مؤانسات

التراث بين التجديد والتبديد

يطلق مفهوم «التراث» على مجموع الآراء والأنماط والعادات الحضارية التى تنتقل من جيل إلى جيل، ومن ذلك: التراث العلمى العربى، والتراث الإسلامى، والتراث الثقافى، والتراث الشعبى، وغير ذلك من أشكال تراثية أخرى.

وعلى الرغم من أن التراث يعد من خصائص الإنسان الأساسية التى يتميز بها عن بقية المخلوقات، فإنه ليس شيئا مغروسا فى فطرته، وليست له أى صلة بغرائزه، وإنما الإنسان يتعلمه، وهو قادر على أن يتعلمه أو يتعرف عليه ويدرسه، معتمدا فى ذلك على ما لديه من لغة، وذلك فضلاً عن أنه كائن اجتماعى.

والإنسان – من حيث هو إنسان – لا يمكن فصله عن ماضيه الثقافى وتراثه الحضارى والدينى، ولعل صلة الإنسان المسلم بتراثه تختلف عن صلة غير المسلم بتراثه لارتباط التراث الإسلامى بالدين ارتباطا وثيقاً، ولكن هذا لا يعنى أن هذا الماضى التراثى، بما فيه من جوانب إيجابية وأخرى سلبية – يكون بالنسبة للمسلم قيداً يشل حركته، ويجمد به عن السير قدما إلى الأمام، والتفاعل المثمر مع عالمه المتغير، وإنما هذا الماضى التراثى يكون بمثابة مؤشر يوجه الشخصية الفكرية لأمة من الأمم على وجه العموم.

فالإنسان يتعلم من تراثه، وبذلك تتكيف شخصيته، وبهذه الشخصية تتميز أمة عن أمة. والأمة العربية الإسلامية حين تريد فى أيامنا هذه أن تستعيد شخصيتها الاستقلالية فى نظرتها إلى الأمور وإلى الحياة بوجه عام، فإنه لا مفر أمامها من الاسترشاد بماضيها وتراثها، تبحث فيه عن عوامل النهوض لتنهض، وأسباب التقدم لتتقدم، وعناصر الاستقلال لتكون لها شخصيتها المستقلة، ولكن ذلك كله لا يجوز أن يحدث دون مراعاة لمتغيرات العصر، وما يستجد فيه من تطورات إيجابية فى جميع المجالات.

ونعتقد أن مجتمعاتنا الإسلامية فى أشد الحاجة إلى هذه النظرة المتوازنة للأمور، لكى تبنى مستقبلها الحضارى على أسس راسخة، فنحن حين نستعيد فى ذاكرتنا هذا التراث، لا يجوز لنا أن نتوقف عند مجرد التغنى بالأمجاد، والتفاخر بما كان لنا فى غابر الأزمان من عز وسؤدد، وإنما نريد أن ننتفع بما فى تراثنا من عناصر القوة وأسباب العظمة، ولكن هذا لا يجوز أن يعنى بأى حال من الأحوال أن نغلق الأبواب والنوافذ أمام متغيرات العصر، فنحن لسنا من دعاة القطيعة لا مع التراث ولا مع متغيرات العصر، وإنما نحن مع التواصل المستمر، والاستفادة من تجارب الآخرين.

ومن أجل ذلك، فإننا نختلف مع أصحاب النظرة الأحادية الذين يذهبون إلى القول بأنه ليس هناك أى جدوى من البحث فى ثنايا الماضى عن عوامل التقدم، فذلك – فى رأيهم – يعد تخلفا ورجعية، لأن عناصر التقدم ماثلة أمامنا فيما تقدمه الحضارة الغربية كل يوم، وقد سبق أن نادى أحد كبار المفكرين – الذى يتبنى هذا الاتجاه -قائلاً: «إنى لأقولها صريحة وواضحة: إما أن نعيش عصرنا بفكره ومشكلاته، وإما أن نرفضه ونوصد دونه الأبواب لنعيش تراثنا، نحن فى ذلك أحرار، لكننا لا نملك الحرية فى أن نوحد بين الفكرين».

وأعتقد أننا نملك الحرية فى الاستفادة من إيجابيات الحضارة الغربية، مع الاحتفاظ فى الوقت نفسه بالعناصر الأساسية فى تراثنا، ونحن فى ذلك لسنا أمام تجربة أولى، فقد سبق أن جمع أسلافنا فى مرحلة البناء للحضارة الإسلامية بين تراثهم والاستفادة فى الوقت نفسه من إنجازات الحضارات السابقة، واستطاعوا أن يمزجوا بين الجانبين دون حرج، والفكر الفلسفى الإسلامى شاهد على ذلك.

وأود هنا أن أستدعى من التراث دعوة نطلقها أيضاً عالية وصريحة فى وجه الداعين إلى التخلى عن التراث حتى نكون عصريين، أى مقلدين للغرب تقليدا أعمى فى فكره وفهمه، دون تمييز بين ما يفيد وما لا يفيد.

يقول الإمام أبوحامد الغزالى: «فجانب الالتفات إلى المذاهب، واطلب الحق بطريق النظر، لتكون صاحب مذهب، ولا تكن فى صورة أعمى.. فلا خلاص إلا فى الاستقلال» ويقول أيضاً: «ومن قلد أعمى، فلا خير فى متابعة العميان»

وهذا صوت من قلب تراثنا انطلق منذ أكثر من تسعة قرون، وكأنه لا يزال يعيش معنا صراعنا الحالى مع التيارات الفكرية التى تحيط بنا من الشرق والغرب، محذرا من الوقوع تحت تأثير أى منها، ومطالبا بأن تكون لنا نظرتنا المستقلة إلى الأمور، فلا خلاص إلا فى الاستقلال، وقد ظل هذا المفكر العظيم طوال حياته يحارب شتى ألوان التقليد، ويرى أن التقليد آفة الفكر، ولهذا نراه فى صراعه مع التيارات الفكرية فى عصره يتابع دعوته الاستقلالية قائلاً: «فاعلم يا أخى أنك متى كنت ذاهباً إلى تعرف الحق بالرجال من غير أن تتكل على بصيرتك، فقد ضل سعيك، فإن العالم من الرجال إنما هو كالشمس أو كالسراج يعطى الضوء، ثم انظر ببصرك، فإن كنت أعمى فما يغنى عنك السراج والشمس، فمن عول على التقليد هلك هلاكا مطلقا».

وإذا كنا نستدعى اليوم هذه الصرخة التراثية، فلأننا نعتقد أن حل أزمة الفكر الإسلامى المعاصر مع التراث مرتبط بمضمون هذه الدعوة التراثية التى تحثنا على النظرة العقلية الواعية، وعلى استقلال الرأى والفكر ونبذ التقليد الأعمى.

وهنا يلح علينا سؤال ذو شقين:

أولهما: كيف تعامل المسلمون فى مرحلة البناء للحضارة الإسلامية مع تراث الآخرين؟

وثانيهما: كيف يتعامل المسملون اليوم مع تراثهم بعد التراجع الحضارى القائم منذ قرون؟

والإجابة على الشق الأول لا تحتاج إلى كبير عناء، فقد سبق أن أشرنا إلى أن الأمة الإسلامية فى مرحلة بناء حضارتها، كانت منفتحة على تراث الآخرين للتعرف عليه والاستفادة من العناصر الإيجابية التى يشتمل عليها، وقد ساعد ذلك بطبيعة الحال على بناء الحضارة الإسلامية، وقد شجع على ذلك بصفة خاصة ما اشتمل عليه القرآن الكريم والسنة من دعوة صريحة إلى عمارة الأرض، أى صنع الحضارة فيها، والحض على طلب العلم، والارتفاع به إلى مرتبة الفريضة، وكذلك الإشارات المتكررة فى القرآن الكريم إلى ضرورة السير فى الأرض من أجل التعرف على تاريخ السابقين من الأمم للاعتبار بما حدث لها، والأسباب التى أدت إلى ذلك، واستخلاص الدروس والعبر حتى لا تكرر أخطاء السابقين، ويؤكد فيلسوفنا الكبير ابن رشد أن التعرف على ما لدى الآخرين من علم واجب شرعاً، ثم يقول: «ننظر فى الذى قالوه من ذلك وما أثبتوه فى كتبهم، فما كان منها موافقاً للحق قبلناه منهم، وسررنا به، وشكرنا لهم عليه، وما كان منها غير موافق للحق نبهنا عليه، وحذرنا منه، وعذرناهم».

أما الإجابة عن الشق الثانى من السؤال، فإنها-للأسف الشديد- ليست وردية كسابقتها.

لقد تعامل المسلمون فى الأعم الأغلب مع تراثهم- وبخاصة الثراث العلمى المتعلق بالعلوم الإسلامية – على نحو غير سليم، فبدلا من النظر إلى هذا التراث على أنه منجم يشتمل على الكثير من الجواهر واللآلىء، وفى حاجة إلى عقليات ماهرة للغوص فيه للبحث عن هذه الجواهر التى يشتمل عليها، نظرنا إليه على أنه ملجأ نلجأ إليه لنحتمى به بحجة الحفاظ على هويتنا، ولكن دون أن نضيف إليه جديداً، أو نستخرج منه ما يفيدنا فى مسيرتنا الحضارية.

لقد أصبحنا ندور حول التراث لتقديسه كما ندور حول الكعبة، وإذا كنا لا نضيف إلى الكعبة جديداً بالطواف حولها، فإننا أيضاً لا نضيف جديدا إلى تراثنا الذى قمنا بتحنيطه خوفاً عليه من الضياع وحفاظا على هوية الأمة، ونعتقد أننا بذلك قد أدينا واجبنا نحو التراث، وأصبح الجمود على التراث سيد الموقف، أما تجديد التراث أو الإضافة إليه فهذا أمر غير مرغوب فيه، فالسابقون قد قالوا كل شىء، ولم يترك الأول للآخر شيئاً ولم يعد فى الإمكان أبدع مما كان، ولم يعد هناك أيضاً مجال لمستزيد، وبخاصة فى مجال العلوم الإسلامية.

ونود أن نؤكد أنه لا يجوز التعامل مع التراث على أنه أساس الدين، وإحاطته بهالة من التقديس، وعلى الرغم من ذلك لا ندعو بأى حال من الأحوال إلى القطيعة مع التراث، فقد سبق أن وضحنا وجهة نظرنا فى صراحة ووضوح تقطع الطريق أمام من يتخيل أننا من أعداء التراث.

ولكن الذى أود أن أؤكد عليه فى هذا المقام أن التراث جهد بشرى يخطئ ويصيب، ولا يجوز الخلط – بأى حال من الأحوال – بين التراث – والقرآن الكريم والسنة النبوية المقطوع بصحتهما، فهذان هما الأصلان اللذان يقوم عليهما الإسلام، ولا يجوز الخلط بينهما التراث الذى هو جهد بشرى خالص، ومن هنا فإنهما لا يندرجان تحت مفهوم التراث بأى حال من الأحوال، ولكن هناك من يخلط بينهما وبين التراث، سواء أكان ذلك بقصد أم بدون قصد.

وقد سبق أن عاب الشيخ محمد عبده على فقهاء عصره تعاملهم مع التراث الفقهى على نحو يضفى عليه عصمة مرفوضة، وأنه الدين الذى يجب العمل به، وفى ذلك يقول: «لقد جعل الفقهاء كتبهم هذه – على علاتها – أساس الدين، ولم يخجلوا من قولهم: إنه يجب العمل بما فيها وإن عارض الكتاب والسنة، فانصرفت الأذهان عن القرآن والحديث، وانحصرت أنظارهم فى كتب الفقهاء على ما فيها من الاختلاف فى الآراء والركاكة».

وغير خاف على أى باحث جاد أن التراث فى مجال العلوم الإسلامية بصفة خاصة يشتمل على إيجابيات كثيرة، ولكنه فى الوقت نفسه يشتمل أيضاً على كثير من السلبيات.

وواجبنا أن نتلافى السلبيات، ونعمل على تنمية الإيجابيات، ونبحث فى الوقت نفسه عن الحلول الملائمة لمشكلات عصرنا حتى لا نكون منفصلين عن الواقع، وواجب المؤسسات الدينية فى عالمنا الإسلامى، والتى تقوم بالإشراف على آلاف المعاهد التعليمية الدينية – وعلى رأسها الأزهر الشريف – أن تراجع كتب التراث التى تدرس لهؤلاء الطلاب فى تلك المعاهد، وأن تقوم بحذف ما قد يكون فيها من سلبيات، أو على الأقل – وهذا أضعف الإيمان – أن تقوم بالتنبيه فى الهوامش على أن هذه الأمور ربما كانت مناسبة لعصرها، ولكنها لم تعد مناسبة لعصرنا، مع التأكيد أيضاً على أن من خصائص الشريعة الإسلامية أنها تقوم على التيسير على الناس ورفع الحرج عنهم، وأنها صالحة لكل زمان ومكان.

وحسبنا أن نشير فى هذا المقام إلى الإمام الشافعى رضى الله عنه، فعندما جاء إلى مصر قادماً من العراق واستقر به المقام فيها، بدأ بإعادة النظر فى آرائه التى كان يقول بها فى العراق، تجاوبا مع أعراف وظروف جديدة وجدها فى مصر، فمثل هذه المرونة فى الفكر فى عقلية الإمام الشافعى وغيره تعد من الإيجابيات التى لا بد أن نضعها أمام أعيننا وعقولنا، لأنها تدلنا على حركية الفكر الإسلامى المتمثلة فى مبدأ الاجتهاد الذى فتح الرسول عليه الصلاة والسلام بابه واسعاً ليظل مفتوحا إلى قيام الساعة، لملاحقة أى تطورات جديدة قد تطرأ على حياة الناس وتعاملاتهم فى مختلف الأمور الحياتية.

د. محمود حمدى زقزوق .. عضو هيئة كبار العلماء بمصر

موقع صوت الأزهر

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى