آراء

عبد الرحمان اليوسفي.. رجل بقامة وطن كان مدافعا عن قضية فلسطين حتى رحيله

صحيفة لبيب - 1 يونيو 2020

عمر حلمي الغول*

خاص بصحيفة لبيب..

رحل أحد القامات المغربية الهامة عن عمر يناهز ال96 عاما قضى جلها في الدفاع عن حرية واستقلال المغرب من الاستعمار الفرنسي، ودفع ثمن كفاحه، إلى جانب العديد من مناضلي الحرية، المطاردة والمنفى والاعتقال في فرنسا، وجابه تحديات جمة على الصعيد المحلي المغربي وعلى جبهات أخرى، حيث كان رمزا وعنوانا من عناوين العدالة الاجتماعية، ومساندة الشعوب في كفاحها البطولي، وكان نصيرا لفيتنام في دفاعها عن حريتها واستقلالها، وكان سندا قويا لقادة الثورة الجزائرية، ومحامي الدفاع عنهم عندما اعتقلتهم السلطات الاستعمارية الفرنسية عشية استقلال الوطن الجزائري، وكان مدافعا عن قضية فلسطين حتى رحيله، وفي كل المحافل العربية والأممية وقف بشموخ المناضل اليساري الديمقراطي منافحا عن العدالة السياسية والاجتماعية.

سي عبد الرحمن اليوسفي، أمين عام وزعيم حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، ورفيق وصديق الراحل الكبير المهدي بن بركة، وعبد الله إبراهيم وعبد الرحيم بوعبيد وغيرهم من زعماء حزب الإتحاد وأعمدة الحركة الوطنية المغربية المؤسسين، رحل بصمت يوم الجمعة الماضي الموافق 29 مايو 2020، لأن جائحة الكورونا ألقت بظلال كثيفة على ترجله عن المشهد الوطني والقومي والأممي. لكن مواقع التواصل الاجتماعي شهدت تفاعلات واسعة عن الرجل ورحيله ومكانته وعطائه وأصالته ودوره المتميز في كل مرحل حياته منذ ولد في 8 آذار/ مارس 1924 في مدينة طنجة حتى إلقاء التراب على جسده النحيل بجانب رفيق دربه عبد الله إبراهيم، بعد أن أنهكه المرض، واضطره لملازمة احد المستشفيات في الدار البيضاء.

كان سي اليوسفي على تماس مع ملوك المغرب الثلاثة؛ محمد الخامس، والحسن الثاني، ومحمد السادس، وربطته علاقات وثيقة بهم ، رغم انه كان زعيم المعارضة، وعاش في المنفى أكثر من عقدين من الزمن، وعندما أدخل المستشفى إثر أزمة صحية عام 2016 قام الملك الشاب محمد السادس بزيارته، وتقبيل جبينه، أضف إلى أن الملك ذاته قام شخصيا بافتتاح شارع باسمه قبل رحيله تكريما له ولمكانته ولوطنيته ولدوره الريادي على المستويات المختلفة. وهي كما قال اليوسفي نفسه المرة الأولى، التي يقوم فيها الملك بذلك السلوك الإيجابي تجاه شخصية مغربية، وهذا نتاج إدراك سيد المغرب أصالة وشجاعة وقوة مكانة الرجل، وحكمته، وتفانيه في الدفاع عن المغرب، وتغليبه مصالح البلاد على المصالح الشخصية والحزبية.

ولعل عام 2002 بعدما فاز حزبه بالانتخابات البلدية، وكان يفترض بالملك أن يكلفه بتشكيل الحكومة، غير انه كلف وزير الداخلية التكنوقراطي، إدريس جطو لتشكيل الحكومة، وهو ما اعتبره زعيم حزب الإتحاد “خروجا عن المنهجية الديمقراطية”، مما دعاه لاعتزال العمل السياسي. لكن الصلات بينه وبين الملك الشاب لم تنقطع.

وكما أشرت قضى الزعيم المغربي حياته بين المنفى والاعتقال والمطاردة، لكنه عاد للمغرب عام 1993، وفي شباط / فبراير عام 1998 كلفه الملك الحسن الثاني بتشكيل ما عرف بحكومة التناوب التوافقي. وخاطبه الملك السابق آنذاك قائلا: ” إنني اقدر فيك كفاءتك وإخلاصك، واعرف جيدا منذ الاستقلال أنك لا تركض وراء المناصب، بل تنفر منها باستمرار، لكننا مقبلون جميعا على مرحلة تتطلب بذل الكثير من الجهد والعطاء من اجل الدفع ببلدنا للإمام.”

ومنذ ذلك التاريخ انتقل اليوسفي وحزبه من المعارضة إلى الموالاة ورئاسة الحكومة، وانتهت عقود الصراع بين الحزب اليساري والنظام المغربي، وهو ما عرف بتجربة التناوب التوافقي. وكانت آخر حكومة يشكلها الحسن الثاني، واستمر متوليا الحكومة في عهد الملك محمد السادس حتى اعتزاله السياسة.

هناك رجال يصنعون من تجاربهم أيقونات للتاريخ، ويعطونه زخما وعظمة، لأنهم كانوا روادا في تمثلهم الدور الوطني والقومي والإنساني، ولا يهابون الجلاد الاستعماري، ولا الخلاف مع قادة البلاد ملوكا آم رؤساء أو أمراء، وينتهجون نهجا صادقا ومخلصا لذاتهم ولانتماءاتهم الحزبية والوطنية والإنسانية.

الراحل سي عبد الرحمن اليوسفي واحد منهم، زعيم بقامة وطن وأمة. لن ينساه المغرب، لأنه حفر اسمه في سجل الشعب والوطن المغربي. ورحمة الله عليه وعلى شهداء المغرب.

كاتب وباحث، عضو المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى