الوزارة من دعم مشاريع الجمعيات العاملة في مجال حماية تلك الفئة من بين المجالات التي توليها أهمية كبرى. ونجد نوعين من الجمعيات المشتغلة في هذا المجال.

النوع الأول وهي الجمعيات التي تقوم بتسيير مراكز الرعاية الاجتماعية للأشخاص المسنين، ويبلغ عددها 62 جمعية على المستوى الوطني. وهذه الجمعيات تربطنا بها شراكات متجددة، يتم من خلالها تقديم رخصة الفتح لتسيير مراكز الرعاية الاجتماعية وبموجب هذه الرخصة تستفيد من منح سنوية خاصة بالتسيير. كما أن هناك منحا توجه لتأهيل المراكز الكبرى، بترميم وإصلاح المرافق الضرورية و تجهيز المراقد والمطبخ والمرافق الأخرى أو تجويد الخدمات المقدمة بالمؤسسات وضمان استمرارها و النهوض بمستوى التأطير داخلها.

أما بخصوص النوع الثاني من الجمعيات وهي التي تشتغل في مجال حماية حقوق الأشخاص المسنين و تقوم بالدفاع والترافع على حقوقهم، فهذه الجمعيات كثيرة ومتنوعة، منها جمعيات المتقاعدين والفدراليات… وهي بدورها تستفيد من دعم الوزارة وذلك عبر إطلاق مشاريع سنوية في مجال رعاية وحماية الأشخاص المسنين، بحيث تقوم بتعبئة الموارد المالية وذلك عبر سلوك المساطر المعمول بها لدعم الجمعيات من أجل تقديم خدمات التكفل عن بعد لفائدة المسنين في مقـر سكناهم، وكذا المتواجدين بمراكز الرعاية الاجتماعية، وتشمل الخدمات المنزلية (المساعدات الغذائية، الحلاقة، والطهي …) والعلاجات شبه الطبية والإسعاف الاجتماعي، والمواكبة النفسية والاجتماعية.

• كانت هناك حملات تحسيسية محدودة من حيث العدد والأثر لفائدة المسنين، بدأت في 2013 وتوقفت في 2015، فما مصير تلك الحملات؟

الوزيرة جميلة المصلي – للتدقيق فالحملة الوطنية التحسيسية الأولى بدأت فعلا سنة 2013 تحت شعار «الناس الكبار كنز في كل دار» ، واستمرت الحملات إلى غاية 2019. وقد بلغ عددها 5 حملات باستثناء سنة 2015 التي تزامن إطلاق الحملة فيها مع تنظيم المؤتمر العربي حول كبار السن بين الرعاية الأسرية والمؤسسية الذي كان بمراكش بتاريخ 6 إلى 8 أكتوبر 2015. وهو حدث دولي تشرفت بلادنا باستضافته، ومكن من فرض موضوع المسنين في واجهة الاهتمام في الإعلام ولدى الرأي العام. والآن تستعد الوزارة لإطلاق الحملة التحسيسية السادسة للأشخاص المسنين برسم 2020. وهذه السنة واعتبارا لمستجد جائحة كورونا ارتأينا أن يكون الشعار هو :»بيئة آمنة للأشخاص المسنين: مسؤوليتنا جميعا».

أما من حيث الأثر فتلك الحملات ساهمت بفعالية في جعل قضايا المسنين تحظى باهتمام واسع، سواء كأفراد أو مؤسسات. حيث يتم تنظيم لقاءات تحسيسية وتوعوية من أجل تعزيز التضامن والتكافل بين الأجيال، ويطرح موضوع المسنين للنقاش العمومي سواء من خلال الندوات التي تنظمها الجامعات بشراكة مع الوزارة والمرصد الوطني للأشخاص المسنين، أو من خلال مختلف الأنشطة التي تنظمها جمعيات المجتمع المدني وخاصة الشريكة للوزارة.

• يسجل شبه غياب لمؤسسة وطنية تعنى بفئة المسنين، والمرصد الوطني للأشخاص المسنين، الذي جرى الحديث عنه كثيرا في هذه الوزارة، لا يظهر له وجود أو تأثير في مجال عمله، فما هو السبب؟

الوزيرة جميلة المصلي – هذا غير صحيح. وقبل توضيح هذا الأمر لابد من التذكير بمهامه كي تتضح الأمور أكثر. فالمرصد هو آلية وطنية لرصد الأوضاع الديمغرافية والاجتماعية والاقتصادية للأشخاص المسنين، وتتبع تطور المؤشرات والمعطيات، والنهوض بالبحث العلمي في هذا المجال، وتوسيع مجالات التشاور والشراكة مع كافة المتدخلين الاجتماعيين. ويتميز المرصد بتركيبة تتكون من القطاعات الحكومية، والجمعيات، ومراكز البحث العلمي والتقني، وخبراء. والمهام التي يقوم بها المرصد تتعلق بوضع آليات الرصد واليقظة لتتبع أوضاع المسنين من خلال إحداث منظومة معلوماتية لتتبع ورصد أوضاع وحاجيات الأشخاص المسنين، وإنجاز بحوث ودراسات حسب الحاجة، وإعداد تقرير سنوي وتقارير موضوعاتية حسب الحاجة، بشأن وضعية الأشخاص المسنين والتحديات التي تواجههم، واقتراح مؤشرات من أجل تقييم البرامج المنجزة أو قياس أثرها على واقع المسنين. وتقديم الاستشارة للوزارة بخصوص السياسات العمومية والاستراتيجيات والبرامج والأنشطة ذات الصّلة ومشاريع القوانين المرتبطة باختصاصه، وتطوير شراكات وطنية وشبكات دولية تعنى بأوضاع المسنين.

وبعد تأسيسه سنة 2016 أصدر المرصد تقريره الأول الذي تم تقديمه السنة الماضية، والآن هو بصدد إعداد تقريره الثاني. والمرصد سجل حضوره في عدة مشاركات متميزة ومتعددة في مختلف التظاهرات العلمية والتحسيسية المتعلقة بالأشخاص المسنين.

والمرصد يعتبر شريكا رئيسيا للوزارة في صياغة البرامج والسياسات ومختلف المشاريع ذات الصلة بمهامه.

• ظاهرة سلبية مستجدة في المشهد المغربي تتعلق بظهور عدد من المسنين بدون مأوى ومتسولين، وبعضهم يبحث في صناديق القمامة عما يغنيه من شدة الحاجة، هل أصبح المغرب يعرف ظاهرة «شيوخ الشوارع» على غرار «أطفال الشوارع»؟

الوزيرة جميلة المصلي – الأنسب أن نتحدث عن «مسنين في وضعية الشارع»، وهذه الفئة تسجل في أوساطها بعض من المظاهر التي أشرتم إليها لكنها ليست بتلك الدرجة من القتامة. ولتوضيح ذلك هناك حقيقة مرة لابد من تسجيلها وهي أن نتائج الدراسة حول وضعية الأشخاص المسنين، التي أعدتها وزارة التضامن والتنمية الاجتماعية والمساواة والأسرة بشراكة مع المرصد الوطني للتنمية البشرية سنة 2017، أظهرت أن هناك تحولات جذرية في البنية الاجتماعية، أصبحت تطغى فيها القيم الفردية والأسر النووية، وسجل فيها دور الأسرة تراجعا ملحوظا على مستوى رعاية كبار السن، وحسب نتائج تلك الدراسة نجد أن 7.3 في المائة من الأشخاص المسنين، الذين تناهز أعمارهم 60 سنة فما فوق يعانون من الإقصاء الاجتماعي وسوء المعاملة، وتبلغ تلك النسبة 7.7 في المائة عند الرجال مقابل 6.8 في المائة عند النساء. كما أن أزيد من ثلث المسنين (35%) يعيشون في أسر نووية. وهذه المؤشرات تكشف عوامل الهشاشة المحيطة بالمسنين والتي تفسر جزءا كبيرا من ظاهرة «المسنين في وضعية الشارع».

الأمر الثاني الذي ينبغي التأكيد عليه هو أن حجم «المسنين في وضعية الشارع» بالمغرب والحمد لله حجم متحكم فيه، فقد أكدت نتائج أكبر عملية إيواء الأشخاص في وضعية الشارع عرفها المغرب، التي نظمتها الوزارة بشراكة مع التعاون الوطني وبتعاون مع مختلف المتدخلين، من سلطات محلية ومجتمع مدني، وجماعات محلية ومصالح خارجية لوزارة الصحة وغيرهم، خلال فترة الحجر الصحي في ظل جائحة كورونا، أن في مجموع الأشخاص في وضعية الشارع البالغ عددهم 6673 شخص، إذا أخذنا 10 ماي 2020 كتاريخ مرجعي، نجد المسنين يبلغون 848 مسن، من بينهم 103 امرأة. وهذه المعطيات التي يوفرها التعاون الوطني تبين أن المسنين لا يمثلون سوى أقل من 12.7 في المائة من الأشخاص في وضعية الشارع. وكما هو معلوم فقد تم إيواء هؤلاء في المراكز الخاصة بذلك، وبعضهم تم إدماجهم في أسرهم.

وما سبق يبين أنه من جهة هناك عوامل سوسيو ديموغرافية واقتصادية تفرز «المسنين في وضعية الشارع» وفي نفس الوقت تظهر المعطيات الواقعية أن حجم الظاهرة اليوم متحكم فيه. وهذا يحفز على تكثيف الجهود لمواجهة ظاهرة الأشخاص في وضعية الشارع عموما، وللمسنين منهم والأطفال بشكل خاص. وفي هذا السياق فالوزارة، وبتعاون مع مؤسسة التعاون الوطني، من موقعهما يقومان بمجهود كبير. يتجلى أولا في إطلاق حملات سنوية لإيواء هذه الفئة من المجتمع من وضعية الشارع سواء تعلق الأمر بالإيواء الدائم بالنسبة للمسنين الذين ليس لهم عائل أو بدون مورد، أما بخصوص المسنين الذين يتوفرون على أسر فيتم الاتصال بأقاربهم وإجراء عملية الوساطة الأسرية من أجل إعادة وإدماج المسن بوسطه الأسري كما يتم تقديم مساعدات عينية لبعض الحالات.

• معلوم أن معظم ضحايا جائحة كوفيد 19 كانوا من كبار السن عبر العالم، إلى أي حد تضرر مسنو المغرب من هذه الجائحة، وهل لكم أرقام رسمية حول عدد ضحايا هذا الوباء وسط هذه الفئة الاجتماعية؟

الوزيرة جميلة المصلي – صحيح أن معظم ضحايا جائحة كوفيد 19 كانوا من الأشخاص المسنين عبر العالم بسبب الوضع الصحي الهش والغالب في هذه الفئات. وإذا رجعنا إلى بعض المعطيات التي نشرها موقع الأمم المتحدة نجد أن نسبة الأشخاص البالغين 60 سنة فما فوق من ضحايا كوفيد تبلغ 95 بالمائة في أوروبا، وفي الولايات المتحدة نجد نسبة وفيات الأشخاص البالغين 65 سنة فما فوق بسبب كورونا تبلغ 80 بالمائة، ونفس النسبة تقريبا سجلت في الصين. ومعظم الوفيات تسجل في مراكز الرعاية الاجتماعية.

لكن في المغرب، والحمد لله، بحكم التدابير الاحترازية لم تسجل أية إصابة وسط المسنين في مراكز الرعاية الاجتماعية طيلة الشهور الماضية، باستثناء تسجيل حالات محدودة بمدينتي مراكش وميدلت. وذلك بفعل الاجراءات الصارمة التي اتخذتها الوزارة بتعاون مع مؤسسة التعاون الوطني والجمعيات المسيرة لمراكز الرعاية الاجتماعية للأشخاص المسنين، كما قامت الوزارة بوضع وتنفيذ خطة عمل وقائية وحمائية وتتضمن سلة من الخدمات نذكر منها توزيع عُدة السلامة، وإطلاق عملية التكفل بالأشخاص المسنين بدون مأوى، وخدمة الإرشاد والتوجيه والمواكبة عن بعد، وإعداد دليل عملي لمواكبة التخفيف من إجراءات الحجر الصحي بمؤسسات الرعاية الاجتماعية للأشخاص المسنين، والتواصل والتحسيس من خلال إعداد وصلات تحسيسية وتوعوية وإحداث موقع خاص بالمسنين، وتعبئة مجتمعية ومبادرات مواطنة …

• ماهي رسالتكم الموجهة إلى المجتمع المغربي في هذا اليوم العالمي للمسنين؟

الوزيرة جميلة المصلي – قضية الأشخاص المسنين هي قضية الجميع بدون استثناء، انطلاقا من الأسر ودورها الحيوي في الرعاية الاجتماعية والنفسية، مرورا بالمجتمع المدني ومؤسسات التنشئة الاجتماعية التي ينبغي أن تبث قيم تكريم الأشخاص المسنين وحمايتهم والعناية بهم، وصولا إلى الأحزاب والحكومة ودورهما في وضع السياسات وفي التشريع وغير ذلك من المهام.

لابد أن يستحضر الجميع أن «الأشخاص المسنين» سيكونون قضية المجتمع الأولى في العشرية القادمة، وعلى الجميع التعاون والتعبئة لتعزيز قيم تماسك الأسر باعتبارها المحضن الطبيعي لتلك الفئة، وتعزيز قيم التضامن بين الأجيال، وقيم الاحترام والتقدير لهؤلاء الأشخاص. ومشروع السياسة العمومية للنهوض بأوضاع الأشخاص المسنين سوف توفر الإطار المناسب للتعاون لحماية حقوق تلك الفئة والنهوض بأوضاعها، وتحويلها إلى مصدر قوة للمجتمع المغربي. وباعتبار ما يزخر به مجتمعنا من قيم متأصلة تتعلق بالتضامن وتقدير الشخص المسن، وقيم العناية بالوالدين، وغيرها من القيم، أجدني متفائلة إلى مستقبل التعاون بين الجميع لإنجاح الجهود في هذا المجال.

العدد 4 و 5 – 16/ 30 شتنبر — 01 / 15 أكتبر 2020

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى