حوارات

الأستاذ مولاي اسماعيل العلوي في حوار مع صحيفة “صوت المتقاعد”.. العديد من المسؤولين لا يضعون مصلحة المتقاعدين نصب أعينهم

حاوره: محمد رضوان

صوت المتقاعد- 15/01 غشت 2020

◊ صوت المتقاعد: مرحلة التقاعد تبدو بعيدة في تفكير عدد من الموظفين والمستخدمين الذين لا زالت تفصلهم عن التقاعد عدة سنوات، كيف تنظرون إلى هذه المرحلة التي تنتظر هؤلاء العاملين، وكيف اختبرتموها شخصيا..؟

م. اسماعيل العلوي: لا غرابة في أن تبدو مرحلة التقاعد بعيدة لمن هو ما زال في عنفوان شبابه، أما صعوبة هذه المرحلة فلن تكون كذلك إلا بالنسبة لمن لم يتسلق السلالم الإدارية إلى نهايتها ويتقاضى راتبا ضعيفا أصلا.

إنها تزداد صعوبة لأن الراتب المعتاد ينخفض بشكل ملحوظ حيث تنمحي التعويضات التكميلية، وبالتالي يجد المرء نفسه في وضع حرج، لاسيما إذا لم يتمكن من تسديد الديون التي تحملها لبناء بيته مثلا أو لشراء سيارة أو غير ذلك من المصاريف التي أصبحت تفرضها ظروف العيش على كل من يندرج في الحياة العصرية.

بالنسبة لي شخصيا لا شك في كون ظروفي الاجتماعية حمتني من هذه الآفاق التي أشرتُ إليها، وأنا واعٍ بأني لا أمثل سوى نسبة قليلة من مجموع المتقاعدين الذين «شُطِّب عليهم من أسلاك الوظيفة العمومية» كما كان يُقال حتى هذه السنوات القليلة الأخيرة.

◊ صوت المتقاعد: يتصور الكثيرون أن التقاعد هو مرحلة من العمل للخلود إلى الراحة. هل تعتقدون أن المتقاعد ينبغي أن يتصرف وفق هذا التصور، أم عليه أن يخوض تجارب وأنشطة أخرى..؟

م. اسماعيل العلوي : الخلود إلى الراحة بعد الدخول في مرحلة التقاعد..؟ الخلود ليس من صفة البشر، لِذا أُفضل استعمال كلمة «الركون» وليس «الخلود»، لأن دار الخلد تعني الموت، في حين يدخل المرء عامة، أكان موظفا أو مأجورا، مرحلة التقاعد في سن مبكرة (60 سنة) على الأرجح، وأقل من ذلك بالنسبة لمن اشتغل في ميادين مرهقة كالعمل المنجمي أو السكك الحديدية وما شابه هذين المجالين.

أعتبر أن الراحة هي بمثابة بوابة الموت البطيء. فإذا كانت الحالة الصحية للمرء، فما عليه إلا أن يشتغل إما في الميدان الذي أفنى فيه زهرة عمره كالتعليم مثلا أو الهندسة، أو أنشطة مماثلة لتلك التي أشرتُ إليها الآن، وذلك لأن مجتمعنا مازال في حاجة ماسة إلى أُطرٍ تمرست مدة طويلة وامتلكت كفاءة وخبرة في العديد من الميادين كالتعليم ومحاربة كل من الأمية والجهل، أو الطب والأنشطة المرافقة له للاستشفاء، والهندسة المدنية للمساهمة في فك العزلة على بعض إخواننا وأخواتنا القاطنين في مناطق محاصرة بحكم التضاريس أو غيرها من العراقيل الطبيعية وحتى البشرية الصرفة والقائمة طويلة.

وهنا أود، إن سمحتم، أن أؤكد على ضرورة التهيييء لمرحلة التقاعد والاستعداد لخوض نشاط يضمن الحيوية الشخصية والجسدية والذهنية.

وأتذكر شخصيا حالة أحد معارفي لم يقم بتهييئ نفسه معنويا وماديا قبل دخوله مرحلة التقاعد، فأُصيب سنتين بعد توديعه العمل النشيط بانهيار ذهني واكتئاب جعله يفقد الشهية فقضى نحبه في مدة وجيزة من الزمن.

◊ صوت المتقاعد: ما هو انطباعكم عن شخصية المتقاعد المغربي، هل هي شخصية إيجابية تحافظ على اندماجها في المجتمع وخدمته، أم تصيبها اعتلالات نفسية وصحية نتيجة هذه المرحلة من العمر..؟

م. اسماعيل العلوي: لا يوجد صِنف واحد ووحيد لشخصية المتقاعد المغربي. فلكل واحد ما يميزه عن الآخر ولله الحمد.

لكن يمكن أن نقول إنه رغم الصعاب التي تعترض المتقاعدين، والتي سبق ذكرها، فالمغربي بطبيعته شخص مطبوع بنوع من الطمأنينة، ولا شك أن هذه الميزة تعود إلى تربيته الأساسية بحيث يتشبع منذ صغره أن لا وكيل له وعليه إلا خالقُه.

إنه يستطيع بذلك مواجهة ما يعترض سبيله وينتصر، وفي غالب الأحيان، على مصاعب الدنيا والحياة.

وعلينا أن لا ننسى أن الخبرة التي يكتسبها أي واحد منا طيلة حياته من خلال معاشرته لأصناف بشرية عديدة ومتنوعة، كل ذلك يجعله حريصا على استمرار اندراجه في مجتمعه، ويقدم لهذا المجتمع كل ما باستطاعته تقديمه من خدمة وعون ومشورة ومساهمة، وذلك لأن التقاعد لا يجعل من المرء شخصا منسلخا عن كونه مواطنا يتمتع بكافة الحقوق وواجبات المواطنة حتى يلتحق بالرفيق الأعلى.

صحيح أن هناك من لا تسعفه حالته الصحية بالمفهوم الشامل لكلمة الصحة، وكنت أشرت في بداية هذا الحوار إلى حالة ذلك الشخص الذي أصابه اكتئاب فلم يُطِل الله في عمره كثيرا.

لكن مثل هذه الحالة تبقى نادرة، وهنا ينبغي على الوسط الأسري والمحيط المباشر من جيران وأصدقاء أن يقوم برفع معنويات من يمر بمثل هذه المرحلة العصيبة.

كما على المجتمع ككل وعلى الدولة، وهي المؤتمنة على أحوال كل فرد من أفراد المجتمع، أن توفر الظروف التي من شأنها ضمان حياة كريمة للمتقاعدين. وعندما نتكلم عن المتقاعدين نعني المسنين والمسنات أيضا .

كيف لا ، ونحن نعلم أن مجتمعنا المغربي يتحول تدريجيا إلى «مجتمع شيخ» نظرا لتطور الأوضاع الديموغرافية كما حصل لعدة مجتمعات عبر العالم، لِذا على الدولة بالسهر على عدم انخفاض القدرة الشرائية، وبالتالي مستوى عيش كل المتقاعدين والمتقاعدين من جهة، كما عليها أن تجهز البلاد بمراكز إيواء للمتقاعدين، وأن تقدم لهم جميعا التغطية الصحية الضرورية، ويجب الإقدام على هذه الإجراءات نظرا لتطور تقاليد مجتمعنا وخروجه من نمط العلاقات الأسرية التي كانت تميزه في الماضي ودخوله نمط الأسرة المقتصرة على الأبوين والأبناء الصغار.

على الدولة إذن، حكومة وجماعات، أن تشرع في تهيييء الفضاءات الكفيلة بالاستجابة إلى حاجة السكان المتقدمين في السن والعناية بهم على جميع المستويات بما فيها التطبيب والاستشفاء المناسبين.

ويفرض علينا هذا الواقع الخاص بالتطبيب تكوين أطباء متخصصين في الشيخوخة ومستلزماتها في ميدان الصحة، وذلك بالأعداد الكافية في السنوات المقبلة.

◊ صوت المتقاعد: بالرغم من أن بعض الناس يحسبون الشهور والأيام قبيل إحالتهم على التقاعد، لكنهم لا يفكرون في التحضير لهذه التجربة الجديدة في الحياة، برأيكم كيف يمكن التهيؤ لتقاعد إيجابي وسعيد..؟

م. اسماعيل العلوي: لقد ذكرتُ في بداية هذا اللقاء أن على كل فرد دخل ميدان الإنتاج والعطاء أن يدرك أن لا شيء يدوم. وبالتالي فعليه أن يكون مهيئا ذهنيا عندما يأتي وقت مغادرة ما تعوَّد عليه طيلة سنوات.

وكما سبق أن قلت، فالميادين التي يمكن دخولها بعد وصول سن التقاعد كثيرة لاسيما في بلد مثل بلدنا الذي ما زال يعاني اختلالات ونقائص اجتماعية كثيرة.

لقد أشرت إلى واقع ميدان المعرفة الذي يقتضي أولا القضاء على الأمية المتفشية مع كل أسف بين الملايين من بنات الوطن وأبنائه رغم المجهودات التي بُذلت والتي تُبذل لتصفية هذا المرض الاجتماعي الخطير الذي يكلف في خفاء مجتمعنا واقتصادنا الكثير. ثم هناك كل ما يتصل بتهيئة وتجهيز أرياف الوطن من مسالك وطرق، وكذلك ما يتصل بالصحة.

إن ميادين الاشتغال بعد التقاعد الرسمي كثيرة، فمنها الثقافية الصرفة، ومنها الاجتماعية.. والقائمة طويلة ولا تحتاج إلا لتوفر روح الإقدام والمبادرة عند المتقاعدين والمتقاعدات.

◊ صوت المتقاعد: كثيرون من المتقاعدين يشتكون من الفراغ والملل ولا يجدون ما يملؤون به أوقاتهم، ما هي طبيعة الأنشطة والبرامج التي تنصحون بتوجه هؤلاء إليها للتخلص من هذا الشعور القاتل بالفراغ..؟

م. اسماعيل العلوي: كما ذكرت في ما سبق ينبغي على كل من الأخوات والإخوة الذين وصلوا إلى التقاعد أن يجدوا نشاطا يقومون به لتفادي الإحساس بالغبن و الملل والفراغ.

◊ صوت المتقاعد: لماذا يشكل المتقاعدون الحلقة الضعيفة في الإصلاحات والتوازنات المالية لكثير من الدول بما فيها المغرب، وبرأيكم هل يمكن للمتقاعد أن يتحمل أخطاء التدبير في صناديق المعاشات.. ؟

م. اسماعيل العلوي: في اعتقادي يشكل المتقاعدون الحلقة الضعيفة في التوازنات المالية في الكثير من الدول لأن العديد من المسؤولين لا يضعون مصلحة المتقاعدين نصب أعينهم، متناسبين أنهم هم أنفسهم سيصلون إلى التقاعد في يوم من الأيام، لا سيما أن الأموال التي تُطعِّمُ حوالات التقاعد هي أموال المتقاعدين، وصناديق التقاعد هي صناديق توفير المتقاعدين لأموال اقتُطعت من رواتبهم التي تقابل الجهد الذهني أو الجسدي أو كلا النوعين من الجهد الذي بذلهما المتقاعد والمتقاعدة.

والمال المدخر، كما هو في علم الجميع، بضاعة تستثمر وتنتج هي بدورها قيمة مالية إضافية، وبالتالي فان صناديق التقاعد هي في الواقع بنوك إيداع وبنوك استثمار في آن واحد، وفي إمكانها أن تدر أموالا كثيرة.

لذا على الدول ومسؤوليها أن يصونوها حتى لا تصبح فريسة لما يسمى ب»صناديق المعاشات»، التي استحوذت عليها وتتحكم في مصيرها بنوك مُفترِسة، عابرة للقارات في غالب الأحيان.

وجوابا على الجزء الأخير من سؤالكم الذي وردت فيه إشكالية تحمل المسؤولية من قبل المتقاعد أو المتقاعدة من عدمه، فبالنسبة للأخطاء التي شابت أو يمكن أن تشوب تدبير الصناديق المعاشات، أقول إن هناك جزءً من المسؤولية يعود إلى المتقاعدين. أجل إننا نحن المتقاعدين أو المتقاعدات، لسنا «أكباشا» يُزجُّ بها في ما يحلو للبعض أن يزج بها، إذ علينا أن نطالب بحقنا في وجه من وضعنا فيه ثقتنا لتدبير شؤون صناديقنا الخاصة بالتقاعد.

وهذه اليقظة مطلوبة من جميع المنخرطين في نظام التقاعد سواء، أكانوا نشطاء شبابا، أم أحيلوا على التقاعد.

وعلينا ألا ننسى أن كل هذه التصرفات من اليقظة والمطالبة بتفعيل جزء مما تتضمنه «الديمقراطية بالمشاركة» المنصوص عليها في دستور بلادنا.

ولا يعفي هذا أجهزة الدولة من أن تكون يقظة هي بدورها حتى تجعل حدا عند الاقتضاء لأي زيغ عن طريق الصواب، ذلك الزيغ الذي من شأنه المساس بمصالح المتقاعدين، و»تبخر» مدخراتهم نتيجه التلاعبات والاختلاسات أو سوء التدبير الإداري أو المالي.

◊ صوت المتقاعد: ماذا يمكن أن تقول للمرأة المغربية المتقاعدة ؟

م. اسماعيل العلوي: ما هو صحيح بالنسبة للرجل صحيح في اعتقادي للمرأة. لا وجود حسب منظوري لأي فرق بينهما في الدفاع عن مصلحتهما.

وأغتنمها فرصة للتنديد بواقع يتجاهله العديد من الناس، وهو المتعلق بالحيف الموجود على مستوى الأجور بين المرأة والرجل، وبالتالي على مستوى مستحقات النساء المتقاعدات في العديد من قطاعات الشغل (في ميدان العمل الزراعي مثلا وحتى في الميدان الصناعي أو الخدماتي بالقطاع الخاص).

أما في ما يتصل بدور المرأة المتقاعدة، فما قلته بالنسبة للرجل يهمها كذلك مع التأكيد على الجانب العاطفي الذي يطبع أنشطة المرأة في عملها الاجتماعي الخاص، مثلا، بالعديد من الأنشطة المدرة للدخل الموجهة للعنصر النسوي كالخياطة والتجميل والتطريز ، دون إغفال ما يهم الصحة عموما، والعناية بأوضاع الأطفال على وجه الخصوص.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى