آراء

حول ثقافة التفاهة وسيطرة غير الأكفاء

صحيفة لبيب - 25 يونيو 2020

يدور موضوع كتاب “ثقافة التفاهة” حول فكرة خطيرة يجب البدء بمناقشتها ومقاومتها تتعلق بسيادة نظام أدى تدريجياً، إلى سيطرة التافهين على جميع مفاصل نموذج الدولة الحديثة.

هذه هي خلاصة عرض قيم لكتاب يتعين على كل مثقف أصيل الاطلاع عليه لفهم معنى ثقافة التفاهة ومن يقف خلفها، ونحن إذ نتصدى لتمدد هذه الثقافة، نعيد نشر هذا المقال لتعميم فائدته بعدما بثه موقع وكالة “معا” الإخبارية، وجاء فيه؛

برغم أهمية كتاب “ثقافة التفاهة” للفيلسوف الكندي اَلان دونو، الصادر عن دار سؤال للنشر في بيروت، إلا أن مقدمة مترجمته الكويتية الدكتورة مشاعل الهاجري لا تقل قيمة عنه. فقد أعطت مقدمتها الطويلة التي هي بمثابة قراءة وتفكيك لأفكار اَلان دونو، قوة وزخماً له.

عندما يبدأ القارئ بقراءة الكتاب والبحث عمن كتب عنه أو عن مؤلفه الفيلسوف، سيكتشف أن هذا الكتاب الذي يناقش “التفاهة” التي كانت سبب الإنحدار الذي تعاني منه أغلب المجتمعات البشرية، هو من نمط الكتب التي ما زلنا نضطر للعودة إليها كمرجع في هذا المنحى: “تدهور الحضارة الغربية” للفيلسوف أوزوالد إشبنغلر، “حضارة الفرجة” لصاحب نوبل الأديب فارغاس يوسا، و”مجتمع الفرجة: الإنسان المعاصر في مجتمع الاستعراض” للفرنسي جي ديبور”،”الإنسان العاري” لمؤلفيه “مارك دوغان” و”كريستوف لابي”وغيرها من الكتب المهمة والاساسية.

تقول الدكتورة المهاجري إن أطروحة هذا الكتاب تكمن في لفت الأنظار إلى ما صار يحيط بنا من تسيّد للتفاهة والتافهين.

ولهذا فإن المؤلف اَلان دونو يذكرنا بما قاله صاحب كتاب “حضارة الفرجة” المفكر الفرنسي “جي ديبور”: “في العالم المقلوب بشكل واقعي رأساً على عقب، يكون ما هو حقيقي وواقعي لحظة مِن لحظات ما هو وهمي وزائف”.

عام 2017 أصدر المؤلف دونو كتابه “ثقافة التفاهة”، وقد أحدث الكتاب صداً هائلاً ورواجاً في كل انحاء العالم، كما أحدث كتاب المفكر الفرنسي “جي ديبور”: “حضارة الفرجة”، الذي نُشر عام 1967، عندما وصف هذا المجتمع بمجتمع الفرجة أو مجتمع العرض أو الاستعراض، وحاول فيه جدلًا تحليل الثقافة الاستهلاكية التي تطغى على مجتمعات العصر الحديث بتحريك من الرأسمالية، والإعلان، والتلفزيون، والأفلام، والمشاهير.

ففي “مجتمع الاستعراض” استُبدل الوجود بالظهور، وبكلمات أخرى، بات الكثيرون يقيسون وجودهم ودورهم في الحياة ونجاحهم في عملهم أو علاقاتهم أو زواجهم أو في تربية أبنائهم بعدد مرات ظهورهم وظهور صورهم أو منشوراتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، وعدد الإعجابات التي يحصدونها من متابعيهم، لذلك تراهم يتبعون أي موجة تحدث، فتجد لهم في كلّ “trend” اسماً ورأياً ونقاشاً.

معروف عن اَلان دونو تصدية للرأسمالية المتوحشة، وقد كانت مساعية موجعة للأطراف التي تصدى لها، لدرجة أنه لوحق قضائياً من قبل بعض أقطاب صناعة التعدين عام 2008، بعد أن أصدر في العام نفسه كتابه الذي اختار له عنواناً مثيراً : “كندا السوداء: النهب والإفساد والإجرام في أفريقيا”.

يدور موضوع كتاب “ثقافة التفاهة” حول فكرة خطيرة يجب البدء بمناقشتها ومقاومتها: “نحن نعيش مرحلة تاريخية غير مسبوقة، تتعلق بسيادة نظام أدى تدريجياً، إلى سيطرة التافهين على جميع مفاصل نموذج الدولة الحديثة”.

ويضيف المؤلف: “يلحظ المرء صعوداً غريباً لقواعد تتسم بالرداءة والإنحطاط المعياريين: فتدهورت متطلبات الجودة العالية، وغُيّب الأداء الرفيع، وهُمّشت منظومات القيم، وبرزت الأذواق المنحطة، وأُبعد الأكفاء، وخلت الساحة من التحديات، فتسيدت إثر ذلك شريحة كاملة من التافهين والجاهلين ذوي البساطة الفكرية”.

يفكك آلان دونو فكرته ببساطة متناهية ويبدأ كما يقال “من الأخير” مباشرة من دون لف أو دوران: “ضع كتبك المعقّدة جانباً، فكتب المُحاسبة صارت الآن أكثر فائدة. لا تكن فخوراً، و لا روحانياً، و لا حتى مرتاحاً، لأن ذلك يمكن أن يُظهرك بمظهر المغرور. هذه النظرة الثاقبة فى عينيك مقلقة: وسّع من حدقة عينيك، و أرْخِ من شفاهك. ينبغي أن تكون للمرء أفكار رخوة، و ينبغي أن يُظهر ذلك. عندما تَتَحدّث عن نفسك، قلّل من إحساسِكَ بذاتك إلى شيئ لا معنى له: يجب أن نكون قادرين على تصنيفك”.

ويكمل دونو مصارحته الصادمة: لقد تغير الزمان، فلم يعُد هناك اقتحامٌ للباستيل Bastille و لا شيء يُقارن بحريق الرايخستاغ l’incendie de Reicshtag، كما أن البارِجة الروسيّة “أورورا” l’Aurore لم تُطلِق طلقةً واحدةً باتّجاه اليابان. و مع ذلك، فقد تم شنّ الهجوم بنجاح: لقد تبوأ التافهون موقِع السّلطة.

يتساءل اَلان دونو ما هو جوهر كفاءة الشخص التافه؟ فيجيب: إنه القدرة على التعرف على شخصٍ تافهٍ آخر. معاً، يدعم التافهون بعضهم البعض، فيرفع كلٍ منهم الآخر، لتقع السلطة بيد جماعةٍ تكبُر باستمرار، لأن الطيور على أشكالها تقع.

هنا يبدأ دونو بالحديث عن “عدة النصب” التي توصل الشخص التافه في إلى أعلى المناصب: “ما يهم هنا لا يتعلق بتجنب الغباء، و إنما بالحرص على إحاطته بصور السلطة. إذا كان المظهر الخارجي للغباء لا يشبه التقدم، المهارة، الأمل، أو الرغبة الدائمة في التعديل، فإن أحداً لن يرغب في أن يكون غبياً، كما لاحظ الروائي النمساوي روبرت موسل. كُن مرتاحاً في إخفاء أوجه قُصورك في سلوكِك المعتاد، ادّعِ دائماً أنك شخصٌ براغماتي، و كن مستعداً للتطوير من نفسك؛ فالتفاهة لا تعاني من نقصٍ لا بالقدرة و لا بالكفاءة”.

ولا يكتفي دونو بذلك بل يدخلنا إلى الأتيكات أو المظاهر التي يتبعها الشخص التافه لكي يشعرك أنه مهم أو مميز: “ينبغي أن يكون المرء قادراً على تشغيل تطبيقات الحاسب الآلي، ملء استمارة ما من دون شكوى، ترديد عباراتِ مثل “المعايير العُليا لحوكمة الشركات” و “مقترحٌ قيّم” مع توجيه التحية في الوقت ذاته للأشخاص المناسبين. ولكن – و هذا أمر مهم – لا ينبغي القيام بما هو أكثر من ذلك”.

يؤكد الفيلسوف دونو أن تقسيم العمل وتصنيعه ساهما إلى حد كبير في ظهور السلطة التفاهة. ويعطي أمثلة جميلة على التطور التدريجي للتفاهة:

كان لورنس ج. بيتر Laurence J. Peter و ريموند هال Raymond Hull من أوائل الذين لاحظوا التطور التدريجيّ للتفاهة، إلى أن أصبحت نظاماً متكاملاً. كان جوهر أطروحتهما يتمثل في “مبدأ بيتر” المشهور، الذي طوراه بعد الحرب العالمية الثانية، والجليّفيوضوحه: يتمثل هذا المبدأ فى أن العمليات النظامية تساعد الموظفين من فئة ذوي الكفاءة الاعتيادية على الترقي حتى يصلوا إلى شَغل مواقع السلطة، مزيحين بذلك كل من المُنتمين لفئة ذوي الكفاءة العالية و فئة غير الأكفاء، معاً”.

يكمل دونو توغله في تفكيك الشخصية التافهة، وهنا يستند إلى رأي الشاعر الألماني الكبير هانز ماغنوس إنتسنسبرغر الذي تحدث عن “الأمي ثانوياً” كما يلي:

“إنه يعتبر نفسه عالماً بالأمور، يستطيع أن يتعامل مع التعليمات و الرسومات التخطيطية و الشبكات. أما الوسط الذي يتحرك بداخله، فهو يحميه – مثل سورٍ عازل – من كل ما قد يخترق وعيه مع ذلك، فالرقابة الذاتية هي أمر لازم و ينبغي أن تقدم وكأنها دليل على المكر”.

يعطي دونو نموذج عن التفاهة التي وصلت إليها الجامعات ، فيقول دونو: إن “الخبير”، الذي يتعرف عليه غالبية أكاديميي الجامعات اليوم على أنفسهم فيه، يمثل النموذج المركزي للتفاهة، المستعد لبيع عقله لها. في مقابل “المثقف” الذي يحمل الالتزام بالقيم والمثل. ويرى دونو أن جامعات اليوم، التي تموّلها الشركات، صارت مصنعاً للخبراء، لا للمثقفين.

ويستند دونو في رؤيته عن الجامعات بما أصر عليه الصحافي الأميركي الحائز على جائزة “بوليتزر” والأستاذ الجامعي كريس هيدجيز أن هناك سبباً جدياً للقلق لأن جامعات النخبة قد قامت بنبذ كل نقد ذاتي.

وقد سبق لهيدجيز أن شرح مطولاً في كتابه “إمبراطورية الخيال”، ما أسماه “موت الثقافة وانتصار الاستعراض”.

وحسب هيدجيز، فإننا نعيش اليوم في مجتمعين: مجتمع أقلية يعيش في عالم يعرف القراءة والكتابة وقادر على التعاطي مع التعقيدات وتمييز الوهم من الحقيقة، ومجتمع آخر يمثل أغلبية متزايدة من الناس ينسحب من عالم يقوم على الواقع إلى عالم من اليقين الزائف والوهم.

إن علاقة الخضوع هذه، التي تربط الجامعة بعملائها الذين يشترون عقولها المنتجة بشكل دوري هي من طبيعة ما كان ماكس فيبر ليتخيلها، رغم أنه كان يرفض منذ 100 عام، التفاهة التي كانت الجامعة تغرق فيها من خلال تسليم نفسها لإغراء العلاقات التجارية.

ينقل دونو عن رئيس جامعة كبرى قوله إن “على العقول أن تتناسب مع حاجات الشركات”. أو كما قال رئيس إحدى الشبكات الإعلامية الغربية الضخمة، من أن وظيفته هي أن يبيع للمعلن، الجزء المتوفر من عقول مشاهديه المستهلكين. صار كل شيء، والأهم أن الإنسان صار للاكتفاء، أو حتى لإرضاء حاجات “السوق”. “الميادين”

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق