آراء

اقرأوا محمود .. لا تختزلوا سليم

صحيفة لبيب - 17 يونيو 2020

عمر حلمي الغول*

مازال المشهد الثقافي يضج بالصراخ مذ نشر الروائي السوري الكردي، سليم بركات مقالته المعنونة “محمود درويش وانا” في صحيفة “القدس العربي” الصادرة في لندن في 6 يونيو 2020، ذكر فيه، ان الشاعر الفلسطيني العربي الكبير، محمود درويش بثه سرا خاصا به، مفاده، ان ” له بنتا من إمرأة متزوجة، ولا يشعر بحنين الأبوة”. وحسب قول المبدع سليم، ان مقالته كتبها عام 2012، لكنه لم يشأ نشرها آنذاك، وبالضرورة لإسباب خاصة به، غير انه إرتأى مطلع حزيران الحالي نشرها، ومن دون إثارة الأسئلة عن اسباب عدم النشر سابقا، ونشرها حاليا، وايضا دون إعتبار ذلك إستهدافا شخصيا لرمز الثقافة الوطنية، أو تشويها لميراثه الشعري، ولمكانته الأدبية ورمزيته، وقامته العالية، لا سيما وان ما بين بركات ودرويش من علاقات حميمة تسقط من يد كل متحامل على الأديب الكردي السوري أوراق الضغينة والمكيدة والمؤامرة وتصفية الحسابات.

ونعلم جميعا أن شاعرنا العظيم محمود إنسان، إسوة بكل إنسان إمرأة ام رجل، يحب ويكره، له خصاله الخاصة، وإبداعه الأدبي والمعرفي قد يؤثر في بنائه وسلوكياته، ونمطية علاقاته مع الآخر الإنسان، لكنه لا يسلبه حقوقه وخصوصياته وعوالمه ودهاليز حياته المتشعبة على كل الصعد والمستويات.

ولا أعتقد ان يكون لمحمود درويش إبنة من إمرأة أحبها، أمراً إستثنائيا، فالدنيا مليئة بالأسرار والعوالم الخفية. وإن كان من وجهة نظري، أن ما باح به درويش لصديقه سليم، لم يكن للنشر. لأنه لو كان يريد نشر ذلك، لما تردد. لكنه في لحظة انسجام وتصالح مع الذات، وبحكم العلاقة الخاصة مع الأديب بركات بثه سره. وبالتالي كان الأجدر بالكاتب السوري إبقاء السر معه، لأنه لن يقدم أو يؤخر في مسيرة سيد الكلم محمود، خاصة وانه رحل، وبات لسانه متوقفا عن النطق. ولا يستطيع الدفاع عن نفسه، أو تأكيد ما نشره صديقه الحميم بركات. أضف إلى انه لم يطلب من صديقه نشر السر بعد رحيله.

الأديب والكاتب الإنسان ليس منزها ولا معصوما عن الأخطاء، وليس إنسانا كاملا، فهو بشر يصيب ويخطئ، يعشق ويبغض، ومن يعتقد أن محمود أو سليم أو أيا من الكتاب المبدعين منزه، فهو مخطئ، ولا يرى الإنسان المبدع بشكل كامل، آو يحاول أن يخرجه من كينونته الاجتماعية والسيكولوجية والبيئية والعاطفية ليضفي عليه ثوب الكمال، وهذا ليس حقيقيا، ولا يمت بصلة للواقع.

لذا لا أعتبر ما أدلى به المبدع سليم بركات من معلومات عن شاعرنا ورمز ثقافتنا نقيصة تحتاج منا الدفاع عن محمود، أو الهجوم على الأديب السوري الكردي. وكون محمود درويش بقامته الشامخة، وميراثه الشعري والأدبي، ورمزيته الثقافية يستطيع الدفاع عن مكانته، وإنسانيته. وقد يكون الآن في خلوده يتبسم على الضجيج الدائر حول السر، الذي أفشاه سليم بركات. ويقول للمدافعين عنه، وللمهاجمين وللمحايدين: كفوا عن الثرثرات الفارغة، توقفوا عن نبش قبري، فأنا تركت لكم صرح الحياة، ورحلت عنكم لعلكم تكملون مسيرة العطاء، انظروا إلى نصف الكأس الممتلئ، اقرأوني ثانية، وثالثة وقدر ما تستطيعون، فما تركته لكم ثروة عظيمة، أهم من كل أموال وذهب الكون.

كما انه ينادي على الجميع، لا تختزلوا سليم بما كتبه، لأنه قامة أدبية مبدعة وكبيرة، وأعطى، ومازال ينتج المعرفة، ويغذي الثقافة بمخزونه العميق من الإبداع. سليم كان صديقي وحبيبي، ولولا ما كان بيننا لما بحت له بما بحت من أسرار. وارحموني من محبتكم الزائدة، أو سقطاتكم وبغضكم غير المبرر، وأشعلوا شمعة في ظلام اللحظة، وأكملوا مشوار الحياة، وتوحدوا لمواجهة الكورونا والأوبئة والحروب الأميركية الإسرائيلية القذرة ضد العرب والعالم عموما وضد شعبكم شعبي الفلسطيني خصوصا، وانثروا ورود المعرفة والتنوير والنهضة في كل زوايا الوطن الصغير والكبير، وحطموا أصنام التكفير والتخوين، وحاربوا وباء الاستعمار الصهيو أميركي واصنعوا حلم الأجيال القادمة على أرض سيدة الأرض، فلسطين.

* كاتب وباحث، عضو المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق