المغرب – البرتغال.. علاقات استثنائية تطبعها دينامية جديدة على كل المستويات

شهدت العلاقات بين المغرب والبرتغال خلال السنوات الأخيرة دينامية ملحوظة على مستوى التعاون الثنائي، وذلك بفضل الإرادة السياسية على أعلى مستوى، والرامية إلى إرساء شراكة استراتيجية رابح-رابح.

ويعبر المغرب والبرتغال عن إرادة مشتركة للارتقاء بالعلاقات الثنائية الزاخرة تاريخيا والمتميزة بالاحترام المتبادل، إلى مستويات أرفع، بما يتيح تعزيز الحوار السياسي المستمر الذي يجمعهما، وتكثيف التبادلات، واستكشاف مجالات جديدة للتعاون من أجل شراكة استراتيجية متعددة الأوجه تعكس متانة العلاقات بين المغرب والبرتغال قصد رفع التحديات الإقليمية.

ولعل انعقاد الدورة 14 للاجتماع المغربي البرتغالي رفيع المستوى برئاسة رئيس الحكومة ، عزبز أخنوش، ورئيس الوزراء البرتغالي، أنطونيو كوستا، والذي جاء بعد ست سنوات على عقد آخر دورة لهذه الآلية المؤسساتية، كان تجسيدا لهذ الرغبة الأكيدة للبلدين الجارين في مواصلة الارتقاء بتعاونهما ليشمل جميع المستويات، والاستفادة من القدرات الهامة التي يخولها قربهما الجغرافي وموقعهما الجيوستراتيجي بين المتوسط والأطلسي، وكذا دينامية اقتصاديهما من أجل إعطاء دفعة قوية للتعاون الثنائي وإرساء شراكات مثمرة.

وبهذه المناسبة، أبرز السيد أخنوش خلال افتتاح هذا الاجتماع أن هذا الاخير ينعقد في “سياق حافل بالدلالات، وتحت شعار يترجم نضجا بينا في العلاقات الثنائية، أساسها الاحترام المتبادل، والرغبة المشتركة في تعزيز التعاون في إطاريه الثنائي ومتعدد الأطراف”.

وأكد حرص البلدين وسعيهما المتواصل نحو الارتقاء بالتعاون المشترك إلى مستويات متعددة الأبعاد، وفقا لتطلعات قائدي البلدين، صاحب الجلالة الملك محمد السادس، وفخامة الرئيس مارسيلو ريبيلو ذي سوزا، اللذين ما فتئا يحيطان هذه العلاقات بكريم رعايتهما.

في السياق ذاته، ذكر رئيس الحكومة أن المغرب برهن على عزيمة سياسية متفردة في المنطقة الأورو متوسطية من خلال مشاريع مهيكلة ببعدها الإستراتيجي والمستقبلي، كما هو الشأن بالنسبة لمشروع الربط الكهربائي بين البلدين، والذي يعد رافعة لبناء شراكة مستدامة في قطاعات حيوية، من قبيل الطاقات المتجددة والاقتصاد الرقمي والفلاحة والنقل، اعتبارا لما يتوفر عليه الجانبان من قدرات تؤهلهما لإرساء أسس تعاون مثمر يحقق المنفعة المشتركة ويسهل الانفتاح على المجال الإفريقي في أفق تعاون ثلاثي.

وأبرز السيد أخنوش أن علاقات البلدين الاستثنائية لا تنحصر في بعدها الثنائي فحسب، بل تتعداه لتشمل التنسيق والتشاور وتبادل وجهات النظر بشأن العديد من القضايا والتحديات الإقليمية والدولية.

من جانبه، قال رئيس الوزراء البرتغالي، خلال الندوة الصحفية التي أعقبت الاجتماع، إن المغرب البرتغال بلدان جاران تربطهما علاقات قوية، وذات تأثير في حوض البحر الابيض المتوسط.

وأضاف أن البلدين قررا رفع العلاقات إلى مستوى شراكة استراتيجية طويلة الأمد تشمل التعاون في العديد من المجالات، مشيرا إلى أن المغرب والبرتغال لديهما فرص كبيرة للتعاون على غرار النقل البحري والجوي والطاقة، وتعزيز التعاون في مجال الشباب والعمالة، والبحث العلمي والصناعات الثقافية.

وتوجت الدورة الرابعة عشرة للاجتماع رفيع المستوى المغربي-البرتغالي، بإصدار إعلان مشترك اتفق فيه الطرفان على الارتقاء بعلاقاتهما الثنائية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة، على أساس معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون بين البلدين الموقعة في ماي 1994، وأدوات التعاون والحوار التي جعلت من الممكن إقامة قاعدة قائمة على أسس متينة لتنمية العلاقات الثنائية بأبعادها السياسية والاقتصادية والثقافية.

وذكر الإعلان المشترك أنه بعدما نوه البلدان بالعمق الذي يميز حوارهما السياسي والطبيعة الاستراتيجية لعلاقاتهما، أكدا رغبتهما في تعميق وتوسيع شراكتهما بهدف إرساء حوار دائم وملموس ومفيد للطرفين على أساس مبادئ احترام استقلالها وسيادة أراضيهما والصداقة وحسن الجوار والتسوية السلمية للنزاعات.

وبخصوص قضية الصحراء المغربية، انضمت البرتغال الى الدول الأوروبية الأخرى التي تجعل من المبادرة المغربية للحكم الذاتي القاعدة الجدية والموثوق من أجل حل نهائي لقضية الصحراء، وذلك بعد أن جددت دعمها للمبادرة المغربية للحكم الذاتي، التي قدمت في عام 2007، والتي تعتبرها مقترحا واقعيا وجادا وموثوق ا من أجل حل معتمد في إطار الأمم المتحدة لقضية الصحراء.

وبهذه المناسبة، وقع الجانبان على 12 اتفاقا تعاون تغطي عددا من المجالات الاستراتيجية بهدف تعزيز التعاون الثنائي. وتهم هذه الاتفاقيات، بشكل خاص المجالات الاقتصادية والطاقية والثقافية، وكذا التعاون في مجال التعليم العالي والصناعة التقليدية والتضامن الاجتماعي، والعدل.

وعلى هامش هذا الاجتماع، عقدت أشغال المنتدى الاقتصادي البرتغالي-المغربي، وذلك تحت شعار “المغرب والبرتغال: معا لبناء اقتصادات مزدهرة ونمو مشترك”.

وعرف هذا المنتدى، مشاركة رؤساء الاتحاد العام لمقاولات المغرب واتحاد الأعمال البرتغالي، والوكالة المغربية لتنمية الاستثمارات والصادرات، والوكالة البرتغالية للاستثمار والتجارة الخارجية، وفاعلين اقتصاديين ورجال أعمال مغاربة وبرتغاليين ينشطون في عدة مجالات.

ويشكل الموقع الجغرافي الاستراتيجي للمغرب كحلقة وصل بين قارتين وبوابة إلى إفريقيا، وتنفيذ المغرب لمشاريع هيكلة كبرى لمواصلة تطوير بنيته التحتية مثل ميناء طنجة المتوسط، ومشروع القطار فائق السرعة، وكذلك في إنشاء مناطق حرة ومنصات صناعية متكاملة، عوامل تقارب لتحفيز المزيد من العلاقات التجارية بين المغرب والبرتغال، تعطي معنى لتطوير عمليات ترحيل الخدمات، وخاصة، من خلال الاستثمارات المستهدفة التي تعمل على تحسين وضع كل منها في سلسلة القيمة وتقوية أوجه التكامل الاقتصادي.

وإلى جانب القطاع الطاقي، يشمل التعاون المغربي -البرتغالي قطاعات أخرى من قبيل السيارات والنسيج، والبيئة وعصرنة الإدارة، على الخصوص، وهي ميادين واعدة يمكن أن تتيح فرص الاستثمار المشترك والتعاون الوثيق من أجل تكامل الاقتصادين المغربي والبرتغالي.

وبخصوص المبادلات الخارجية، فرض المغرب نفسه كشريك تجاري مهم ويتموقع كأول وجهة للصادرات البرتغالية في العالم العربي والثاني في العالم، خارج الاتحاد الأووربي، بعد الولايات المتحدة سنة 2022. وقد زادت الصادرات المغربية خلال هذه السنة بنسبة 20 بالمائة والواردات ب 30 بالمائة.

كما اكتست العلاقات بين البلدين خلال هذه السنة حيوية جديدة في المجال الرياضي، وذلك بعد إعلان صاحب الجلالة الملك محمد السادس، في منتصف مارس، عن ترشح المغرب بشكل مشترك مع إسبانيا والبرتغال لتنظيم كأس العالم 2030.

وهو ترشح لقي ترحيبا واسعا من قبل البرتغال، حيث أكد رئيس الوزراء البرتغالي أن الملف المشترك بين البرتغال وإسبانيا والمغرب لتنظيم كأس العالم لكرة القدم 2030، سيوحد قارتين من خلال الرياضة، مسجلا في كلمة له أمام المشاركين في المؤتمر الـ 47 للاتحاد الأوروبي لكرة القدم المنعقد بلشبونة، أنه “لا توجد رسالة أكثر قوة من كرة القدم، يمكننا معا تحقيق السلام والتسامح والتفاهم بين الشعوب”.

كما أكد الإعلان المشترك الختامي أن هذا الترشيح “يشكل سابقة في تاريخ كرة القدم، حيث يوحد لأول مرة دولا من قارتين مختلفتين”.

بدوره قال السيد أخنوش، خلال الاجتماع رفيع المستوى، بخصوص تقديم البلدين، إلى جانب إسبانيا، لملف ترشيح مشترك لتنظيم ثلاثي لكأس العالم 2030، الذي من المتوقع أن يكون نسخة متميزة في كافة أبعادها الرياضية والإنسانية والثقافية، بحكم أنها ستكون أول دورة تنظم بين قارتين، أنه “لا يساورنا أدنى شك في أن تحقق هذا الحلم سيظهر للعالم برمته تجانسا ثقافيا عز نظيره وقربا جغرافيا استثنائيا بين إفريقيا والعالم العربي وأوروبا”.

وقد تعززت العلاقات الثنائية الوثيقة هذه السنة بفضل إطلاق دينامية ثقافية لافتة كما يعكس ذلك، تنظيم معرض “الأزرق وألوان أخرى.. رحلة في تاريخ الفن المغربي”، المنظم بالمتحف الوطني للفن المعاصر بلشبونة من طرف المؤسسة الوطنية للمتاحف، والمفتوح في وجه الجمهور من 26 يونيو إلى غاية 24 شتنبر يونيو الماضي، فضلا عن تنظيم ندوات ومعارض فنية أخرى ولقاءات دراسية تناولت الثراث والتاريخ المشترك بين البلدين.

ولاشك أن الدينامية الحالية التي تشهدها العلاقات الاقتصادية والسياسية والتجارية والثقافية بين المغرب والبرتغال مدعوة إلى استثمار جميع فرص التعاون بين البلدين، حتى تكون هذه الشراكة الاستراتيجية نموذجا للتنمية المشتركة وإطارا متينا للاستثمار والإنتاج والتصدير، منفتحا على محيطه الإقليمي والدولي.

ويدرك البلدان الجاران، اللذان يتقاسمان، ليس فقط التاريخ، ولكن رؤية موحدة حول تحديات المستقبل، من خلال المبادرات التي يتخذانها، أهمية تكثيف الجهود والعمل سويا لمواجهة التحديات المطروحة على المنطقة على جميع المستويات.

وتتوافر جميع المقومات لإنجاح هذه الشراكة بين الرباط ولشبونة، العاصمتين القريبتين في المنطقة بفضل علاقات تاريخية وثقافية عريقة وإرادة سياسية على أعلى مستوى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى