مؤانسات

سويسرا.. جنة المتقاعدين بأعلى معاشات تقاعد في العالم

يوشك نظام التأمينات الاجتماعية في سويسرا على التداعي. ولكن في الوقت ذاته يحصل المتقاعدون السويسريون على معاشات مرتفعة جدا، وبصورة لا يكاد يكون لها مثيل في العالم. فهل تدفع سويسرا بالفعل معاشات تقاعد باهظة؟

يمثل السويسريون رجالاً ونساءً شعباً من المتقاعدين المحظوظين. فطبقاً لدراسة قام بها بنك “يو بي إس”، فإن المرء في سويسرا لا يتحتم عليه ادخار الكثير بنفسه لشيخوخته، وهذا بفضل معاشات التقاعد الجيدة، وبالمقارنة باثنتي عشرة دولة أخرى وبفارق كبير عنها ـ وكذلك في دولة تتسم بأنها الأغلى على مستوى العالم من حيث تكاليف المعيشة.

إذن فمن كان يعمل في سويسرا طوال عمره بدوام كامل، فإن وضعه في شيخوخته سيكون جيداً مقارنة بغيره.

دراسة

وتحظى سويسرا بنظام تأمينات اجتماعية متطور، حيث يقوم على ثلاثة ركائز مختلفة: فالتأمين الحكومي يؤمن تكاليف المعيشة للجميع بمعاش متواضع ذي حد أدنى. فضلاً عن ذلك يتم التأمين على الموظفين بصورة إجبارية في صندوق تقاعدي، مما يضمن لهم استمرار حياتهم بنفس المستوى المعتاد. أما الركيزة الثالثة فيمثلها الادخار الاختياري، والذي يتمتع بخصم ضريبي.

 أخطار مختلفة

“تعتبر سويسرا في الخارج قدوة تُحتذى على الدوام، وذلك بالنظر إلى تأمين التقاعد المتبع بها والذي يقوم على ركائز ثلاثة مختلفة التمويل”، على حد رأي توماس غيشتر، أستاذ قانون الضمان الاجتماعي بجامعة زيورخ. “إن هذا النموذج ممتاز”، لكن بناؤه لم يكتمل مع الأسف. فالدولة لا تستثمر بالقدر الكافي في الركيزة الأولى، لذلك لم يعد معاش الشيخوخة والأيتام القصر يكفي في الأثناء لتغطية تكاليف معيشة أي شخص في سويسرا.

أما الركيزة الثانية والتي تُمَوَل بالكامل من رأس المال المتوفر من الدخل، فإنها تعاني على الجانب الآخر من الفوائد المتراجعة بالاستمرار: فإذا ما كان المال المدخر يأتي بعائد قليل، فلا يمكن حينها الوفاء بتمويل المعاشات بالصورة المتفق عليها. ومن هنا تنشأ فجوات التمويل. كما أن التطور الديمغرافي سوف يؤدي إلى تفاقم المشكلة، خاصة فيما يتعلق بالركيزة الأولى: إذ أنه مع وصول أبناء طفرة المواليد إلى سن التقاعد، فسنجد أن هناك جيلا كبير العدد قد تقاعد عن العمل، كذلك فإن أغلب السويسريين يتقاعدون قبل بلوغهم السن القانونية، كما أن متوسط عمر السويسريين يعتبر ضمن الأعلى عالمياً. “إذن، توشك القنبلة على الانفجار”، مثلما يستخلص السيد غيشتر.

وهي لا تنذر بالانفجار في سويسرا وحدها، بل كذلك في العديد من الدول الصناعية. وسوف تصيب دولاً أخرى أولاً، كما يتكهن غيشتر. حيث يعود الفضل إلى الركائز الثلاثة مختلفة التمويل في توزيع مصادر الخطر في سويسرا على جهات مختلفة، مما يعد ميزة بحسب تصريحات السيد غيشتر. ولكن حتى في سويسرا ذاتها، سيتأزم الوضع عاجلاً أم آجلاً.

 تسديد معاشات باهظة

تلبدت “جنة المتقاعدين” في سويسرا بالغيوم الأولى، حيث قامت بعض صناديق التقاعد بتخفيض نسبة تحويل رأس المال المدخر، أي: أن المعاشات قد تم تقليصها بالنسبة للأجيال القادمة.

وفي حقيقة الأمر، تعتبر مثل هذه التعديلات ضرورية، ذلك لإن صناديق التقاعد وعدت في السنوات الماضية بمعاشات تقاعد باهظة (كما أنه لا يمكن تعديل المعاشات السارية بالفعل، انظر الإطار). “وعلى مدى عدة سنوات كان يتم تطبيق نسب تحويل غاية في الارتفاع”، يقول السيد غيشتر. “فهذا الجيل من مواليد السنوات الأخيرة الذين تقاعدوا بالفعل، سوف يتقاضون حتى مماتهم معاشات أكبر مما دفعوه سلفاً”. أما الجيل الجديد فسوف يصبح جيل الخاسرين. “إذ سددوا الكثير، ولكنهم لن يتمكنوا سوى من تقاضي القليل. حيث شاركوا في تمويل معاشات كبار السن”.

 مبادرة شعبية جديدة تطالب بمعاشات متغيرة

يجدر الإشارة هنا إلى ما يزال يجري في صناديق التقاعد من عملية إعادة توزيع اجبارية بالمليارات من السكان العاملين ومن أصحاب الأعمال إلى حسابات المتقاعدين. وتبلغ تلك المبالغ في المتوسط حوالي 25% من المعاشات. وفي واقع الأمر لا ينبغي أن تجري عملية إعادة توزيع في معاش التقاعد المهني (الركيزة الثانية)، وهذا بخلاف ما هو عليه الحال في معاش الشيخوخة والأيتام القُصر .

لذلك تقوم لجنة بجمع التوقيعات لصالح تلك المبادرة الشعبية ابتداء من شهر إبريل الجاري، والتي تحمل عنوان: “تأمين تقاعدي ـ لكنه عادل. من أجل إصلاحٍ منصف لكل الأجيال”. وقد أطلق هذه المبادرة المتقاعد يوزف باخمان، المدير السابق لأحد صناديق التقاعد.

وتطالب المبادرة بمعاشات تقاعدية مهنية متغيرة ومرتبطة بعائدات رأس المال، حتى تختفي عملية إعادة التوزيع من الجيل العامل إلى الجيل المتقاعد. بمعنى آخر: إذا ما سار كل شيء بصورة جيدة في البورصة، فسيحصل المتقاعدون على معاش مرتفع، وإذا سارت الأمور بصورة سيئة، فسيحصلون على معاش أقل.

وفي عملية التحويل الحسابي تلك ستتم كذلك مراعاة التوزيع الديمغرافي وارتفاع الأسعار. أما بالنسبة للمتقاعدين بالفعل فستتيح تلك الإصلاحات إمكانية تقليص معاشاتهم، وهو الأمر الجديد تماماً على سويسرا. “والفكرة الأساسية وراء المعاش المتغير هي إدراك أن المعاشات لا يمكن تحديدها مدى الحياة سلفاً”، كما يقول باخمان. فهذا يؤدي دائماً إلى إعادة التوزيع، والتي تأتي في أغلب الأحيان على حساب الشباب. “وقد وصل هذا الظلم لمدى، يجعلنا نصرخ مطالبين باتخاذ إجراءات”.

هيمنة المتقاعدين؟

إلا أن تلك المبادرة الشعبية تواجه مشكلة صغيرة: ففي المبادرات الشعبية يخسر الشباب التصويت أمام هيمنة كبار السن، وذلك ليس فقط بسبب التركيبة السكانية، بل كذلك بسبب تقاعص الشباب عن المشاركة في الاقتراع.

إلا أن باخمان يحدوه التفاؤل: “إن هذه المبادرة تحظى بفرص جيدة، إذا ما ساندها الكثير من كبار السن. فالمتقدمون في العمر لديهم أيضاً عقل صافٍ وقلب كبير”.

صحيفة لبيب| سويسانفو

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى