آراء

الصحافة الورقية بالمغرب.. وضعٌ مرتبكٌ ومستقبل غامِض

صحيفة لبيب- 26 ماي 2020

محمد رضوان* 

يبدو أن فيروس كورونا “كوفيد 19” كان أكثر فتكا بقطاع الصحافة الورقية بالمغرب، التي أصبحت تعيش في ظله وضعا مرتبكا وتواجه مستقبلا غامضا.

فقد تسببت جائحة كورونا في توقيف سلاسل الطبع والتوزيع وبيع الصحف الورقية، وضاعفت بذلك حالة من الهشاشة كان يعانيها القطاع قبل الحجر الصحي، ولولا وسائط النشر الرقمية لكانت عناوينها في خبر كان.

وبالرغم من حالة الطوارئ الصحية التي خضعت لها قطاعات اقتصادية وصناعية وتجارية عديدة بالبلاد، لم يستسغ المهنيون في قطاع الصحافة الورقية قرار الحكومة الذي أعلنه وزير الثقافة والشباب والرياضة السابق الحسن عبيابة بتوقيف طبع ونشر الصحف الورقية إلى أجل مسمى قصد الحد من انتشار الوباء.

أثار هذا القرار عراكا إعلاميا بين بعض مهنيي القطاع والمجلس الوطني للصحافة وأحد مستشاري عبيابة سقط على إثره هذا الأخير، ليخلفه زميله في ذات الحزب عثمان فردوس الذي ما لبث أن دعا إلى عقد اجتماع اللجنة الثنائية للصحافة المكتوبة لاستقبال ملفات طلب الدعم الذي يتوجه نصيب الأسد فيه إلى الصحافة الورقية المنضوية تحت لواء فدرالية ناشري الصحف.

وإذا كان ناشرو الصحف قد تنفسوا الصعداء وكسبوا رهان الدعم العمومي الكبير  في ظروف مالية واقتصادية استثنائية صعبة بالبلاد، فإن موردا ماليا آخر أكثر أهمية أصبح رهانا صعب المنال في ظل الوضع الجديد، ويتعلق الأمر بالإشهار الذي يتوزع على الصحافة الورقية والرقمية بطرق غير مفهومة، حتى لا نقول ملتبسة.

لذلك فسر بعض المراقبين أن تدوينة وزير الثقافة الأخيرة والقاضية بإمكانية استئناف إصدار ونشر وتوزيع الطبعات الورقية، ابتداء من يوم الثلاثاء 26 ماي تأتي استجابة للضغط الذي تمارسه فدرالية ناشري الصحف الورقية لكسب الرهان المتعلق بعودة الإشهار إلى صفحاتها.

لكن يبدو أن هذه التدوينة لم تُقابل بالرضا من جانب مؤسسات توزيع الصحف التي أعلنت ـ حسب تدوينة منسوبة لها على شبكات التواصل الاجتماعي ـ  أنها فوجئت بتدوينة الوزير “في حين أن خططنا كانت تتوقع استئنافا تدريجيا ابتداء من نهاية فترة الحجر الصحي المقررة في 10 يونيو”.

وأشار الموزعون إلى أن الصحف الورقية ليس وحدها التي تعاني من هذا الوضع، وإنما أيضا سلسلة التوزيع بهذا القطاع، فهو الآخر يشكو نفس الوضع، موضحين ” أن قطاعنا كان يواجه بالفعل أزمة كبيرة قبل أن يتأثر بهذا الوباء، واليوم وبعد أزيد من شهرين من التوقف، أصبح الوضع أكثر خطورة مما كان عليه مع رؤية غير واضحة للخروج من هذه الأزمة”.

ويبدو أن الموزعين سيكونون مضطرين إلى إعادة النظر في كمية الصحف التي سيتم توزيعها وتقليص أعدادها، مما سيضاعف من تراجع انتشار الصحف الورقية.

وبحسب الموزعين، فإن استئناف نشاطهم يتطلب تقييم الكميات المخصصة للتوزيع وفق شروط منها  جرد نقاط البيع المفتوحة وطنيا لأخذها بعين الاعتبار قبل مباشرة عمليات التوزيع، علما أن تدوينة أخرى للوزير أشارت إلى أن أكشاك الصحف بإمكانها استئناف نشاطها في 26 ماي.

كذلك سيؤثر إغلاق المقاهي، والتي يجهل تاريخ استئناف نشاطها على كمية التوزيع، مع العلم أن حجم مبيعاتها جد مهم وخاصة للعناوين اليومية.

 كمية التوزيع ستتأثر أيضا بحسب عدد الاشتراكات في العناوين التي يتم توزيعها مباشرة من خلال شبكة نقاط البيع، “لأننا لا نعلم لحد الآن ما هو موقف المؤسسات الحكومية والشركات الخاصة من السماح بتسليم الصحافة الورقية، والسبب هو اعتماد عدد كبير منها على أسلوب “العمل عن بعد” من ناحية، وكذلك التدابير المتخذة للحد من تداول الورق داخل المؤسسات من ناحية أخرى”.

 ثم أخيرا، وليس آخرا، يتطلب تحديد كمية توزيع الصحف تقييما جديدا للعادات الشرائية للقراء، والتي لا يمكننا قياسها إلا على مدى أسابيع عدة من تواجد الصحافة في نقاط البيع.

إلى ذلك، تساءل مراقبون عما إذا ما كانت تدوينة الوزير جاءت سابقة لأوانها دون التشاور مع سلاسل التوزيع والبيع، وهل يمكن إلغاء قرار حكومي بتوقيف طبع وتوزيع الصحف الورقية بمجرد تدوينة شخصية للوزير لاستئناف طبع وتوزيع هذه الصحف؟

وبحسب آخرين، فإنه إذا كان قطاع الصحافة بالنسبة للبعض قد تحول إلى مجال للريع يُسال له المِدادُ واللُّعاب، بما يوفره من دعم عمومي وموارد إشهارية ضخمة، فإن المطلوب إعادة النظر في قواعد توزيع الدعم العمومي ضمن شروط استحقاقية وموضوعية لا تقصي المقاولات الصحافية الصغيرة التي تشتغل في إطار القانون ووفق معايير المهنية والأخلاقية والمسؤولية.

بعض هذه المقاولات تضم مهنيين أمضى بعضهم أكثر من عشرين عاما في الصحافة، ويشتغلون بإمكانات مادية محدودة دون أن يجدوا أدنى دعم عمومي، ولا يريدون السقوط في مهاوي الإسفاف المهني ورداءة المحتوى.

للأسف هذه المنابر الإعلامية الرقمية لا تجد في المجلس الوطني للصحافة أو لدى الوزارة من يدعمها ولو ببطاقة قطار، أو يدافع عنها أمام سطوة فدرالية ناشري الصحف.

  • رئيس التحرير
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق