آراء

التحريض الإعلامي العربي المشترك

محمد رضوان*..

حتى في زمن الخلافات الإيديولوجية الحادة، لم يكن الإعلام العربي بهذا المستوى من الصدامية والعداء والتحريض المتبادل بين الأشقاء والمزايدة على قضايا كبرى كانت كلمة العرب إزاءها موحدة ولسانُهم فيها واحدا.

اليوم، أصبحنا نعيش قصفا إعلاميا عربيا مهولا؛ يكفي فتح أشهر قنواتنا الفضائية لترى نشرة أخبار مطولة وبرامج مصورة موجهة كمنصات صواريخ لقصف هذا البلد العربي أو ذاك؛ قنوات من أحدث طراز، وبتقنيات عالية، وأطر ذات كفاءة مهنية، لكنها بخطوط تحريرية تحريضية لنشر السخط والكراهية، لا تعير للمروءة العربية ولا لأخلاقيات الصحافة أية قيمة أو أهمية.

اتجاهات الرأي العام في الشارع العربي غدت متشظية بقدر انقسام التوجهات التحريضية للإعلام الفضائي العربي، لم نعد نحتاط من مصداقية القنوات الفرنسية أو الأمريكية أو البريطانية في تغطياتها للشأن الداخلي أو القضايا العربية، بل أصبحت غالبيتنا تلجأ إلى هذه القنوات لعدم الوقوع في شباك الحملات المغرضة لفضائياتنا العربية.

لا شك أن وضعنا السياسي والأمني العربي لم يعد يسرُّ حتى العدو، لكن وضعنا الإعلامي أدهى وأمرّ؛ فأنت لا ترى على شاشات الفضائيات العربية إلا ما يزيدك همّا على غمّ، دمار وحروب ومجاعات ومؤامرات وفضائح.. وكل نظام يفضح شقيقه بنصيبه منها، ويرميه بمقذوفات إعلامية  قاتلة.

أحيانا تكون أجواء العداء والحرب أشد تأثيرا من الحرب نفسها؛ بعض الدول تخوض حروبا خاطفة أو طويلة، لكن ذلك قد لا يحدث تأثيرا عميقا مثلما تحدثه أجواء الحرب والدعاية العدائية خاصة إن كانت بين الأشقاء والأقارب.

لا داعي للقول إن هناك حاجة لإرساء نظام إعلامي عربي خال من التحريض والكراهية والتخوين، وهو مدخل أساسي لعلاج كثير من أزماتنا العربية، لقد تفاقمت كثير من خلافاتنا السياسية بسبب الإعلام غير الرشيد، الذي يعمل على مزيد من التصدع وبث الشكوك والسموم وعدم الثقة.

التحدي الراهن للإعلام العربي المهني يكمن في عدم التماهي مع وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي غير الخاضع لشروط الممارسة المسؤولة وأخلاقيات العمل الصحافي الاحترافي، فالخيار اليوم أصبح بين إعلام نظامي مسؤول، وإعلام عشوائي منفلت.

* رئيس التحرير

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق