مؤانسات

الجابري وحنفي واليوم السابع.. في حوار المشرق والمغرب قبل ثلاثين عاما

الحوار ترك صدى في الأوساط الفكرية العربية

اختارت مجلة «اليوم السابع» التي كانت تصدر من باريس «حوار المشرق والمغرب» عنواناً وموضوعاً للنقاش حول عدد من القضايا العربية المهمة، ودعت للمشاركة في هذا الحوار مجموعة من المثقفين العرب، ونشرت حصاد هذا النقاش في الفترة من مارس إلى نوفمبر 1989 وعلى امتداد عشرة أسابيع متصلة ناقش د. محمد عابد الجابري ود. حسن حنفي موضوعات لها علاقة بالليبرالية والأصولية والوحدة العربية والناصرية والعلمانية، وفي مرحلة ثانية، امتدت إلى 14 أسبوعاً نشرت المجلة مداخلات حول الموضوعات نفسها، لمثقفين وقراء مهتمين.

تم تجميع هذه الكتابات في كتاب صدر عن دار توبقال بالمغرب، ثم أعادت «دار رؤية للنشر والتوزيع» طباعته في العام 2004، بتقديم للدكتور حسن حنفي، وفي المقدمة التي كتبها فيصل جلول للكتاب في طبعته الأولى نقرأ أن اختيار مواضيع الحوار، وعنوانه العريض، واختيار المتحاورين، وطريقة إدارة الحوار، تتحمل مسؤوليتها إدارة المجلة، بما في ذلك تغيير العناوين، لأسباب تقنية ومهنية، لكن أحدا لم يتدخل في النصوص، إلا في حالات محدودة «حيث وردت عبارات في بعض المداخلات تصل أحيانا وبطريقة انفعالية إلى حد الشتيمة أو إطلاق حكم فظ دون إسناد، وفي كل مرة كنا نغير أو نحذف جملة من هذا النوع، كنا نأخذ بعين الاعتبار ألا يترك ذلك تأثيرا على وجهة النظر المعروضة».

يقول جلول: «في هذا السياق نذكر أيضا أننا أهملنا بعض الرسائل الواردة إلينا والمصاغة بلغة انفعالية غاضبة أو بأسلوب شتائمي لوصف نص من هنا أو مواقف أحد الكتاب من هناك، وذلك لمخالفتها قواعد الحوار وأصوله» مع الإشارة إلى أن المشاركة في «حوار المشرق والمغرب» لم تقتصر فقط على «اليوم السابع» فقد بادر عدد من الكتاب إلى نشر نصوص ومداخلات في صحف أخرى.

وردت إلى المجلة تساؤلات، تم نشرها في مقدمة الحلقة الأولى في العدد 252 من مجلة «اليوم السابع» ومنها: لماذا تسمية الحوار ب «المشرق والمغرب»؟ أليست هذه التسمية بمثابة تكريس للتقسيم الاستعماري للعالم العربي؟، لماذا اختيار حنفي والجابري؟، لماذا تكرسون هذين الكاتبين؟ هل يمثلان المشرق والمغرب حقا؟

في التمهيد للحوار ذكرت المجلة أن تسمية «المشرق والمغرب» هي تسمية جغرافية ولا علاقة لها بقضية «مفهوم استعماري» أو «صوفية» المشرق أو «عقلانية» المغرب، أما بالنسبة لاختيار الجابري وحنفي كمتحاورين أساسيين، فهو يطرح صعوبات متصلة بالتصنيف، ودرجة التمثيل وتلبية أغراض الحوار، وكما يقول جلول: «لو اخترنا ثنائياً آخر غير الكاتبين المذكورين لوجدنا من يطعن بصحة تمثيلهما للمنطقتين، إذا لم نقل إن الطعن قد يتجاوز ذلك بكثير، فحياتنا الثقافية العربية زاخرة بكل أنواع الأحكام الاعتباطية وبالتهم السرية، وبأمراض أخرى».

يقول د. حسن حنفي حول هذه التجربة: «كانت أهم صفة تفرد بها الحوار هي تجاوز الحكم بالخطأ والصواب، والاستبعاد والإقصاء، ومنطق الفرقة الناجية» كان الحوار عند طرف بارداً، وعند الطرف الآخر هادئاً في الشكل، قويا في المضمون، لكن حسب تعبير فيصل جلول فإن: «التجربة نجحت في إثارة جدل واسع حول المواضيع المطروحة، وقد تجاوزت النتائج ما كان يأمله الكاتبان بطبيعة الحال».

يبدأ القسم الأول من الحوار على هذا النحو: «عزيزي محمد.. لقد آن الأوان لجيلنا أن يتجاوز أحادية التطرف والتكفير والتخوين المتبادلين، ففي الفكر والوطن، متسع للجميع، وإن أشد ما يحزننا هو حديث «الفرقة الناجية» المشكوك في صحته عند ابن حزم، الذي يكلفه اجتهادات الأمة كلها، ولا يستبقي إلا واحداً هو اجتهاد الدولة القائمة، وهو ما ترسب في وعينا القومي بتكفير كل فرق المعارضة، واستبقاء اجتهاد واحد صائب هو اجتهاد السلطة القائمة».

ويرد الجابري قائلاً: «عزيزي حسن.. عندما طلب مني الإخوة المشرفون على هذه المجلة المساهمة في حوار يجرى على صفحاتها بين كاتب من المشرق وآخر من

المغرب، فهمت أن الأمر يتعلق بفتح «ساحة» أخرى من ساحات العمل من أجل استعجال «اليوم الثامن» الذي ننتظر مجيئه، اليوم الذي سيدشن «أسبوعاً» جديداً على صفحات تاريخنا، يتحقق خلاله ما نطمح إليه من تجاوز لكثير مما يطبع حاضرنا، من تعدد ليس كله ضروريا، واختلاف ليس كله مبررا، وكلام ليس كله مفهوما، وسكوت ليس كله ذهبا ولا فضة.. إلى آخر القائمة».

في المقدمة التي كتبها د. حسن حنفي بعد 15 عاماً من إجراء الحوار ونشره، يقدم ملاحظاته على النقاط التي تناولها الحوار، فعلي سبيل المثال: «في الحوار حول الحداثة، باعتبارها الطريق إلى العصرية، وتعدد نماذجها، فإنها تبدو، بعد 15 عاماً، وكأنها أصبحت بعيدة المنال، بعد أن قويت التيارات المحافظة وبدأ الحديث عن فشل النموذج العربي، اعتماداً على «تقرير التنمية البشرية» الأول والثاني والثالث، ليست الحداثة فقط هي النمو الاقتصادي والتقدم العمراني وزيادة الدخل القومي، بل هي تحديث العقل، وتجديد الثقافة، وتغيير الرؤية للعالم، وطالما أن المركزية الأوروبية مازالت مستمرة، سيظل النموذج الغربي ينتقل من المركز إلى الأطراف، يمنع من تعدد النماذج والاجتهادات».

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق