مدونات المتقاعدين

سمير عطا الله.. الوقار أم الشباب

الشِّعر العربي تبرّم ببياض الشَّعر

في تراثنا العربي الغنائي والأدبي نصوص جميلة ومقاطع طريفة عن مشاعر الشيوخ وحنينهم لمرحلة الشباب، لكن أيضا هناك متونٌ تمجد كبار السن وتثني على ما يتصفون به من وقار ونضج وحكمة اكتسبوها من تجربة الحياة الطويلة بتحدياتها وتعقيداتها
وفي الصحافة العربية، هناك كتاب مقالات يتعرضون بين الفينة والأخرى لتجربة جيل الكبار والشيوخ وما يميزها من خصال فكرية واجتماعية، أو يشينها من علل صحية ونفسية
ويعد الصحافي اللبناني سمير عطا الله واحدا من فرسان المقالة الصحافية العربية، الذي تطرق بأسلوبه الخفيف والطريف لجانب من هذا الموضوع، في صحيفة «الشرق الأوسط» وضع له عنوان «الوقار أم الشباب»، جاء فيه؛

في زمن الطرب كان الغناء عابر الحدود، لمصر. ومن ثم انضم إلى الربع اللبنانيون مع الرحابنة وسحر فيروز. وأصوات أخرى مثل فايزة أحمد (ست الحبايب) ونجاح سلام (بدي عريس من المتحدة)، أي تريد زوجاً من دولة الوحدة القائمة بين الإقليم الجنوبي والإقليم الشمالي، مصر وسوريا.

وكان اللبنانيون يصعدون إلى دمشق كل أحد بالمئات، للاحتفال بالوحدة والمطالبة بالانضمام إليها.

وظلت دول رئيسية مثل سوريا والعراق خارج التيار الرئيسي في الفن والطرب، ربما بسبب المجتمع المحافظ. وتبنت سوريا في تلك المرحلة، فيروز، على أنها مطربتها، فيما كانت بغداد بقصورها ودورها، تزحف لحضور أم كلثوم. وامتلأت الإذاعات بالمواويل البغدادية، يؤديها عراقيون أو عرب آخرون. وكان من أشهر هؤلاء المطرب خضيري أبو عزيز في أغنية «تعيرني بالشيب وهو وقار»، وناظم الغزالي في «قل للمليحة في الخمار الأسود».

وكان الشيب يتضايقون من الأغنية والشباب لا تعنيهم، فالدرب طويل أمامهم قبل حلول الوقار محل «الهوى والشباب ملك يديا» كما غنى محمد عبد الوهاب. والشعر العربي تبرم ببياض الشعر. وإذ سمي الرجل شائباً، سميت المرأة المسكينة شمطاء، ولا صفة أخرى لها في دنيا النصف الآخر من العمر. ولم تكن الأسلحة الخافية قد ظهرت بعد، إلا في مسحة من الحنة. والفارق فاضح بين «الحنة» و«لوريال».

لم يكن المستنجد بالله يوسف بن محمد بن أحمد، مقنعاً في الدفاع عما حدث له (ولخضيري أبو عزيز من بعده):

عيرتني بالشيب وهو وقار

ليتها عيرت بما هو عار

إن تكن شابت الذوائب مني

فالليالي تنيرها الأقمار! مهلاً

مهلاً، يا أخا العرب، يا يوسف بن محمد، ويا ابن أبو عزيز: «أقمار» عيني؟ أقمار شنو؟

اسمعا الوقع الحقيقي للمشيب على لسان يعقوب إسحاق بن حسان الخريمي:

باحت ببلواه جفونه

وجرت بأدمعه شؤونه

لما رأى شيباً علاه

لم يحن في الغد حينه!

وقال الأندلسي أبو إسحق الألبيري:

الشيب نبه ذا النهى فتنبها

ونهى الجهول فما استفاق ولا انتهى..

فإلى متى ألهو وأفرح بالمنى

والشيخ أقبح ما يكون إذا لها!

أيظن أن الناس تغفر له، كما تغفر للشباب وأهل الصبا. طبعاً لا. اسمع ما يقوله أبو الفتح محمد بن عبد الله المعروف بالتعاويذي:

والشيب لا يغض له عن هفوة

وأخو الصبا مغفورة زلاته!

ومن لامية ابن سناء الملك:

وإن وقفت بي بعد شيبي صبوة

فما وقفت إلا لأني أطلال

يمر علي والحول بعده

فقد غير الأحوال مني أحوال!

لعلك تتساءل: وماذا عنك وعن أطلالك وأحوالك؟ سأجيبك بما يحب «أبو العبد» بلهجته البيروتية: آني ما خصني! آني لا علاقة لي بالأمر.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى