ٱختيارات المحررسياسة

“أبو ديس” العاصمة التي يرفضها الفلسطينيون

يرفض الفلسطينيون في بلدة “أبو ديس” شرق القدس الشرقية المحتلة إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب بلدتهم عاصمة للدولة الفلسطينية المنتظرة، وفي جعبتهم مجموعة من التساؤلات حول كيف تكون العاصمة على مشارف المدينة المتنازع عليها في الجانب الآخر من الجدار.

وكان ترامب كشف أمس الثلاثاء (28 يناير 2020) عن الخطوط العريضة لخطته للسلام في الشرق الأوسط، والتي يطلق عليها الفلسطينيون تسمية “صفقة القرن” ولطالما أعلنوا رفضهم لها.

وتمنح خطة ترامب القدس المتنازع عليها لإسرائيل لتكون عاصمتها الموحدة وغير القابلة للتجزئة.

أما عاصمة الدولة الفلسطينية فتبدو معالمها غير واضحة.

وبحسب الوثائق الأميركية، ستكون عاصمة الدولة الفلسطينية في جزء من القدس، في إحدى الضواحي التي كانت تابعة لها قبل اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية وبناء “الجدار الأمني”.

وبحسب الوثائق، فإن بلدة “أبو ديس” شرق القدس، هي عاصمة محتملة للدولة الفلسطينية، ويمكن أن يصبح اسمها لاحقا “القدس” أو ربما يطلق عليها الفلسطينيون أي اسم آخر يختارونه.

وللوصول إلى “العاصمة” المعلنة عبر القدس، لا بد من التوجه جنوبا نحو حي “رأس العمود” حيث تصطف عشرات الحافلات السياحية على جوانب الطريق المقابل لأسوار البلدة القديمة، تعمل على إنزال السياح الزائرين للمدينة.

وما هي إلا بضع دقائق في السيارة حتى تصل مفترق طرق بثلاثة اتجاهات، ويقابلك في الاتجاه الرابع مقطع الجدار الفاصل الذي بنته إسرائيل لأسباب أمنية.

ويمكن رؤية المنازل الفلسطينية على الجانب الآخر من الجدار حيث “أبو ديس”.

لكن الجدار يمنع الوصول إلى البلدة، ويتوجب على الذاهب إليها أن يسلك طريقا آخر بين الحارات السكنية المكتظة في قرية جبل الزيتون، التي تقودك في النهاية إلى طريق سريع على جانب أحد مقاطعه مكب للسيارات المستعملة وفي مقطع آخر مدخل مستوطنة “معاليه أدوميم”.

وكانت إسرائيل قد احتلت القدس الشرقية عام 1967، بعدما كانت تخضع للسيادة الأردنية كسائر مدن الضفة الغربية قبل احتلالها، وضمّتها لاحقاً في خطوة لم يعترف بها المجتمع الدولي.

وبعد نصف ساعة من القيادة تصل بلدة أبو ديس التي وضعتها اتفاقية أوسلو ضمن المناطق المصنفة (ب).

وتغيب في البلدة التي يعيش فيها اليوم نحو 14 ألف نسمة أي مقومات تؤهلها أن تكون مدينة أو عاصمة.

والمناطق المصنفة (ب) تخضع للسيطرة الأمنية الإسرائيلية الفلسطينية المشتركة في حين السيطرة المدنية فيها تخضع للفلسطينيين.

وفي أبو ديس، تمتلئ الشوارع بالحفر وقد انهار غطاؤها الاسفلتي وتجمعت فيها مياه الشتاء.

وعلى طول الطريق من جنوب البلدة إلى شمالها تمشي بمحاذاة الجدار الذي رسم على أجزاء منه العلم الفلسطيني وعلقت عليه ملصقات “الأسرى والشهداء” الفلسطينيين.

وعند تقاطع للطرق شمال البلدة، رسمت لوحة غرافيتية ملونة جمعت مسجد قبة الصخرة والقيادي في حركة فتح الفلسطينية، الأسير لدى إسرائيل مروان البرغوثي.

وفي مقاطع أخرى، يكاد اللون الرصاصي للجدار الخرساني يختفي بعد أن غطاه سخام إطارات السيارات التي يشعلها الشبان أسبوعيا خلال المواجهات مع الجنود الإسرائيليين.

عند هذه النقطة، لا يمكن رؤية الجانب الآخر حيث القدس الشرقية إلا بعد اعتلاء سطح إحدى البنايات وما أن تفعل ذلك حتى ترى قبة الصخرة بلونها الذهبي في الأفق.

ويقف محمد هرماس (43 عاما) أمام مقلى الفلافل عند عتبة المطعم الشعبي الذي يمتلكه.

يبدو محمد غير مكترث بإعلان ترامب والأمور السياسية عموما، فالمهم عنده أن لا يضطر إلى إتلاف اللحوم والفلافل الذي يعده في مطعمه بسبب تلوثها بالغاز المنبعث من القنابل التي يلقيها الجنود عند اندلاع المواجهات.

ويشير محمد إلى مواجهات اندلعت في الموقع عشية إعلان ترامب.

يقول محمد “ليست المرة الأولى، الأمور ذاهبة باتجاه الأسوأ، مستحيل أن يكون هناك مستقبل جيد”.

أما سامي نصار الذي كان يحتسي القهوة مع صديقه خارج مقهى، فالمهم بالنسبة له أن يبقى قادرا على الوصول إلى المسجد الأقصى والصلاة فيه.

ويقول سامي (33 عاما) “يجب فصل الدين عن الدولة… لكن أنا أفضل أن تكون القدس هي العاصمة”.

وينصب اهتمام سامي وهو أب لثلاثة أطفال على تأمين حياة كريمة له ولأطفاله.

ويشتكي الشاب الثلاثيني من تفاوت الأجور ما بين الأراضي الفلسطينية وإسرائيل.

يقول سامي “هنا نعمل ليوم كامل مقابل 80 شيكلا (حوالي 22 دولاراً)، لكن نفس العمل في إسرائيل يدر علينا 400 شيكل (حوالي 115 دولاراً) في اليوم”.

وبعد اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية واستكمال بناء مقطع الجدار قرب بلدة أبو ديس، لم يعد بإمكان أهل البلدة الوصول إلى القدس.

تقول طالبة الحقوق الجامعية يارا التي تدرس في سنتها الأولى في “جامعة القدس” الواقعة على أطراف “أبو ديس”، “لا يمكن أن تكون أبو ديس العاصمة”.

وتشير يارا التي تقطن في القدس وتضطر إلى قطع الحواجز عدة مرات أسبوعيا للوصول إلى جامعتها أن “القدس يجب أن تكون مدينة يستطيع الجميع الوصول إليها”.

قرب الجدار في البلدة، بدأت السلطة الفلسطينية في العام 1998 ببناء مبنى “البرلمان”، لكن ما لبث أن بني مبنى آخر في رام الله.

وبالقرب من المبنى الحجري المهجور، تقع المكتبة المحلية التي يقول العاملون فيها إنها تحتوي على ما يزيد عن 2 مليون وثيقة من فترة الإمبراطورية العثمانية والانتداب البريطاني.

يقول مدير مكتبة حفظ التراث في بلدة أبو ديس خالد عليان “كان الأهالي يعتمدون على القدس في عملهم وتعليمهم، جميع المؤسسات هناك”.

لكن بالنسبة له فإن الجدار عمل على “عزل البلدة عن القدس” وهي التي كانت “جزءا من القدس وأحد الأحياء الرئيسية فيها”.

ويرى خالد الذي “لم يفاجأ” بالإعلان الأميركي أن “أبو ديس غير مؤهلة لتكون عاصمة فهي تفتقر لكل مقومات الحياة”.

ويقول وهو ينفث دخان سيجارته إن الإعلان ما هو إلا “بيع للأوهام ومضيعة للوقت”.

وقرب الجدار، سأل مراسلو فرانس برس صاحب مسلخ للدجاج عن رأيه في إعلان ترامب، فقال “هذا الجدار يقول لكم كل شيء”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى