آراء

في الحاجة لأبي العباس السبتي

صحيفة لبيب- 14 ماي 2020

عبد السلام المفتاحي..

رواية جيران أبي العباس؛ هذه رواية تاريخية تستحق أن تُقرأ في هذه الايام من الحجر الصحي، ففي نسيج سردي تخييلي كلاسيكي الشكل ولكنه متماسك وممتع يقدم احمد التوفيق رواية تستعرض أحداثا ووقائع وشخصيات ومعان جرت في عهد الدولة الموحدية وتتخذ من ابي العباس السبتي دفين مدينة مراكش، الشخصية الرئيسية لهذا العمل.

أبو العباس الذي وافقت حياته في مراكش عهد التمكن والتوسع والبناء وكل شدائد الدولة الموحدية وأمجادها، في أزمنة ثلاثة خلفاء هم عبد المؤمن وابنه يوسف ويعقوب بن يوسف وجزء من عهد الخليفة الناصر. تتابع الرواية سردها لوقائع تلك الأزمنة بحروبها وفتنها وفتوحاتها وتوهجاتها وازدهارها وانكساراتها، وتقديم شخوصها من خلفاء ومفكرين وأدباء وفلاسفة وأطباء وأولياء ومجاذيب واصحاب أحوال وكرامات .

في قلب الرواية تنتصب قصة ابي العباس من الطفولة القاسية في سبتة الى أنْ حملته العناية الربانية الى مراكش حيث سيختاره ضمير الجماعة واحدا من رجالاتها الصالحين، وتستعرض الرواية في قالب تقريري مذهب الرجل في العطاء بدأً بالمشاطرة المتعينة بالإحسان في البذل مرورا بشكر النعمة والانفاق على الأصناف التي تصرف عليهم الصدقات بأكثر من النصف أو يزيد .

جيران ابي العباس يقول احمد التوفيق في آخر الرواية ” عوالم من أرباب السيف وأرباب القلم، من أهل العلم والنظر، من أهل النفع القاصد والعمل الكاسب، من أهل البناء والتأسيس،من أهل الصناعات والتجارات، من المخلصين وذوي الأطماع، من أهل العرفان ومن ذوي المجاهدات، من أهل الذوق والكرامات والصلاح والتصرفات، من الموسوسين ومن أهل الثبات واليقين، من الجواسيس والمغامرين. من الجذمى الصابرين، ومن ذوي العصبيات الثائرين، من الأغنياء المترفهين ومن الناس المُعدمين المُملقين، جيران أبي العباس في مراكش هم جيران في زمن حضاري بنَفَس مأساوي في تاريخ بلد يستحق أبو العباس أن يكون، ببساطة مذهبه، ووضوح مقصده، وأصالة مشربه، عنوانا شامخا له ،إذ هذا المذهب مبني على مبدإ كوني سام مفاده أن العطاء دواء لكل داء. “

لقد أُعطِيَ السبتي كما قال ابن عربي ميزان الجود، ومن قبل كان الفيلسوف ابن رشد قال عنه قولته الشهيرة ” هذا رجل مذهبه ان الوجود ينفعل بالجود “.

وهذا الشعار بالذات الذي رفعه ابو العباس السبتي منذ قرون بأن نَدْخل على الله من باب النفعِ على خلقِه، وبجعل الممارسة الدينية الحقيقية مجالا للإسعاف وبوجوب موافقة سلوك الإنسان لسنة الطبيعة المعطاء ، كم هو العالم -ونحن من هذا العالم- في حاجة له في هذه الأيام من الزمن الكوروني العجيب .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى