آراء

خطاب صريح برسالة واضحة، وحتى لا ننغلق في دائرة القلق

صحيفة لبيب - 21 غشت 2020

محمد رضوان*

الخطاب السامي الذي وجهه جلالة الملك محمد السادس مساء أمس الخميس بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب كان موجها للأمة بقدر ما كان موجها لكل فرد من أفراد المجتمع ليتحمل كل واحد نصيبه من المسؤولية في التصدي لحالة القلق المتزايدة جراء تفشي الإصابة بفيروس “كورونا”.

خطاب ملكي صريح يحمل رسالة واضحة في ظروف عصيبة يجتازها المغرب ضمن دول عديدة استبد بها القلق والخوف هي أيضا مما يحصل من عودة انتشار شبح الوباء، الذي لا يُعرف متى سيتم مُحاصرته بلقاح يمثل خلاصا ينتظره العالم بلهفة وترقب غير مسبوقين.

مصدرُ القلق مما يحصل ليس فقط ارتفاع عدد المصابين، وإنما أيضا الانعكاسات الكارثية الناجمة عن ذلك من إغلاق البلاد، والحد من الحركة، وتعليق الأنشطة، وتزايد أعداد الوفيات، والانعكاسات القاسية لكل ذلك على حياة المواطنين وعلى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.

أكد جلالة الملك أن “تدهور الوضع الصحي الذي وصلنا إليه اليوم مؤسف، ولا يبعث على التفاؤل”، ومن يقول غير هذه الحقيقة فهو كاذب.

لذلك، فإن مسؤولية كل واحد من أفراد المجتمع جسيمة في توقيف هذا التدهور أو على الأقل المساهمة في الحد من انعكاساته الوخيمة على الجميع لا قدَّر الله، كما أن هذه المسؤولية مُضاعفة على القوى الوطنية التي دعاها جلالة الملك للتعبئة واليقظة، والانخراط في المجهود الوطني في مجال التوعية والتحسيس وتأطير المجتمع للتصدي لهذا الوباء.

ولا شك أن النتائج المرجوة من هذا المجهود الوطني، في حال تحققها، ستعزز من صورتنا كدولة ومجتمع وأفراد، وهي الصورة التي تكونت إيجابيا عن المغاربة لدى دول العالم، ولاسيما في أروبا، في بداية انتشار الوباء بمنطقتنا المتوسطية خلال مارس الماضي.

لا بد للجميع من الانخراط في المجهود الوطني للتصدي للموجة الثانية من انتشار الوباء، وهي الموجة التي أصبحنا نعاين تردداتها عندنا وعبر العالم، وخاصة في جوارنا الأروبي حيث نشرت أمس الخميس أرقام مثيرة للقلق في فرنسا وإيطاليا وألمانيا وإسبانيا تتعلق بالإصابات الجديدة لأسباب تعود إلى زيادة الحركة والاختلاط بمناسبة العطلات والحفلات والسفر.

وحسب تقارير إعلامية، فإن إسبانيا سجلت أمس الخميس 7039 إصابة جديدة، وأعلنت فرنسا 4771 إصابة جديدة، وهي زيادة غير مسبوقة منذ ماي الماضي. وفي إيطاليا، أبلغت وزارة الصحة عن 845 إصابة جديدة، في حين كشفت ألمانيا عن 1707 إصابة إضافية.

وتسبب فيروس كورونا المستجد في وفاة ما لا يقل عن 788 ألف و242 شخصا منذ نهاية ديسمبر الماضي استنادا إلى مصادر رسمية.

وتخطّت أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي عتبة 250 ألف وفاة، مع تسجيل البرازيل وحدها 112 ألف و304 وفيات، بينما سجلت الأرجنتين رقما قياسيا في عدد الإصابات اليومية بأكثر من 8 آلاف إصابة جديدة.

وما زالت الولايات المتحدة الدولة الأكثر تضررا بالوباء مع تسجيلها 174 ألف و178 وفاة، وفقا لإحصاءات جامعة جونز هوبكنز.

وحذّر رئيس البنك الدولي ديفيد مالباس من أنّ تداعيات فيروس كورونا المستجدّ تهدّد بدفع 100 مليون شخص إضافي حول العالم إلى الفقر المدقع.

وقال مالباس إنّ تقديرات المؤسسة المالية الدولية تشير إلى أنّ ما بين 70 و100 مليون شخص قد يقعون في الفقر المدقع و”هذا العدد يمكن أن يزداد” إذا تفاقم الوباء أو طال أمده، علماً بأنّ التقديرات السابقة للمؤسسة كانت تقف عند حدود 60 مليون شخص.

وأضاف أنّ هذا “يحتّم” على الدائنين تخفيض ديون الدول الفقيرة، وسيجبر مزيدا من الدول على إعادة هيكلة ديونها. غير أنّ دعوة مالباس لم تقف عد حد المطالبة بتمديد أجل هذا التعليق، بل إنه ذهب إلى حدّ المطالبة بخفض أصل الدين.

وفي أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، يؤدي الوباء إلى تفاقم عدم المساواة والفقر. ووفقا للجنة الاقتصادية لأميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، من المتوقع أن يدفع الوباء 45 مليون شخص إلى الفقر ليصل المجموع الفقراء إلى 231 مليونا أو 37,3 في المائة من سكان المنطقة.

وقالت ميلينا مايا (35 عاما) التي تعيش في حي هيليوبوليس الفقير الذي يضم 200 ألف نسمة في ساو باولو “أنا عاطلة عن العمل بسبب هذا الوباء. هناك أيام لا نأكل فيها لأن الوضع صعب”.

كما أن التأثير الدائم للوباء يجبر ألمانيا على اللجوء إلى الاقتراض مرة أخرى لتمويل عجز كبير في الميزانية في العام 2021 بحسب ما أعلن وزير المالية.

وقال أولاف شولتز “سنضطر العام المقبل أيضا لطلب استثناء من القاعدة الخاصة بالحد من الدين” العام في ألمانيا لتمويل الميزانية “بهدف استخدام موارد كبيرة لحماية صحة المواطنين والعمل على استقرار الاقتصاد”.

أما بريطانيا، فقد أعلنت أن دينها العام تجاوز في نهاية يوليو عتبة الألفي مليار جنيه استرليني للمرة الأولى، متأثرا بكلفة إجراءات مساعدة الاقتصاد التي اتخذت في الأشهر الأخيرة بسبب وباء كوفيد-19.

وقال المكتب الوطني للإحصاءات إن الدين العام 2004 مليار جنيه الشهر الماضي، وبات يشكل أكثر من مئة في المائة من إجمالي الناتج الداخلي (100,5 في المائة)، للمرة الأولى منذ 1961.

بالمحصلة، يظهر أن الوباء كارثي بالمعنى الشامل والمرعب للكلمة، إنه يهدد صحة المجتمع، وحياة الأفراد، واقتصاديات الدول، ونظام العالم.

*رئيس التحرير

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق