آراء

التدريب المهني السويسري نموذح للإحتذاء في العالم

إيزوبيل ليبولد جونسون

يتصدّر المتدربون السابقون المقدّمة في تولّي إدارة البنوك الكبرى، وحتى إدارة البلاد. وغالباً ما يُشار إلى نظام التدريب المهني المعروف في سويسرا، على صعيد المعايير، بأنه “المعيار الذهبي” في التدريب المهني وبأنه الخيار الأول للشباب. هذا ما تنتهي إلىه الكاتبة إيزوبيل ليبولد جونسون في تقرير لها عن جودة نظام التدريب المهني السويسري وتطلع الدول المتقدمة في العالم إلى استنساخه لديها. جاء في التقرير الذي نشرته في أحد المواقع السويسرية؛

يقول سيرجيو إرموتي، الرئيس التنفيذي لأكبر بنوك سويسرا “يو بي إس”، إنه مازال يحمل في جعبته حتى اليوم، ما استفاد منه من الدروس التي تعلّمها أثناء تدريبه المهني قبل أكثر من 40 عاماً، في أحد البنوك في مسقط رأسه في لوغانو.

كنت أقوم بتنفيذ صفقات وعمليات كبيرة. وعلى الرغم من حداثة سني، فقد أتيحت لي الفرص لأطوّر نفسي وأترقّى في مهامي وأحقق النجاح “، على حد قوله في تقرير نشر عام 2017 بعنوان “وظائف اليوم: التعليم والتدريب المهني على الطريقة السويسرية “، وهو تقرير يعرض صوراً لمدراء الشركات التنفيذيين السويسريين الذين بدأوا مسيرتهم المهنية كمتدربين. ويضيف قائلاً: ” أثناء تدريبي تعلّمت كيفية التعامل مع عالم النافذين الكبار، كما تعلّمت قيمة الاهتمام بالتفاصيل الصغيرة في العمل وأن لكل وظيفة مهام عديدة مختلفة، لكل منها أهميتها الخاصة بها”.

يجمع النظام المزدوج في سويسرا بين التدريب أثناء العمل – والحصول على أجر التدريب – وبين الدراسة النظرية في المدرسة ليوم أو يومين في الأسبوع. ويتوجّه حوالي ثلثي طلاب المدارس السويسرية بعد استكمالهم للتعليم الإلزامي، إلى التدريب المهني.

ولكن بعض أولياء الأمور والطلاب يَرَوْن بأن الشباب يجدون أنفسهم مجبرين على اتخاذ قرار مهني في سن مبكر جداً. ويعتبرون أنه لا يمكن لشاب أن يعرف ما يريد أن يفعله في الحياة في سن الرابعة عشرة. لكن الخبراء يقولون إن التدريب المهني للشباب يوفر تجربة حياتية قيّمة، وأن هناك دائماً إمكانية تغيير المسار المهني لاحقاً.

وهناك أيضاً ضغط من بعض الأوساط – لا سيما في صفوف المغتربين العاملين في الخارج والخبراء المهنيين – يدفع باتجاه أن يسلك التلامذة المسار الأكاديمي لأسباب تتعلق بالمكانة والسمعة. وحالياً، هناك فقط حوالي 20% من التلاميذ ممن يلتحقون بالدراسات الجامعية.

لكن السلطات السويسرية لا تزال ثابتة في تمسكها بنظام التدريب المهني وتعمل بانتظام على الترويج لفوائده في الخارج. وقد استضافت سويسرا في هذا الإطار، مؤتمراً دولياً ضخماً للتعليم والتدريب المهنيّيْن. وكان آخر مؤتمر من هذا القبيل، قد عقد في 2018 في فنترتور، وحضره مندوبون من سنغافورة وموزمبيق والهند، على سبيل المثال.

وكان هناك إقرار دولي: فقد مُنحت سويسرا علامة “المعيار الذهبي” عام 2015 بناء على دراسة أجرتها ودعمتها جامعة هارفارد، متصدرة بذلك نتائج الدراسات الدولية المقارنة لأنظمة التعليم المهني.

التصدير إلى الخارج

ولكن من هم المهتمون بالمهارة السويسرية في هذا المجال؟ الولايات المتحدة كمهتم أول: فقد وقع الرئيس دونالد ترامب في عام 2016 على أمر تنفيذي تعهّد فيه بتقديم تمويل بقيمة 200 مليون دولار (193.6 مليون فرنك سويسري) لإنشاء المزيد من التدريب المهني. كما أن الشركات السويسرية، مثل “بوهلر” أو “دايتوايلر”، تضغط باتجاه تبني برامج التدريب المهني على النمط السويسري في الشركات التابعة لها في الولايات المتحدة.

ويصرّح مايكل تايلور، مدير التدريب والإعداد المهني في “بوهلر إيروجلايد” في نورث كارولينا، في مقابلة أجريت معه مؤخراً قائلاً: ” يبدو أن هناك ضغطاً أكبر في هذا الاتجاه، شهدته السنوات الثلاث الماضية، من جانب الحكومات؛ حكومات الولايات والحكومة والفدرالية. لقد بدأ الناس يدركون فائدة الجمع بين الخبرة في العمل والتعليم. والأهم من ذلك كله أن المتدرّب لديه وظيفة وليس لديه ديون مدرسية”.

من جهة أخرى، تعهدت الحكومة البريطانية في عام 2015 بإنشاء ثلاثة ملايين فرصة تدريب مهني إضافي بحلول عام 2020 (قالت منذ ذلك الحين إن هذا الهدف الطموح ليس قيد التحقيق). ووفقاً لتقرير صدر عام 2018 شارك في تأليفه ستيفان ولتر، خبير التعليم السويسري الرائد، فإن الشركات الإنجليزية أيضاً قد تستفيد من نظام التدريب المهني السويسري الذي يبدأ في سن أبكر ويمتد لفترة أطول.

لكن هل من الممكن نقل التجربة السويسرية إلى بلاد أخرى؟

يشير تقريرنا إلى أن صانعي سياسات التعليم والجمهور الأوسع في العديد من البلدان، بما في ذلك الولايات المتحدة والمملكة المتحدة على سبيل المثال، ما زالوا يعوّلون على الدراسة الجامعية باعتبارها “المعيار الذهبي” للنجاح الوظيفي. لكن العديد من البلدان تعرب عن رغبتها في الاستفادة من النموذج السويسري.

وفي مقابلة أجريت مع أونج يي كونغ، وزير التعليم السنغافوري في عام 2018 خلال أحد المؤتمرات، صرّح هذا الأخير قائلاً إنه لا تزال هناك حاجة إلى تغيير في العقلية تجاه التدريب المهني. فبينما تم إحراز بعض التقدم في هذا المجال في سنغافورة، فإن المسؤولين ما زالوا بحاجة إلى تحفيز وتشجيع المزيد من الشركات على القيام بتدريب القوى العاملة لديها، على حد قوله. ويضيف قائلاً: ” في صميم عملنا، يتمثل هدفنا في تطوير نظام من المسارات المتنوعة، حيث يمكن لشبابنا تحديد خياراتهم ضمن نطاق التعلم الأكاديمي والتلمذة المهنية القائم على التدريب المهني، وإيجاد المسار الذي يناسبهم، ويركّز على نقاط قوتهم، ويساعدهم على القيام بوظائف ترضي طموحاتهم “.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى