أخبار جمعيات المتقاعدين

شهادة في حق المرحوم بلقاسم الشطري.. رجل التحديات الكبرى

ادريس المشطاني

إنه بحق رجالات في رجل واحد، هذا هو فقيد الفدرالية الصديق والأخ بلقاسم شطري، كان صديقا في أول عهدي بالفدرالية فأصبح على مر الزمن أخا وهذا الشعور كان متبادلا من الطرفين.

فلا أكون مغاليا إذا قلت: أن السي بلقاسم اجتمع فيه ما تفرق في غيره فهو عدة رجالات أفذاذ في رجل واحد.

ذلك أن الفقيد المرحوم كان رجل المبادرات، ورجل المكارم والمكرمات، ورجل التوافقات، ورجل التضحيات، ورجل الكلمة والفعل ورجل الدفاع عن حقوق المتقاعدين.

1 – رجل الدفاع عن حقوق ومكتسبات وتطلعات المتقاعدين:

كان بحق مدافعا كبيرا عن حقوق المتقاعدين وتطلعاتهم، بالغالي والنفيس يرمي بكل جهوده في هذا المبتغى، وخصوصا الفئات الهشة ذات الدخل البسيط. فكان يدافع عن الأرامل اللاتي تتقاضين نصف المعاش وعلى الرفع من سقف المعاش الأدنى وعلى التخفيف من العبء الضريبي خصوصا على الفئات من 30.000 درهم إلى 50.000 درهم سنويا.

وفي كل الاجتماعات ينادي ويحلل ويدافع عن هذه الفئات التي تستحق الدفاع والمثابرة والنفَس الطويل. ومما لا مندوحة فيه أن المكاسب والنتائج الإيجابية التي حصلت عليها الفدرالية كمؤسسة وكتنظيم، كان له فيها مساهمة قيمة، نذكر على سبيل المثال لا الحصر: الرفع من الخصم الضريبي من 40% إلى60% والزيادة في الحد الأدنى للمعاشات وغيرها.

فدفاع السي بلقاسم كان مركزا ومنظما ينبني على الرؤيا البعيدة، والتمحيص الجيد، والتنقيب على الأفكار الجديدة واختيار الأسلوب اللائق للمخاطبة والتواصل.

فمكاتب وقبة البرلمان ومكاتب الوزارات شهود على الحضور المتميز للمرحوم رفقة أصدقائه من الفدرالية وعلى العمل الذي قاموا به من أجل الصالح العام ومن أجل المتقاعدين الذين أفنوا زهرة عمرهم في بناء الوطن العزيز.

2 – رجل المبادرات القيمة:

نعم وألف نعم، كم من مرة اقترح مبادرات جديدة وقيمة في نفس الآن والتي انبثقت على أعمال جليلة وموفقة.

ونحن نذكر آخر مبادرة نفيسة كانت تلك التي تتعلق بالمساهمة التطوعية للفدرالية في إطار حملة كوفيد 19 والتي آزرها جميع رؤساء الجمعيات والتي أسفرت عن جمع ما يناهز 100 ألف درهم، وكان للمرحوم الفضل في المبادرة وفي تسيير العملية من أولها إلى آخرها: اتصالات مع الرؤساء، مع البنك والتواصل مع الجمعيات في هذا المضمار. ولا زلت أذكر فيما أذكر سنة 2015 لما ساهم المرحوم جليا في بلورة وتحرير المذكرة التي رفعت إلى الديوان الملكي والتي تعتبر إلى الآن مرجعا أساسيا في نتاج الفدرالية. هذه المذكرة التي أشرف عليها الرئيس السيد العربي العزاوي وساهم في كتابتها وتحريرها كل من المرحومين : السي بلقاسم شطري والمرحوم عبد الرحمان الطاهري وعبد ربه. والكل يذكر أن السي بلقاسم ساهم مساهمة فعالة في إخراج جريدة “صوت المتقاعد” إلى الوجود وتسويقها وتوزيعها في أوساط الجمعيات وكانت له مبادرة القيام بحوار مع السي رضوان في العدد الثالث من الجريدة.

وستفقد الجريدة مع رحيل فقيد الفدرالية عموداً من أعمدتها وعضواً مهما من المدافعين عليها وعلى نجاحها.

3 – رجل التضحيات:

كان الرجل خدوما يضحي بوقته وجهده وكده على حساب راحته وعائلته فكان يقضي وقتا حتى آخر الليل في التأليف والتحرير والتصحيح والتنظيم والتوزيع فتراه عند بداية الاجتماع محفوفا بالملفات يبتسم لهذا ويسلم على الآخر ويوزع ورقة جدول الأعمال ويسلم للرئيس العزاوي مشروع رسالة إلى الدوائر الرسمية والجهات المعنية. كان أول من يحضر الاجتماعات وآخر من يغادر القاعات حيث أنه كان يتكلف بالمحاضر فلا تغيب عنه غائبة ولا تشوبه شائبة. دوما في نشاط مستمر وحالة إيجابية.

وكلنا يتذكر أنه كان يحضر جميع الجموع العامة السنوية للجمعيات ولا يتكاسل في المساهمة الفعلية والمداخلة إذا اقتضى الحال، وكذلك الشأن فيما يخص الاجتماعات الخاصة أو الأيام الدراسية التي تنظمها الجمعيات، فكان حضوره قويا رغم انشغالاته واهتماماته بالفدرالية وبجمعية شركة الدخان التي كان يرأسها.

4 – رجل التوافقات:

هو رجل التوافق بامتياز ذلك أنه يسعى إلى التقارب في الآراء رغم تباعدها. هدفه في ذلك السعي إلى الحلول الناجعة لا إلى تحليل المشاكل وتشخيصها زيادة عن اللزوم.

وكانت ميزته في بعض الأحيان “التغافل” الذي هو ميزة الأذكياء الذين يتركون للوقت أن يفعل فعلته فترجع الأمور إلى صوابها بحكم الزمن.

وخير دليل على السعي إلى التوافق هوما قام به في آخر اجتماع للجمع العام لجمعية متقاعدي الشركة المغربية للتبغ ذلك أنه استطاع أن يجمع ما بين الرئيس المدير العام الفعلي للشركة (Président Directeur Général)، والمدير المكلف بالموارد البشرية والرئيس الممثل النقابي لدى الشركة. وهذا حدث نادر انفردت به هذه الجمعية إذ لم نر في عمر الفدرالية أن الرئيس الفعلي للشركة يحضر الجمع العام إلى جانب الممثلين النقابيين والمتقاعدين.

وأذكر شخصيا أنني كان وقع بيني وبين السيد الرئيس العزاوي سوء الفهم بعمل مَّا فكان السي بلقاسم همزة الوصل في تبديد بعض الغمام الذي طرأ على علاقتنا وكان سببا كريما في إرجاع المياه إلى مجاريها إثر مقابلة ثلاثية جدية وهادفة.

5 – رجل الكلمة والفعل:

كان فقيد الفدرالية متمكنا من الكلمة : يستعمل المفردات والمترادفات العربية منها والفرنسية كما يشاء وكان يستهويه وضع الكلمة في موضعها والعبارة في مكانها من غير تضخيم ولا إطناب ولا مبالغة، رائدهُ في ذلك: “لكل مقام، مقال” وكم من مرة ونحن نحرر ورقة ما. كنا نقضي الساعة والساعتين في تحرير وضبط فقرة تتألف من بضع سطور. فكان رحمة الله عليه، يأخذ القلم ويتولى بنفسه أخذ آراء الحاضرين ويعيد قراءة الفقرة مرات ومرات حتى يستصيغ المحررون الجملة أو الفقرة التي ينبغي الاتفاق عليها.

وعن صدق وقوة ومتانة ما كان يصدر عن الفدرالية، أنه يمكن لأي أحد أن يأخذ أي منتوج سابق، ولو مضى عليه بضع سنين، ويراجعه الآن بمنظار اللحظة، فلا يمكن أن يغير فيه جملة ولا كلمة ولا حرفا إلا نادرا.

ويتبع المرحوم الكلمة بالفعل ذلك أنه كثيرا ما قام شخصيا بتسليم المراسلات إلى مكاتب المسؤولين المعنيين، وكثيرا ما اتصل بهم هاتفيا ليتيقن من وصول هاته المراسلات إلى المسؤول المعني بالأمر ويتأكد كذلك إن كان هناك جواب في الموضوع. كما أنه كان رجل الكلمة الشفوية فكان يتصل هاتفيا أو مباشرة بجميع مكونات الجمعيات من رؤساء وأعضاء وهو على اطلاع عام بما يجري داخل الجمعيات.

والأدهى من هذا أنه كان يساوي بين القول والفعل متجنبا بذلك ما نهى عنه الحق سبحانه في القرآن الكريم.

“كبر مقتا أن تقولوا ما لا تفعلون”

6 – رجل المكارم والمكرمات:

في مجال المكارم والمكرمات قام المرحوم بعدة أعمال خيرية نذكر منها على سبيل الذكر لا الحصر: سَنُّ إقامة لقاءات دينية وتأبينية للترحم على المتوفين من أعضاء الفدرالية.

كما كان يسعى إلى القيام بزيارة دور ومؤسسات خيرية والتي تقوم بخدمات إنسانية وكان يسعى إلى جمع إعانات لهذه المؤسسات.

وأذكر فيما أذكر أني كنت قد أعلنت إلى أعضاء مكتب الفدرالية المصغر أنني أترأس جمعية تافيلالت بالريصاني وأننا نبني ونشيد مسجدا بهذه المنطقة البعيدة على البيضاء بـ 700 كلم، وكان السي بلقاسم سباقا إلى المساهمة بقسط من المال وعلى ثلاث فترات متتالية، فنطلب من لله العلي القدير أن يتقبل منه هذا الجميل وأن يضعه له في الميزان المقبول.

لا يمكن سرد وكتابة كل ما قام به المرحوم من أعمال جليلة فهي عديدة ووازنة وهي التي ستظل بعد وفاته نبراسا تضيء طريق الفدرالية، ومَعْلَمَةً مرجعية، نرجع إليها كلما اقتضى الحال، ومثلا نبيلا من المثل العليا لتكون قدوة للأجيال الآتية. وأختم هذه الشهادة باقتراح، تعمل الفدرالية وجمعية العمر الذهبي من أجل أن تحمل القاعة بنادي الهمداني التي كانت تجتمع فيها الفدرالية ولازالت، اسم فقيد الفدرالية بلقاسم شطري، وستكون هذه التسمية عنوانا للوفاء له واعترافاً بعمله الدؤوب وتضحيته الجسيمة.

رحم لله فقيد الفدرالية وأسكنه فسيح جنانه مع الشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

وإنا لله وإنا إليه راجعون.

عضو المكتب المسير للفدرالية

شـهادة فـي حـق المـرحــوم السي بلقــاسم شطــــري:
«رجل التحديات الكبرى»

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى